البيانات والمعلوماتالأوراق التحليلية
إصدار حديث

داعش في العراق: انحسار النشاط واستمرار التهديد

قراءة في العمليات التي تبنّاها التنظيم والخسائر الأمنية والتحولات الجغرافية 1 كانون الثاني 2025 – 14 تشرين الأول 2026

الملخص التنفيذي

لم يعد تنظيم داعش يمارس في العراق نمط السيطرة المكانية الذي عرفته البلاد عام 2014، غير أن انحسار حضوره لا يعني انتهاء قدرته على تنفيذ الهجمات، يوثق رصد مركز العراق للدراسات الاستشرافية للعمليات التي أعلن التنظيم مسؤوليته عنها 27 عملية خلال الفترة من مطلع كانون الثاني 2025 حتى 14 تشرين الأول 2026، منها 16 عملية في عام 2025 و11 عملية في عام 2026 حتى تاريخ التقرير، وتوزعت الوقائع على ست محافظات، فيما برزت الأنبار في الامتداد الزمني للرصد، وكركوك في موجة الأحداث الأمنية الأحدث.

تغلب العبوات الناسفة على الأساليب الواردة في بيانات التبنّي، إلى جانب الرمي المباشر والكمائن والاغتيالات والإضرار بالممتلكات الزراعية ومعدات المراقبة، وتستهدف معظم الوقائع عناصر أمنية أو تشكيلات مساندة، بما يعكس استمرار القدرة على تنفيذ هجمات منخفضة الكثافة أكثر مما يعكس استعادة قدرة التنظيم على خوض مواجهة واسعة.

شهد تشرين الأول 2026 سلسلة أحداث في كركوك، من أبرزها هجوم البرغلية الذي تبنّاه التنظيم، ثم مواجهات وضربات جوية عراقية وحوادث ناتجة عن متفجرات متبقية، وتؤكد هذه الوقائع استمرار التهديد، لكنها لا تكفي منفردة لاستنتاج عودة شاملة للتنظيم أو ربطها سببياً بانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.

اتجاه العمليات: انخفاض تاريخي وحضور مستمر

يعكس رصد المركز استمرار تبنّي داعش عمليات متباعدة خلال عامي 2025 و2026، وشهد عام 2025 ست عشرة عملية، مقابل إحدى عشرة عملية سُجلت خلال الفترة المنقضية من 2026، وتشير المقارنة إلى بقاء النشاط رغم تراجعه عن السنوات الأعلى كثافة، مع ضرورة التعامل مع سنة 2026 بوصفها فترة لم تكتمل.

الفترةالعمليات المتبنّاة في رصد المركز
202516
1 كانون الثاني – 14 تشرين الأول 202611
الإجمالي27

جغرافيا النشاط: انتشار محدود ومساحات ريفية

توزعت العمليات التي يرصدها المركز بين الأنبار وكركوك وصلاح الدين ونينوى وديالى وبغداد، وتشير أوصاف الوقائع إلى حضور متكرر للمناطق الريفية والصحراوية والطرق الواصلة بين الأقضية، في مقابل محدودية الحوادث داخل المراكز الحضرية الكبرى، ولا يُعد تكرار عمليات في محافظة بعينها دليلاً مستقلاً على سيطرة التنظيم على أراضٍ فيها.

المحافظةعدد العملياتأبرز المواقع الواردة في الرصد
الأنبار9راوة، حديثة، القائم
كركوك5الحويجة، الدبس، محيط التون كوبري
صلاح الدين5بيجي، جنوب تكريت، الصحراء
نينوى4الحضر، الجزيرة
ديالى3بهرز، جديدة الشط، العظيم
بغداد1الطارمية

تحظى الأنبار بالحصة الأكبر في قاعدة الرصد، وتُظهر الوقائع المرتبطة بها استهدافات للجيش والحشد العشائري والحشد الشعبي، أما كركوك، فبرزت خلال تشرين الأول 2026 نتيجة تقارب عدة أحداث أمنية في مناطق الحويجة والبرغلية ووادي زغيتون، وتبقى هذه الجغرافيا مؤشراً على استمرار بؤر خطر متفرقة، لا على تشكيل نطاق سيطرة جغرافي متصل.

أدوات الاستهداف وطبيعة الأهداف

تتكرر العبوات الناسفة في أوصاف العمليات المعلنة، وتشمل الوقائع الأخرى إطلاق النار والاغتيال والتخريب وإحراق المحاصيل والاعتداء على تجهيزات مراقبة، وتختلف آثار هذه الأنماط: بعضها أوقع قتلى أو مصابين، وبعضها انحصر في أضرار مادية، ويكشف هذا التنوع عن قدرة على إحداث خسائر محدودة، لا عن تماثل جميع الحوادث في مستوى الخطورة.

شملت الأهداف الجيش العراقي والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب والحشد الشعبي والحشد العشائري، إلى جانب مختار محلي ومنشآت وممتلكات، كما ورد في رصد المركز تبنّي التنظيم إحراق محاصيل زراعية في منطقة القلعة/العظيم بديالى في 24 أيار 2025، مع ادعائه أن المحاصيل تعود إلى منتسب في الحشد العشائري؛ وهي رواية تنسب إلى التنظيم ولا تعد حكماً مستقلاً على هوية مالك الأرض.

التحول الزمني والجغرافي للعمليات (2018–2026)

تكشف المقارنة السنوية عن تحول واضح في حجم النشاط المعلن لتنظيم داعش وتوزعه الجغرافي. فبعد تسجيل 1,233 عملية في عام 2018 و1,245 في عام 2019، بلغ النشاط ذروته خلال عام 2020 بواقع 1,459 عملية، قبل أن يبدأ مساراً تنازلياً إلى 1,113 عملية في 2021، و487 في 2022، ثم 151 في 2023، وصولاً إلى 70 عملية في 2024؛ أي بانخفاض يقارب 95.2% مقارنة بذروة عام 2020، وفق السلسلة التاريخية المعتمدة.

ولم يقتصر التحول على الحجم، بل شمل مراكز الثقل الجغرافي؛ إذ تصدرت كركوك النشاط في 2018، قبل انتقال الصدارة إلى ديالى خلال عامي 2019 و2020، ثم عودتها إلى كركوك في 2021 و2022، فيما برزت الأنبار في صدارة التوزيع خلال 2023 و2024. ويشير هذا التغير إلى تقلص نطاق النشاط المعلن وتبدل مناطق تركّزه، دون أن يعني تراجع الأعداد انتهاء قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات متفرقة.

أما رصد العمليات المتبنّاة المتاح للمركز خلال 2025 و2026، فيضم 16 و11 واقعة على التوالي، لكنه يستند إلى قاعدة رصد مختلفة عن السلسلة التاريخية السابقة، ولذلك لا يجوز التعامل معه بوصفه استمراراً إحصائياً مباشراً لها أو احتساب نسبة انخفاض موحدة عبر السنوات التسع. ومع ذلك، تتيح المقارنة قراءة انتقال النشاط من الانتشار الأوسع خلال السنوات الأولى إلى نمط أقل عدداً وأكثر تشتتاً في السجل الحديث، مع ضرورة التمييز بين تراجع العمليات المعلنة وتراجع القدرة التنظيمية الفعلية.

الخسائر الأمنية: قراءة في الوقائع المثبتة

تُعد الخسائر الأمنية بعداً أساسياً لفهم أثر النشاط، لكن الأرقام التي يعلنها التنظيم عن قتلى وجرحى لا تُعتمد تلقائياً باعتبارها حصيلة رسمية، وتكشف بعض الحالات عن اختلاف بين بيانات التبنّي والتغطيات الأمنية العراقية، وهو اختلاف يستوجب الإسناد إلى كل مصدر عند عرض النتائج.

الواقعةالنتيجة المعلنةالدلالة
الطارمية، 21 كانون الثاني 20255 شهداء و8 مصابين وفق حصيلة أمنية لاحقة منشورةتبنّى داعش الحادث؛ اختلف تفسير آلية الانفجار عن الرواية الرسمية الأولية
البرغلية، 5 تشرين الأول 2026شهيد من الشرطة الاتحادية وأربعة مصابين بحسب تقارير عراقيةهجوم نُقل تبنّي داعش له في 6 تشرين الأول
شمال صحراء راوة، 4 تشرين الأول 2026شهيدان ومصابان وفق إعلان وزارة الدفاعحادث تفجير خلال واجب تفتيش مرتبط بمخلفات التنظيم
وادي زغيتون، 14 تشرين الأول 2026شهيدان من الجيش وفق إعلان وزارة الدفاعحادث أثناء تفتيش موقع مستهدف بضربة جوية

تكشف حادثة الطارمية عن أهمية التمييز بين ثبوت التبنّي وثبوت تفاصيله، فقد نسب البيان الرسمي الأولي الانفجار إلى عتاد أثناء التفتيش، ثم أعلن التنظيم مسؤوليته مدعياً استدراج القوة الأمنية إلى مزرعة، وتوثق الدراسة الإعلان بوصفه تبنّياً، بينما تبقي آلية الحادث مرتبطة بالروايات المنسوبة إلى مصادرها.

وفي المقابل، فإن سقوط شهداء خلال تفتيش مخلفات متفجرة لا يدل تلقائياً على تنفيذ هجوم متبنٍّ جديد، ولهذا ينبغي النظر إلى خسائر الحوادث المرتبطة بمخلفات التنظيم ضمن الصورة الأمنية الشاملة، مع عدم مساواتها عددياً بعمليات الهجوم المباشر.

تشرين الأول 2026: موجة كركوك القصيرة

في 5 تشرين الأول، شهدت البرغلية في قضاء الحويجة هجوماً على الشرطة الاتحادية، ونقلت وسائل إعلام عراقية إعلان التنظيم مسؤوليته عنه في اليوم التالي، وفي 6 تشرين الأول، وردت تقارير عن استهداف موقع للحشد الشعبي ومعدات مراقبة في المنطقة، أما في 10 تشرين الأول، فقد نشرت وسائل إعلام عراقية روايات عن مواجهة بين القوات الأمنية وعناصر التنظيم في البرغلية، اختلفت في وصف كيفية بدء المواجهة.

وفي 13 تشرين الأول أعلنت الجهات الأمنية العراقية شن ضربات جوية على مواقع للتنظيم في وادي زغيتون بكركوك، وبعدها بيوم، استشهد العميد آهات ياسر خضير حسين ونائب الضابط معتز شهيد عباس إثر انفجار عبوة من مخلفات التنظيم أثناء تفتيش موقع إحدى الضربات، وفق وزارة الدفاع، وتتجلى أهمية هذا التسلسل في التمييز بين هجمات أعلن داعش تبنّيها، وتحركات أمنية عراقية، وحوادث مخلفات متفجرة.

يؤكد تقارب الحوادث وجود نشاط أمني ملحوظ في كركوك خلال فترة قصيرة، لكنه لا يثبت وحده نشوء تصاعد منتظم على مستوى العراق، ويتطلب الحكم على ذلك امتداداً زمنياً أوسع، وبيانات متجانسة للعمليات المتبنّاة والخسائر في كل شهر.

التهديد بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي

جاءت أحداث كركوك بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في 30 أيلول 2026، وأثار هذا التزامن تساؤلات عن أثر التحول في ترتيبات التعاون الأمني، غير أن ترتيب الحوادث زمنياً لا يكفي لاعتبار أحد الحدثين سبباً مباشراً للآخر، كما أن استمرار العمليات العراقية ضد التنظيم يؤكد أهمية التمييز بين إنهاء مهمة تحالف محددة وانتهاء جميع أشكال التعاون العسكري أو الاستخباري.

وتؤشر الوقائع الحالية إلى استمرار خطر الخلايا المسلحة في بعض المناطق، من دون أن تثبت استعادة سيطرة مكانية أو قدرة على شن حملة كبرى، ويتطلب تقييم التحول الأمني فحص استمرارية الهجمات واتساع رقعتها وحصائلها، لا الاقتصار على تداول حادثة مفردة أو أسبوع مرتفع الأخبار.

ما الذي تعنيه «عودة داعش»؟

تدل العودة بمعناها المحدود على تجدد هجمات أو ارتفاعها مؤقتاً في منطقة معينة، بينما تستلزم العودة العملياتية الواسعة تصاعداً مستداماً في العدد والجغرافيا والقدرة على إيقاع خسائر، وتستلزم العودة المكانية مؤشرات إضافية تتعلق بالسيطرة على الأرض والسكان، ولا تظهر الوقائع التي شملتها هذه الدراسة تحقق المعنى الأخير.

يمكن تفسير البيانات المتاحة على أنها استمرار لتهديد منخفض الكثافة مع موجة موضعية تستدعي الانتباه في كركوك، لا إعلاناً مثبتاً عن عودة التنظيم إلى مستوى عام 2014، كما لا تسمح فترة الرصد القصيرة بعد نهاية أيلول وحدها بقياس أثر أي تغيرات في المشهد الأمني على المدى المتوسط.

الخلاصة

يؤكد رصد مركز العراق للدراسات الاستشرافية للعمليات التي تبنّاها تنظيم داعش أن التنظيم احتفظ بقدرة محدودة على تنفيذ اعتداءات في العراق خلال 2025 و2026، بعد سنوات من التراجع الكبير في نشاطه، وتقدم الأنبار الامتداد الأبرز لوقائع الرصد، بينما تكشف كركوك عن أحدث موجة أحداث متقاربة زمنياً، ومن حيث الأساليب، تطغى العبوات الناسفة والاستهدافات المحدودة على نمط النشاط المرصود، مع حضور حوادث تخريب للممتلكات والتجهيزات.

الخطر القائم حقيقي، لكن وصفه يستوجب دقة في التعريف: استمرار الخلايا ليس عودة إلى السيطرة، وارتفاع عدد الضحايا في حوادث مخلفات المتفجرات ليس مرادفاً لارتفاع العمليات الجديدة، ولذلك فإن استنتاج الدراسة هو استمرار تهديد أمني محدود ومتغير جغرافياً، من دون دليل كافٍ على استعادة داعش مستوى قدراته السابقة.

المصادر والمراجع

• رصد مركز العراق للدراسات الاستشرافية، قسم البيانات والمعلومات، العمليات التي أعلن تنظيم داعش تبنّيها في العراق، 2025–2026.

• خلية الإعلام الأمني ووزارة الدفاع العراقية، البيانات المتعلقة بحادث الطارمية وعمليات وحوادث تشرين الأول 2026.

• ACLED، Down but Not Out: Islamic State and al-Qaeda Remain a Threat in the Middle East: https://acleddata.com/report/down-not-out-islamic-state-and-al-qaeda-remain-threat-middle-east

مؤمن الزرزور

صحفي بيانات ومحلل شؤون النزاعات، متخصص في الصحافة الرقمية وتحليل البيانات والشأن العراقي. يشغل منصب مدير قسم المعلومات والبيانات في مركز العراق للدراسات الاستشرافية (ICFS)، حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام الجديد من جامعة بيكنت في إسطنبول، ودرجة في العلاقات العامة من كلية الإعلام بجامعة بغداد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى