رصد

اكتمال الحكومة تحت ضغط المال والأمن.. العراق ينتقل من إدارة الشغور إلى اختبار القدرة

الحالة العراقية الأسبوعية : 11–17 تشرين الأول 2026

فترة الرصد: 11–17 تشرين الأول 2026
إعداد: قسم الرصد – مركز العراق للدراسات الاستشرافية ICFS

المشهد في دقيقة

أكمل مجلس النواب هذا الأسبوع تشكيل حكومة علي الزيدي بعد خمسة أشهر من التفاوض، بالمصادقة على أحد عشر وزيراً وثلاثة نواب لرئيس الوزراء. لكن اكتمال الهيكل التنفيذي لا يعني انتهاء أزمة القرار؛ إذ دخلت الحكومة مرحلة أشد صعوبة، عنوانها إدارة انكماش اقتصادي حاد، وامتصاص آثار تخفيض قيمة الدينار، وضبط السلاح، وتحمّل المسؤولية الأمنية بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي.

تكشف تركيبة الحكومة أن القوى السياسية اختارت توسيع المشاركة والاحتواء بدلاً من إنتاج مركز تنفيذي متجانس. فقد حصلت قوى حزبية وفصائلية على حضور مباشر في مستويات عليا من السلطة، بما يقلل احتمال انتقال خلافاتها إلى مواجهة مفتوحة، لكنه يجعل إصلاح المؤسسات أو إخضاع السلاح لقرار موحد أكثر تعقيداً. فالقوى المطلوب من الحكومة تنظيم نفوذها أصبحت في الوقت نفسه جزءاً من بنيتها السياسية والتنفيذية.

اقتصادياً، لم تعد الأزمة مقتصرة على عجز الموازنة. تقديرات انكماش الاقتصاد بنسبة 16%، وتخفيض قيمة الدينار، وارتفاع كلف نقل النفط وتأمينه، تشير مجتمعة إلى انتقال كلفة الحرب الإقليمية إلى السوق والمواطن. ارتفاع سعر النفط إلى قرابة 110 دولارات لا يمثل مكسباً صافياً للعراق إذا بقيت الكميات المصدرة منخفضة والخصومات وكلف النقل مرتفعة.

وفي الشمال، أظهر انسحاب عناصر حزب العمال الكردستاني من أربعة معسكرات أن مسار التهدئة التركية–الكردية بدأ يترك أثراً ميدانياً داخل العراق. غير أن إخلاء المواقع لا يساوي انتهاء الوجود المسلح، تماماً كما أن تسجيل السلاح المدني لا يساوي نزع سلاح الفصائل. القاسم المشترك بين الملفين هو أن المؤشرات الأولية مهمة، لكن قيمتها تتوقف على انتقالها من خطوات محدودة إلى ترتيبات مؤسسية قابلة للتحقق.

أولاً: أبرز التطورات المحلية

1. اكتمال الحكومة: تسوية سياسية لا ولادة فريق متجانس

ما حدث: صوّت مجلس النواب، بحضور 261 نائباً، على أحد عشر وزيراً وثلاثة نواب لرئيس الوزراء، منهياً الشغور في عدد من الوزارات المهمة، وفي مقدمتها الدفاع والداخلية والتخطيط. وجاء استكمال الكابينة بعد خمسة أشهر من منح الثقة للجزء الأول من الحكومة، نتيجة خلافات الكتل على الأسماء وتوزيع المواقع.

الدلالة والانعكاس: يمنح اكتمال الوزارات الحكومة قدرة قانونية وإدارية أفضل، لكنه لا ينهي تعدد مراكز القرار. فقد جاءت التشكيلة بوصفها تسوية بين القوى النافذة أكثر من كونها فريقاً اختاره رئيس الوزراء لتنفيذ رؤية موحدة. كما أن منح قوى مرتبطة بتشكيلات مسلحة تمثيلاً تنفيذياً رفيعاً يرسخ سياسة الاحتواء من داخل الدولة؛ وهي قد تساعد على خفض التوتر، لكنها تضعف قدرة رئيس الوزراء على اتخاذ إجراءات تصطدم بمصالح تلك القوى. لذلك سيكون الاختبار في وحدة القرار، لا في اكتمال عدد الوزراء.

2. انتقال الفصائل من النفوذ غير المباشر إلى الشراكة التنفيذية

ما حدث: تضمنت التشكيلة الجديدة تعيين شخصيات تنتمي إلى قوى سياسية تمتلك امتدادات مسلحة، بينها قيادي بارز في عصائب أهل الحق بمنصب نائب لرئيس الوزراء. ويأتي ذلك في وقت لم يتحول فيه خطاب حصر السلاح إلى برنامج معلن يشمل القيادة والتمويل والمخازن والسلاح النوعي.

الدلالة والانعكاس: يمثل التعيين توسعاً في استراتيجية إدماج القوى المسلحة في مؤسسات الحكم، لكنه ليس دمجاً أمنياً بالمعنى المهني. فالدمج الحقيقي يقتضي توحيد سلسلة الأوامر والميزانية والعقيدة والقرار العملياتي، بينما قد يؤدي الإدماج السياسي وحده إلى احتفاظ الجماعة بقدرتها المسلحة مع حصولها على نفوذ إضافي داخل الدولة. والأرجح أن الحكومة ستعتمد التنظيم والاحتواء التدريجي، لا النزع القسري، بما يقلل خطر الصدام الداخلي لكنه قد يطيل ازدواجية القرار الأمني.

3. أزمة الدينار تتحول إلى اختبار اجتماعي للحكومة

ما حدث: استمرت تداعيات تخفيض قيمة الدينار إلى 1,520 ديناراً للدولار، وسط تحركات نيابية لمساءلة الحكومة ووزارة المالية والبنك المركزي عن إجراءات حماية الأسواق والحد من ارتفاع الأسعار. وجاء القرار في بيئة تعتمد فيها البلاد على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجاتها الغذائية والاستهلاكية والإنتاجية.

الدلالة والانعكاس: يوفر السعر الجديد دنانير أكثر للخزينة مقابل كل دولار نفطي، ولذلك فهو أداة مالية لتمويل الرواتب والإنفاق عندما تنخفض الإيرادات الدولارية. لكنه لا يخلق ثروة إضافية؛ بل يعيد توزيع الخسارة بين الدولة والمواطن. تستفيد الخزينة حسابياً، بينما ترتفع كلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج وتتراجع القوة الشرائية. وإذا لم تقترن الخطوة برقابة تجارية ودعم موجه للفئات الأشد هشاشة، فقد تتحول الأزمة المالية إلى ضغط اجتماعي يستهلك الرصيد السياسي للحكومة المكتملة حديثاً.

4. الانكماش الاقتصادي يكشف أزمة الكميات لا الأسعار

ما حدث: قدّر صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد العراقي بنحو 16% خلال 2026، في واحدة من أشد التوقعات سلبية في المنطقة. ويأتي ذلك رغم بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، بسبب اضطراب الإنتاج والتصدير والملاحة وارتفاع كلف الشحن والتأمين.

الدلالة والانعكاس: تكشف النسبة أن الأزمة العراقية ليست ناتجة عن انخفاض سعر البرميل، بل عن ضعف القدرة على إيصال النفط إلى السوق وتحويله إلى إيرادات مستقرة. فارتفاع السعر العالمي يفيد العراق فقط عن البراميل التي يستطيع تصديرها وتحصيل قيمتها من دون خصومات وكلف استثنائية. كما أن الانكماش يحد من قدرة القطاع الخاص على امتصاص البطالة، ويزيد اعتماد المجتمع على الرواتب الحكومية في وقت تحتاج فيه الخزينة إلى ضبط الإنفاق. وبذلك تدخل الحكومة معادلة صعبة: التقشف يفاقم الركود، والتوسع المالي يرفع العجز والضغط على الدينار.

5. كركوك: نجاح الضربة وفشل تأمين ما بعدها

ما حدث: نفذت القوة الجوية العراقية ضربات ضد مضافات لتنظيم داعش في وادي زغيتون، وأسفرت عن مقتل عنصرين من التنظيم. لكن عبوة ناسفة انفجرت أثناء تفتيش موقع الضربة، ما أدى إلى مقتل ضابط برتبة عميد وأحد المنتسبين وإصابة آخرين.

الدلالة والانعكاس: لا تشير الحادثة إلى عودة داعش بوصفه تنظيماً قادراً على احتلال المدن، لكنها تؤكد احتفاظه بقدرة الاستنزاف في المناطق الوعرة والفجوات بين القطعات. كما تكشف تفاوتاً بين كفاءة الرصد والاستهداف الجوي وبين إجراءات الهندسة العسكرية وتأمين المواقع بعد الضربات. ومع انتهاء مهمة التحالف، ستصبح فاعلية المنظومة العراقية مرتبطة بقدرتها على دمج الاستخبارات والطيران والقوات البرية ومعالجة المتفجرات، لا بمجرد امتلاك منصات جوية قادرة على إصابة الأهداف.

6. تطوير حقول كركوك: مشروع طاقة بأبعاد مالية وسياسية

ما حدث: أعلنت وزارة النفط انتقال تشغيل حقول كركوك وباي حسن وخباز وجمبور إلى هيئة مشتركة ضمن مشروع التطوير مع شركة «بي بي» البريطانية، مع استهداف رفع الإنتاج إلى 450 ألف برميل يومياً واستثمار نحو 500 مليون قدم مكعبة قياسية من الغاز يومياً.

الدلالة والانعكاس: يتجاوز المشروع زيادة الإنتاج، لأنه يعيد تثبيت كركوك مركزاً مهماً للطاقة ويجمع بين النفط والغاز وتقليل الحرق. كما يمنح العراق إنتاجاً شمالياً يمكن ربطه بمنافذ تصدير أقل اعتماداً على الخليج. لكن أهميته الاستراتيجية ستظل محدودة ما لم تُرفع طاقة خطوط التصدير الشمالية وتُحل الخلافات القانونية والمالية بين بغداد وأربيل. زيادة الإنتاج من دون منفذ مستقر قد تنتهي إلى طاقة معطلة أو ضغط إضافي على التخزين.

ثانياً: التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق

7. انسحاب حزب العمال من أربعة معسكرات شمالي العراق

ما حدث: انسحب مقاتلو حزب العمال الكردستاني من أربعة معسكرات في منطقة متينا قرب الحدود التركية، ضمن خطوات مرتبطة بمسار حل الحزب ونزع سلاحه. وجاء التطور بالتوازي مع استعداد تركيا لتقليص وجودها في إحدى قواعدها وتسليمها إلى السلطات العراقية.

الدلالة والانعكاس على العراق: يوفر المسار فرصة لتقليل العمليات التركية داخل الأراضي العراقية وإعادة بسط سلطة بغداد وأربيل على بعض المناطق الحدودية. لكنه لا يضمن انسحاب جميع عناصر الحزب أو تفكيك شبكاته ومخازنه، كما لا يحسم مصير المقاتلين غير العراقيين. وتواجه بغداد تحدياً مزدوجاً: منع إعادة تمركز العناصر في مواقع جديدة، ومنع تحول المناطق المخلاة إلى فراغ تتنافس عليه قوات محلية متعددة. إذا استمر المسار، فقد ينتقل الملف من مواجهة عسكرية تركية داخل العراق إلى ترتيبات أمنية وقانونية ثلاثية بين بغداد وأربيل وأنقرة.

8. هرمز والنفط: السعر يرتفع وجدوى التصدير تنخفض

ما حدث: اقترب خام برنت من 110 دولارات للبرميل مع تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط، بينما تجاوزت كلف الشحن والتأمين في بعض المسارات ثلث قيمة السلعة. كما واصلت الولايات المتحدة والدول المستهلكة استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية لمحاولة تهدئة السوق.

الدلالة والانعكاس على العراق: يبدو ارتفاع الأسعار إيجابياً للموازنة، لكنه قد يخفي تراجعاً في صافي العائد. فإذا باع العراق كميات أقل، أو قدم خصومات أكبر، أو تحمّل كلف نقل وتأمين استثنائية، فقد لا تعوض زيادة السعر خسارة الحجم. وهذا يفسر عودة الاهتمام بمسارات كركوك–جيهان وكركوك–بانياس والنقل إلى خارج هرمز. غير أن هذه البدائل تحتاج إلى وقت واستثمارات واتفاقات سياسية؛ ما يعني أن العراق سيبقى، في المدى القريب، مكشوفاً أمام أي تصعيد بحري جديد.

الصورة الكلية

أنهى العراق هذا الأسبوع مرحلة الحكومة المنقوصة، لكنه لم يدخل بعد مرحلة الحكومة الموحدة. فقد اكتملت المناصب من خلال توسيع التفاهم بين القوى النافذة، بما في ذلك القوى المرتبطة بالفصائل، وهو ما يمنح النظام السياسي استقراراً قصير الأمد، لكنه يوزع حق الاعتراض داخل السلطة التنفيذية ويجعل القرارات الصعبة أكثر كلفة.

وتتجسد المعضلة في أن الأدوات المستخدمة لضمان الاستقرار قد تعيق الإصلاح. احتواء القوى المسلحة داخل الحكومة يقلل احتمال صدامها مع الدولة، لكنه لا يلغي بنيتها المستقلة. وتسجيل السلاح المدني يساعد على ضبط النزاعات المجتمعية، لكنه لا يعالج الطائرات المسيّرة والصواريخ والقرار العملياتي. لذلك لا ينبغي قياس نجاح حصر السلاح بعدد الطلبات والمقرات، بل بانتقال القيادة والتمويل والاتصالات والسلاح النوعي إلى سلطة حكومية واحدة.

اقتصادياً، تواجه الدولة فجوة بين الإيراد الاسمي والقيمة الحقيقية. ارتفاع النفط وتخفيض الدينار قد يزيدان حجم الأموال المسجلة بالدينار، لكنهما لا يمنعان انكماش الإنتاج والقوة الشرائية. وإذا حاولت الحكومة حماية الرواتب عبر سعر الصرف، فإنها تنقل جزءاً من العجز إلى المواطن من خلال التضخم. أما إذا خفضت الإنفاق سريعاً، فإنها قد تعمق الركود. والحل الأقل كلفة يتمثل في حماية الإنفاق الضروري، وتأجيل الالتزامات غير المنتجة، وتقليل خسائر التصدير، لا الاعتماد على التخفيض النقدي وحده.

أمنياً، لا يواجه العراق تهديداً واحداً. ففي الوسط والشمال الشرقي تستمر خلايا داعش في الاستنزاف المحدود، وعلى الحدود الشمالية بدأ تراجع حزب العمال يخلق فرصة لإعادة تنظيم الانتشار، بينما يبقى قرار بعض الفصائل خارج السيطرة الكاملة. ولهذا فإن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء التعاون الثنائي أو الاستشارة والتسليح، ولا يعني أن الدولة استكملت تلقائياً متطلبات الاستقلال الأمني.

الخلاصة أن العراق انتقل من أزمة الشغور إلى أزمة الأداء. لم يعد السؤال من يشغل الوزارات، بل هل تستطيع حكومة موزعة بين قوى متنافسة اتخاذ قرارات موحدة بشأن المال والسلاح والطاقة؟ ويظهر اتجاه الأسبوع أن التسويات السياسية ما تزال قادرة على منع الانفجار، لكنها لم تنتج بعد سلطة تنفيذية قادرة على فرض الأولويات نفسها على جميع شركائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى