التقاريرزمالات وبرامج تدريبية

د. فراس إلياس – إيران على مفترق التحوّل: سيناريوهات التغيير وانعكاساتها على العراق

Screenshot 20ص26 01 30 at 9.12.44 PM

المصدر: ندوة إيران – احتمالات التغيير وانعكاساته على العراق
المحاضر: د. فراس إلياس -أستاذ كلية العلوم السياسية بجامعة الموصل، متخصص في شؤون الأمن القومي والدراسات الإيرانية.

الملخص التنفيذي

تشير المعطيات المطروحة في الندوة إلى احتمالية دخول إيران في مرحلة استنزاف استراتيجي، وليس سيناريو انهيار سريع، وأن المقاربة الأمريكية في التغيير ابتعدت من إسقاط النظام إلى اتجاه شل قدرة النظام لحين تصاعد انخراط الفواعل الداخلية، في ظل غياب بدائل جاهزة، وتماسك النظام الإيراني حتى اللحظة.

العراق، وبحكم التشابك السياسي والأمني والاقتصادي، سيكون ساحة اختبار أساسية لانعكاسات هذا التحول، مع احتمالات متباينة بين إعادة بناء القرار السيادي أو الانزلاق إلى مرحلة أخرى من الضعف للنظام السياسي العراقي وشرعية الطبقة السياسية.

المشهد الإقليمي واحتمالات الضربة على إيران

تؤكد الندوة أن أي ضربة محتملة لإيران لن تكون حدثاً معزولاً، بل تطورًا إقليميًا عابرًا للحدود، يطال الأمن والطاقة والاقتصاد والسياسة في دول الجوار.

إسرائيل، في ظل حالة الاستنزاف منذ 7 أكتوبر، تبدو أقل قدرة على تنفيذ ضربة منفردة، ما يعزز فرضية التدخل الأمريكي المباشر أو إدارة الصراع بالوكالة.

تحول المواقف الإقليمية

يُرجَّح أن تركيا والسعودية لا تُفضّلان سيناريو الانهيار المفاجئ للنظام الإيراني، لأن هذا النوع من التحوّل قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية وارتدادات أمنية يصعب احتواؤها. وضمن التوجّه الإقليمي الأوسع، يبدو أن الخيار الأقل كلفة هو بقاء إيران ضعيفة ومقيّدة ومحكومة بضوابط وضغوط، بدل انتقالها إلى حالة انهيار وفوضى قد تُنتج فراغًا واضطرابًا عابرًا للحدود.

التحول في المقاربة الأمريكية تجاه إيران

شهدت المقاربة الأمريكية تجاه إيران تحوّلًا ملحوظًا، إذ انتقل الخطاب من فكرة إسقاط النظام إلى التركيز على الدفع نحو تغييره من الداخل. 

ويستند هذا التحوّل إلى جملة اعتبارات، أبرزها غياب قيادة إيرانية في الخارج تملك القدرة على إدارة مرحلة ما بعد أي انهيار محتمل، إضافة إلى أن النظام ما يزال متماسكًا مؤسسيًا رغم تراكم الأزمات، فضلًا عن أن الفواعل الداخلية المعارضة لم تُظهر حتى الآن انخراطًا جديًا وفعّالًا يمكن التعويل عليه لإحداث تغيير حاسم.

السيناريوهات الأمريكية المطروحة

  • سيناريو ضربة 1991 العراقي:
    عزل النظام من خلال عقوبات وضربات للبنى التحتية، وخنق اقتصادي يُبقي النظام في حالة “موت سريري”.
  • الضربة الخاطفة:
    استهداف قيادات الصف الأول وشل مفاصل القرار، ويبدو أن إيران قد استعدت لمثل هذا السيناريو.
  • الردع طويل الأمد:
    حشد عسكري دائم في الخليج والبحر الأحمر دون حرب مباشرة.

تُظهر القراءة أن إدارة دونالد ترامب – وفق الرسائل الأخيرة – تميل إلى الاستنزاف والتحفيز الداخلي بدل المواجهة الشاملة.

قدرة النظام الإيراني على الاحتواء الداخلي

يُظهر النظام الإيراني قدرة ملحوظة على الاحتواء الداخلي مستندًا إلى خبرة تراكمية في إدارة موجات الاحتجاج، عبر تحييد التيار الإصلاحي واحتوائه، وتفعيل أدوات الضبط الصلب مثل السجن والإقامة الجبرية والعزل السياسي، وأحيانًا اللجوء إلى الإعدام، فضلًا عن إدارة إيقاع الشارع وفق الدروس الزمنية للأزمات السابقة بما يحدّ من توسّع الاحتجاجات واستدامتها. 

ووفق هذا السياق يمكن استخلاص استنتاج مرحلي مفاده أن قدرة النظام على الضبط ما تزال قائمة، لكنها تصبح أكثر كلفة وتعقيدًا مع كل موجة احتجاج جديدة.

صراع النخب داخل النظام الإيراني

تعكس بنية الحكم في إيران صراعًا داخل النخب الحاكمة بين تيارين رئيسيين، يتمثّل التيار الأول في النخبة الفارسية المرتبطة بالحرس الثوري، ويميل إلى خيار المواجهة بوصفه ضمانة لبقاء النظام، ويرى أن استمرار النفوذ الإقليمي والدور العسكري جزء من معادلة الاستقرار الداخلي.

في المقابل يميل التيار الآخر، المرتبط بنخبة ذات جذور تركية داخل النظام، إلى تفضيل نهج الاحتواء وتخفيف التوتر وتجنّب الصدام المفتوح، بالنظر إلى ما قد يترتب عليه من كلف سياسية وأمنية واقتصادية.

ويتجسّد الصراع في مراكز القرار بين المجلس الأعلى للأمن القومي والحرس الثوري، ويتمحور الجدل حول من يملك قرار الحرب، وما طبيعة وظيفة الحرس: دفاعية أم هجومية.

الشارع الإيراني وتحولات الاحتجاج

يبرز تباين في نمط الاحتجاجات داخل الشارع الإيراني؛ ففي المدن القومية تظهر شعارات هوياتية وانفصالية، بينما تتركز في المدن الصناعية والاقتصادية مطالب الإصلاح والانفتاح الخارجي. 

وفيما يخص الأطراف الكردية، فإن أكراد إيران لا يرتبطون بالولايات المتحدة وإنما هم أقرب للمعسكر اليساري، ولديهم أحزاب معارضة مسلحة، كما أن نشاطهم مراقب ومصنّف كأحد أخطر مصادر التهديد للنظام.

مأزق القيادة العليا والحرب

يضع الانقسام داخل النظام المرشد أمام خيارات محدودة، في ظل مرونة دبلوماسية شبه معدومة وفجوة متزايدة بين النظام والشارع.

وفي هذا السياق تعكس إشارة محمد جواد ظريف إلى أن الملف النووي جلب أزمة غير ضرورية عمق المأزق داخل النخبة الحاكمة، إذ إن النظام غير قادر على تحمّل كلفة الاستمرار، ولا يستطيع التراجع لأن التضحيات تمت بكلفة عالية قد تؤجّج الشارع الذي يشكّك بجدواها.

ووفق قراءة عراقجي، تقدّر الخارجية الإيرانية أن الحرب قادمة، لكن الهدف الحالي يتمثّل في تأجيلها وكسب الوقت عبر حراك دبلوماسي، خصوصًا مع تركيا.

انعكاسات التغيير في إيران على العراق

انطلاقًا من مسارات التحوّل داخل إيران، تبرز أمام العراق انعكاسات محتملة يمكن مقاربتها عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

يتمثّل السيناريو الأول في تقليص التهديدات وفتح فرص جديدة أمام العراق، لكنه يواجه تحديات واضحة، أبرزها احتمال حدوث اختراق سياسي داخل البيت الشيعي، واستمرار وجود فصائل مسلحة مرتبطة بطهران، إلى جانب نزوح محتمل يتراوح بين 4 و5 ملايين إيراني.

 وفي المقابل، يطرح هذا السيناريو فرصًا تتمثل في استعادة القرار السيادي، وتقليص نفوذ الفصائل، وتعزيز الدولة والمؤسسات.

أما السيناريو الثاني فيقوم على إنتاج مستوى سياسي عراقي جديد، إذ قد تفضّل واشنطن نقل الصراع الإيراني إلى الداخل العراقي عبر استغلال ارتباكات الضربة الإيرانية ونقل زخمها إلى العراق. 

ويتضمن ذلك ضغطًا أمريكيًا لاستبدال شخصيات وفصائل فاعلة في الساحة السياسية السنية، بالتوازي مع صراع داخل البيت الشيعي وبروز أكبر للبيوتات الدينية (الحكيم – السيستاني – الصدر)، مقابل تلاشي الشخصيات السياسية التي لا تمتلك عمقًا دينيًا أو اجتماعيًا.

اما السيناريو الاخير فيتمثل بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، عبر تحوّل العراق من ساحة نفوذ إلى ساحة توازن، بما يرتبط مباشرة بملفات الطاقة والأمن والاقتصاد الإقليمي، وكذلك بالممرات البرية والبحرية.

مسارات موازية مؤثرة

تبرز مسارات موازية مؤثرة تتمثل في زيادة الضغط الاقتصادي عبر ملف الدولار وتهريب العملة والمصارف والعقوبات، إلى جانب تنويع مسارات تصدير الطاقة من خلال تفعيل خطوط الأنابيب النفطية مثل خط بانياس في سوريا، فضلًا عن دعم مشاريع الربط الإقليمي وفي مقدمتها طريق التنمية.

منطق النظام الإيراني

لا تنظر إيران إلى الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا فقط، بل كمعركة سردية ورمزية؛ لذلك تعمل على تهيئة وتعبئة المنطقة بفكرة أن المواجهة لن تكون سهلة، وتحرص على سلب ترامب أي نشوة لنصر أمريكي، بل تحويل أي مواجهة إلى نصر سياسي ومعنوي مهما كانت نتائجها الميدانية.

وتتمثّل مغالطة التخوّف الأمني في القراءة العراقية في اختزال تداعيات إيران بالبعد الأمني وحده، رغم أن التغيير – إن حدث – سيكون سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وأمنيًا معًا. 

وتعدّ الندوة أن تركيز العراق على تأمين الحدود وتحجيم الفصائل فقط يمثل خللًا تحليليًا، وأن التأخر في تنضيج مقاربة سياسية واقتصادية تتناسب مع حجم التحولات يُعد قصورًا في سلوك الفاعل السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى