
مقدمة
يمثل إعلان “تحرير العراق من تنظيم داعش” في أواخر عام 2017 نقطة تحول مفصلية في تاريخ التهديد الإرهابي داخل البلاد، لكنه لم يكن نهاية الظاهرة بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً.
منذ عام 2018، دخل تنظيم داعش طوراً مختلفاً من النشاط، اتسم بالانكماش المكاني، مقابل التكيف العملياتي، والانتقال من نموذج “التنظيم المسيطر” إلى نموذج “التهديد الكامن”.
خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2026، تداخل النشاط المتبقي لداعش مع تحولات سياسية وأمنية عميقة داخل العراق والمنطقة، فقد شهدت الدولة العراقية إعادة هيكلة تدريجية لأدوار قواتها الأمنية، وتغيراً في طبيعة وجود التحالف الدولي، إلى جانب تصاعد النقاش الداخلي حول حصر السلاح بيد الدولة، في وقت تزايدت فيه حدة التوتر الإقليمي، خصوصاً في ظل الصراع الأمريكي–الإيراني المحتمل وتداعيات الوضع السوري المستمر.
يهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة لنشاط تنظيم داعش في العراق خلال هذه المرحلة، من خلال تتبع تطوره الزمني، وتحليل الجغرافيا التي حافظ فيها على قدرته العملياتية، وقراءة دور التحالف الدولي في احتواء التنظيم، مع وضع هذه المعطيات ضمن سياقها السياسي والأمني الأوسع، بعيدًا عن الخطاب التعبوي أو التوصيفات الانطباعية.
التحول من “الدولة” إلى “التمرد منخفض الوتيرة”
بعد خسارته السيطرة على المدن الكبرى والبنى الإدارية التي أقامها بين عامي 2014 و2017، لم يعد تنظيم داعش قادراً على إعادة إنتاج نموذج “الدولة” داخل العراق، إلا أن هذا الفشل لم ينعكس على شكل انهيار كامل، بل دفع التنظيم إلى تبني استراتيجية مختلفة تقوم على البقاء، والاستنزاف، والحفاظ على الحد الأدنى من الحضور.
منذ عام 2018، أصبح نشاط تنظيم داعش أقرب إلى نمط التمرد غير المتماثل، القائم على خلايا صغيرة، وعمليات محدودة، وتجنب المواجهات المباشرة.
هذا التحول لم يكن خياراً أيديولوجياً بقدر ما كان ضرورة فرضتها موازين القوى، حيث واجه التنظيم دولة أكثر خبرة، وأجهزة استخبارية أكثر فاعلية، ودعماً جوياً وتقنياً مستمراً من التحالف الدولي.
في هذا السياق، لم يعد هدف داعش السيطرة أو الإعلان، بل تعطيل الاستقرار النسبي، والحفاظ على صورة “التهديد المستمر”، وهي صورة لعبت دوراً مهماً في بقاء التنظيم ضمن الحسابات الأمنية والسياسية، رغم تراجع قدراته الفعلية.
التطور الزمني للعمليات: من التصاعد إلى الانحسار
تُظهر البيانات المتعلقة بعدد العمليات التي تبناها تنظيم داعش بين 2018 و2026 مساراً واضحاً يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل رئيسية.
المرحلة الأولى، الممتدة بين 2018 و2020، اتسمت بتصاعد تدريجي في عدد العمليات، بلغ ذروته في عام 2020، يُفسر هذا التصاعد بمجموعة عوامل متداخلة، أبرزها حالة عدم الاستقرار السياسي، وتعدد مراكز القرار الأمني في بعض الفترات، إضافة إلى انشغال الدولة بملفات داخلية ضاغطة، مثل الاحتجاجات الواسعة و جائحة كورونا، خلال هذه المرحلة، ركز التنظيم على استهداف النقاط الرخوة، والدوريات المتحركة، والقرى النائية، في محاولة لإعادة تثبيت وجوده العملياتي.
أما المرحلة الثانية، بين 2021 و2022، فقد شهدت بداية انحسار ملحوظ في عدد العمليات، نتيجة تصاعد الجهد الاستخباري النوعي، واعتماد القوات الأمنية على عمليات استباقية دقيقة، أسفرت عن تفكيك العديد من الخلايا، وتقليص قدرة التنظيم على المناورة.
في المرحلة الثالثة، الممتدة من 2023 حتى 2026، وصل نشاط داعش إلى أدنى مستوياته منذ 2003، مع تسجيل أرقام محدودة للغاية من العمليات، هذا التراجع الحاد لا يعكس فقط ضعف التنظيم، بل يشير إلى نجاح استراتيجية الاحتواء طويلة الأمد، التي ركزت على منع إعادة التشكل بدل الاكتفاء بالرد العسكري.
الجغرافيا العملياتية: لماذا استمرت هذه المناطق؟
رغم التراجع العام في عدد العمليات المنسوبة لتنظيم داعش خلال السنوات اللاحقة لإعلان تحرير العراق، فإن توزيع هذا النشاط جغرافيًا يكشف عن نمط شبه ثابت، تركز في محافظات ومناطق محددة شكّلت العمود الفقري للنشاط المتبقي.
برزت في مقدمة هذه المناطق ديالى وكركوك وصلاح الدين، التي يمكن توصيفها بأنها “المثلث العملياتي الأكثر نشاطًا” خلال الفترة المدروسة، نتيجة تداخل معقّد بين العوامل الجغرافية والديموغرافية والأمنية.
تتميّز هذه المحافظات بكونها جزءًا من منظومة جغرافية متصلة، تشكلها سلاسل جبلية وأودية ممتدة، تبدأ من جبال مكحول في صلاح الدين، مرورًا بامتدادات جبال حمرين التي تربط صلاح الدين بكركوك وديالى، وصولًا إلى نهر دجلة ومحيطه، ثم امتداد هذه السلاسل جنوبًا وشرقًا حتى ناحية العظيم ومشارف شمال بغداد.
وفّرت هذه الجغرافيا، بما تحتويه من تضاريس وعرة ومسارات طبيعية متداخلة، بيئة ملائمة لحركة الخلايا الصغيرة، والتنقل بين المحافظات، والاختفاء المؤقت بعيدًا عن مراكز الثقل الأمني.
وتكتسب جبال حمرين أهمية خاصة في تفسير استمرارية النشاط، نظرًا لما توفره من أودية وكهوف ومساحات يصعب ضبطها أمنيًا بشكل دائم، فضلًا عن اتصالها بمناطق زراعية كثيفة مثل بساتين الطارمية شمال بغداد، التي منحت التنظيم غطاءً طبيعيًا عالي الحساسية السياسية، رغم محدودية النشاط الفعلي فيها، كما أن كون هذه المناطق مناطق تماس إداري وأمني بين محافظات متعددة أسهم في خلق فجوات في السيطرة المستدامة، لا سيما في المناطق الريفية والنائية.
في المقابل، مثّلت الأنبار عمقًا استراتيجيًا مختلفًا للتنظيم، قائمًا على الامتداد الصحراوي الواسع لا على الكثافة السكانية، فالصحراء الرابطة بين جنوب غرب نينوى (الحضر والجزيرة) والأنبار، وصولًا إلى حديثة والرطبة والحدود السورية، شكّلت البيئة الأقدم لنشاط التنظيم، وممرًا للحركة والاختباء وإعادة التموضع، وإن كانت أقل قدرة على دعم عمليات متكررة مقارنة بالمناطق الجبلية والزراعية.
أما حزام شمال بغداد، فقد اكتسب أهمية مضاعفة بسبب رمزيته السياسية والأمنية، إذ يُنظر إلى أي نشاط فيه، مهما كان محدودًا، بوصفه تهديدًا مباشرًا لمركز القرار، ويُضخَّم إعلاميًا بما يتجاوز حجمه العملياتي الفعلي.
في المحصلة، فإن استمرار نشاط داعش في هذه المناطق لا يعكس عودة أو توسعًا، بل قدرة متبقية على استثمار جغرافيا معقّدة ومترابطة من الجبال والأودية والصحاري، يصعب تفكيكها أمنيًا دون سيطرة مستدامة وتنسيق عابر للمحافظات، يتجاوز منطق الانتشار المؤقت.
خريطة (1):المناطق الساخنة المستمرة لنشاط داعش (2023–2026)

جدول (1):التوزيع الجغرافي لعمليات داعش في العراق (2018–2026)

التحالف الدولي: من الحرب المفتوحة إلى الاحتواء الاستخباري
بعد إعلان التحرير، تغير دور التحالف الدولي بشكل جذري، فقد انتقل من تنفيذ عمليات جوية واسعة النطاق إلى نمط أكثر انتقائية، قائم على الضربات الدقيقة المبنية على معلومات استخبارية عالية الدقة، استهدفت هذه الضربات قيادات ميدانية، ومخابئ، ومسارات تحرك في مناطق نائية، خصوصًا في غرب العراق وشماله.
تشير كثافة الضربات في بعض المناطق إلى أنها كانت تمثل العمق العملياتي الأخير للتنظيم، فيما يعكس العدد الكبير من الضربات المصنفة كـ “متفرقة داخل العراق” طبيعة التهديد غير المتمركز، الذي يعتمد على خلايا متنقلة بدل قواعد ثابتة.
جدول (2): مواقع ضربات التحالف الدولي في العراق بعد إعلان التحرير

البعد السياسي: بين الخطر الأمني والخطاب الوظيفي
ترافق النشاط المتبقي لداعش مع خطاب سياسي متكرر من بعض الفصائل المسلحة يؤكد أن “خطر داعش ما زال قائمًا”، ويربط ذلك بتطورات الوضع في سوريا.
رغم أن هذا الخطاب يستند جزئيًا إلى واقع أمني قائم، إلا أنه لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشمل الجدل حول حصر السلاح بيد الدولة، ومستقبل الوجود العسكري الأجنبي، واحتمالات التصعيد الإقليمي.
الفارق بين التهديد الأمني الفعلي، كما تعكسه البيانات، وبين التهديد المصوَّر في الخطاب السياسي، يشكل أحد أبرز معالم المرحلة، ويؤكد أن داعش بات، في بعض الأحيان، عنصرًا في الصراع السياسي بقدر ما هو تحدٍ أمني.
خاتمة
تشير معطيات الفترة 2018–2026 بوضوح إلى أن تنظيم داعش في العراق لم يعد يشكل تهديداً وجودياً للدولة، لكنه في الوقت نفسه لم يُستأصل نهائياً، التنظيم بات ضعيفاً، محدود القدرة، منخفض الوتيرة، لكنه لا يزال حاضراً بوصفه تهديداً كامناً يمكن استثماره أمنياً أو سياسياً.
إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يكمن في القدرة العسكرية، بل في الحفاظ على السيطرة المستدامة، وتعزيز الجهد الاستخباري، ومنع تسييس التهديد، بما يضمن عدم تحوله من خطر أمني محدود إلى أداة اضطراب سياسي.



