
لا يبدو ملف تسليم سلاح الفصائل في العراق مجرد إجراء أمني منفصل، بل هو جزء من معادلة أوسع ترتبط بمستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، وحدود نفوذ إيران، وموقع الفصائل داخل الدولة، وطبيعة الاتفاقات الإقليمية المؤقتة التي قد تخفف الضغط العسكري من دون أن تنهي البنية المسلحة.
يشهد المشهد المسلح العراقي مرحلة إعادة تشكل في موازين القوة والنفوذ، تتداخل فيها مسارات تسليم السلاح والاندماج المؤسسي مع محاولات الحفاظ على الأدوار السياسية والاقتصادية والأمنية التي راكمتها الفصائل خلال السنوات الماضية.
بينما اتجهت بعض التشكيلات نحو الانخراط بصورة أكبر ضمن مؤسسات الدولة، ما تزال أخرى تتمسك بدورها المسلح أو تتبنى مواقف حذرة بانتظار اتضاح مسار التوازنات الداخلية والإقليمية.
المواقف داخل الفصائل
شهدت الفترة الأخيرة تبلور ثلاثة اتجاهات رئيسية داخل البيئة الفصائلية العراقية بشأن ملف السلاح. الاتجاه الأول يضم الفصائل التي أعلنت التزامها بإجراءات التسليم وإعادة التنظيم، وفي مقدمتها سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، وهي فصائل تبدو أقرب إلى مسار إعادة التموضع السياسي والأمني والاندماج المؤسسي منها إلى تفكيك نفوذها بصورة كاملة. أما الاتجاه الثاني فيضم فصائل ما تزال مواقفها غير واضحة أو جزئية، مثل منظمة بدر وتشكيلات أخرى، والتي تحافظ على مساحة رمادية بين الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة والاحتفاظ بهامش من الاستقلالية التنظيمية. في المقابل، يضم الاتجاه الثالث الفصائل الرافضة للتسليم، وعلى رأسها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء، والتي تنظر إلى السلاح بوصفه جزءاً من معادلة الردع والارتباطات الإقليمية وليس مجرد أداة أمنية محلية.
وانتقلت بعض الفصائل خلال الأشهر الأخيرة من مرحلة التصريحات إلى اتخاذ خطوات عملية شملت فك الارتباط بين الأجنحة العسكرية والأطر السياسية، وتشكيل لجان للجرد والتسليم وإعادة تنظيم الأفراد والمعدات تحت إشراف الدولة. وتمثل سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي أبرز النماذج التي أعلنت الشروع بهذه الإجراءات بصورة علنية، في حين تمسكت فصائل أخرى بمواقفها الرافضة أو فضلت التريث وعدم إعلان موقف نهائي.
ولا تبدو هذه التحولات مرتبطة بمكاسب حكومية مباشرة، إذ لم تحصل الفصائل التي أعلنت الالتزام أو تلك التي رفضت التسليم على حقائب وزارية ضمن التشكيلة الحكومية الحالية، ما يرجح أن دوافع هذه المواقف ترتبط بدرجة أكبر بالحسابات الأمنية والسياسية والتوازنات الإقليمية ومستقبل العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة.
الفصائل التي أعلنت الالتزام
تكشف البيانات عن تباين واضح في حجم النفوذ السياسي بين الفصائل المعلنة للتسليم والفصائل الرافضة له، فبينما تمتلك عصائب أهل الحق حضوراً انتخابياً وبرلمانياً مؤثراً، تعتمد سرايا السلام على رصيدها الشعبي والتنظيمي أكثر من اعتمادها على التمثيل الرسمي بعد انسحابها من العملية السياسية.
أما كتائب الإمام علي فتملك حضوراً سياسياً وخدمياً محدوداً مقارنة بالفصائل الأكبر، في المقابل، لا تخلو الفصائل الرافضة من أدوات النفوذ السياسي، إذ تمتلك بعض هذه الفصائل أذرعاً انتخابية وتمثيلاً برلمانياً مؤثراً، ويشير ذلك إلى أن الانقسام الحالي لا يدور بين فصائل تمتلك نفوذاً سياسياً وأخرى تفتقر إليه، بل بين مقاربات مختلفة لمستقبل السلاح ودوره وحدود علاقته بالدولة.
الفصائل الرافضة أو المتشددة
وتُظهر الأرقام أن امتلاك التمثيل السياسي أو البرلماني لا يرتبط بالضرورة بموقف الفصيل من ملف التسليم، إذ تضم معسكري التسليم والرفض فصائل تمتلك أذرعاً سياسية ومقاعد نيابية، ما يشير إلى أن القرار يرتبط بدرجة أكبر بالحسابات الأمنية والتنظيمية والإقليمية أكثر من ارتباطه بحجم النفوذ الانتخابي وحده.
حدود التسليم وآليات التحقق
تبقى عملية التحقق من شمولية التسليم مرتبطة بخمسة عناصر رئيسية:
يبقى تقييم حجم وتأثير عملية التسليم مرتبطاً بمدى شمولها للسلاح النوعي والبنية اللوجستية ومناطق الانتشار وآليات القيادة والسيطرة.
التحديات المرتبطة بالتحقق من إجراءات التسليم
واشنطن قادرة على رصد جزء من المشهد عبر الأقمار الصناعية، الاتصالات، حركة السلاح، ضربات الطائرات، ومراقبة الحدود، لكنها قد تعجز عن فهم البنية الداخلية للفصائل إذا جرى تحويل السلاح إلى شبكات محلية صغيرة أو مخازن غير معلنة.
العقدة الأمريكية لا تكمن في معرفة أن الفصائل تمتلك السلاح، بل في ضمان خضوعه الكامل لسلطة الدولة وعدم بقائه تحت قيادة موازية أو ضمن شبكات مرتبطة بإيران. ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بعد استخدام بعض الفصائل الأراضي العراقية في هجمات استهدفت قواعد ومصالح أمريكية داخل العراق وخارجه، إضافة إلى استهداف السفارة الأمريكية في بغداد.
لذلك قد تنجح الفصائل في تقديم مشهد "امتثال إداري" من دون تفكيك فعلي لقدرتها المسلحة أو بنيتها العملياتية.
تأثير الاتفاق المؤقت بين إيران وواشنطن
أي تفاهم أو تهدئة بين إيران والولايات المتحدة سينعكس بصورة مباشرة على سلوك الفصائل العراقية، نظراً لارتباط جزء منها بالتوازنات الإقليمية ومسارات التصعيد والاحتواء بين الطرفين.
فإذا اتجهت العلاقة بين واشنطن وطهران نحو التهدئة، فمن المرجح أن تتراجع الحاجة إلى استخدام الساحات الإقليمية، ومنها العراق، كمسار للضغط المتبادل، ما قد يدفع بعض الفصائل إلى مزيد من الانضباط والاندماج داخل الأطر الرسمية.
أما إذا تعثرت التفاهمات أو عادت مستويات التوتر إلى الارتفاع، فقد تستعيد الفصائل الرافضة للتسليم دورها بوصفها إحدى أدوات الضغط غير المباشر في الصراع الإقليمي.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات متعددة إلى أن إيران لا تنظر بسهولة إلى فكرة التخلي الكامل عن أدوات نفوذها المسلحة في العراق، الأمر الذي ساهم في تعميق التباين داخل البيئة الفصائلية بين اتجاه يسعى إلى التموضع بصورة أكبر داخل مؤسسات الدولة، واتجاه آخر ما يزال يرى في السلاح ركناً أساسياً من هويته ووظيفته.
في المقابل، قد تواجه الفصائل التي أعلنت الالتزام بإجراءات التسليم تحدياً سياسياً وتنظيمياً إذا تبدلت البيئة الإقليمية أو تراجع مستوى الضغط الأمريكي، إذ ستكون مطالبة بإثبات التزامها أمام الدولة من جهة، وتبرير خياراتها أمام قواعدها وجمهورها التقليدي من جهة أخرى.
القيمة الاستراتيجية لسلاح الفصائل العراقية
لا تستمد الفصائل العراقية أهميتها من قدرتها على التأثير في ممرات التجارة العالمية أو طرق الملاحة الدولية كما هو الحال في بعض الساحات الإقليمية الأخرى، بل من موقعها داخل الجغرافيا العراقية ومناطق انتشارها القريبة من الحدود والمراكز السكانية والعسكرية الحساسة.
وتكمن القيمة الاستراتيجية لهذه الفصائل في انتشارها داخل مناطق حدودية تربط العراق بسوريا، ووجود بعض تشكيلاتها في محيط بغداد ومناطق ذات حساسية أمنية عالية، فضلاً عن امتلاكها قدرات غير تقليدية تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إضافة إلى ارتباط جزء منها بمحاور إقليمية أوسع تتجاوز الساحة العراقية.
لذلك فإن أهمية سلاح الفصائل لا ترتبط بحجمه فقط، بل بموقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في الحسابات الأمنية والسياسية داخل العراق، وبعلاقته بالتوازنات الإقليمية المرتبطة بالعلاقة بين بغداد وواشنطن وطهران.
الانعكاسات السياسية : ملف السلاح سيعيد ترتيب موازين القوى داخل البيت الشيعي، الفصائل التي قبلت التسليم قد تحاول تحويل قوتها إلى مكاسب انتخابية ومؤسساتية، الفصائل الرافضة ستستخدم خطاب “عدم التنازل” للحفاظ على جمهورها العقائدي، أما الحكومة فستحاول تسويق الملف كإنجاز سيادي، لكنها ستبقى تحت اختبار التنفيذ.
الخطر السياسي الأكبر أن يتحول الملف إلى تسوية بين القوى الشيعية نفسها، لا إلى مشروع دولة شامل، عندها يصبح نزع السلاح أداة لإعادة توزيع النفوذ، وليس لإنهاء السلاح الموازي.
الانعكاسات الاقتصادية: أي تسليم حقيقي للسلاح قد يفتح الباب أمام تهدئة مع واشنطن، تقليل مخاطر العقوبات، جذب استثمارات، وحماية قطاع الطاقة، العراق يسعى أصلاً إلى توسيع الشراكات الاقتصادية مع الشركات الأمريكية في الطاقة والكهرباء، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية، وهذا يجعل ملف الفصائل جزءاً من بيئة الاستثمار لا ملفاً أمنياً فقط.
لكن إذا كان التسليم شكلياً، فسيبقى خطر العقوبات قائماً، خصوصاً على الواجهات الاقتصادية والشركات المرتبطة بالفصائل، وقد تصبح العقوبات بديلاً عن الضربات العسكرية، أي انتقال الضغط من الميدان إلى المال والمصارف والعقود.
الانعكاسات الدولية: ستراقب واشنطن الملف من زاوية حماية قواتها ومصالحها ومنع استخدام العراق كساحة ضغط إيرانية، إيران ستتعامل معه كجزء من إدارة أوراقها الإقليمية، دول الخليج ستقرأه كاختبار لقدرة بغداد على تقليل نفوذ الفصائل، أما إسرائيل فقد تنظر إلى أي احتفاظ بالسلاح النوعي كجزء من شبكة التهديد الإقليمي.
بمعنى آخر، نجاح الملف سيحسن صورة العراق كدولة قادرة على ضبط السلاح، وفشله سيعيد تصنيفه كساحة رخوة ضمن الصراع الأمريكي الإيراني.
الانعكاسات الاجتماعية : لا يبدو أن ملف السلاح يحظى بقراءة موحدة داخل المجتمع العراقي. فهناك شريحة تؤيد حصر السلاح بيد الدولة وترى في إنهاء السلاح الموازي خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار والسيادة. وفي المقابل، ما تزال بعض البيئات المؤيدة للفصائل تنظر إلى التسليم باعتباره تراجعاً عن دور "المقاومة" أو استجابة لضغوط خارجية. وبين هذين الاتجاهين تبرز شريحة واسعة من العراقيين باتت أكثر اهتماماً بالاستقرار الاقتصادي والخدمات وفرص العمل من اهتمامها بالسجالات العقائدية أو السياسية المرتبطة بالسلاح.
ويعكس هذا التباين تحولاً تدريجياً في المزاج العام العراقي، إذ لم يعد النقاش حول السلاح محصوراً بالاعتبارات الأيديولوجية أو الأمنية فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمخاوف الحرب والاستقرار الاقتصادي ومستقبل الدولة. فبعد سنوات من الصراعات والأزمات، تنامي لدى جزء كبير من المجتمع شعور بالإرهاق من التوترات الأمنية والرغبة في تجنب أي تصعيد جديد، في حين ما تزال بعض البيئات الاجتماعية والسياسية تنظر إلى السلاح بوصفه أداة ردع وضمانة لحماية مصالحها ونفوذها.
من الرابح ومن الخاسر؟
لا تعني عملية التسليم بالضرورة تراجع نفوذ الفصائل، إذ قد تتحول بعض مصادر القوة من المجال العسكري إلى المجال السياسي والمؤسسي، وفي المقابل، تراهن الدولة على أن يؤدي حصر السلاح إلى تعزيز احتكارها للقرار الأمني وتقليص مراكز القوة الموازية، ما يجعل الملف أقرب إلى إعادة توزيع للنفوذ منه إلى مواجهة صفرية بين الدولة والفصائل.
تشير المعطيات إلى أن الجدل الدائر حول سلاح الفصائل لا يتعلق بنزع السلاح بقدر ما يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل ومصادر النفوذ داخل النظام السياسي العراقي. وسيكون معيار النجاح الحقيقي هو قدرة الدولة على بسط السيطرة على منظومة القرار الأمني والتمويل والسلاح النوعي، وليس الاكتفاء بإجراءات تنظيمية أو إدارية. كما أن مسار الملف سيبقى مرتبطاً بدرجة كبيرة بالتوازنات الإقليمية وحدود التفاهم أو التصعيد بين واشنطن وطهران.
الخلاصة
تكشف التطورات الأخيرة عن انقسام واضح داخل المشهد الفصائلي العراقي بين مسارات التسليم والرفض والترقب، بما يعكس اختلافاً في تقدير المتغيرات الداخلية والإقليمية ومستقبل دور السلاح داخل الدولة، وبينما شرعت بعض الفصائل بإجراءات تسليم فعلية وفك ارتباط تنظيمي مع أجنحتها العسكرية، ما تزال فصائل أخرى تتمسك بالسلاح بوصفه جزءاً من معادلة الردع والنفوذ الإقليمي.
ولا يبدو أن هذه التحولات ارتبطت بمكاسب حكومية مباشرة، إذ لم تحصل الفصائل المعلنة للتسليم أو الرافضة له على حقائب وزارية ضمن التشكيلة الحكومية الحالية، ما يرجح تأثير الاعتبارات الأمنية والسياسية والإقليمية في صياغة مواقفها.
ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على بسط سيطرتها على السلاح النوعي ومناطق الانتشار ومصادر التمويل، وبطبيعة التوازنات بين واشنطن وطهران، لذلك فإن جوهر التحول الجاري لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بإعادة تشكيل مصادر القوة والنفوذ داخل البيئة الفصائلية العراقية ومستقبل العلاقة بينها وبين الدولة.



