تقدير موقف
إصدار حديث

العراق في ظل احتمالات تجدد الحرب على إيران

اختبار الهشاشة الأمنية والاقتصادية وحدود الحياد

الملخص التنفيذي

يواجه العراق مرحلة حساسة في ظل مؤشرات احتمال تجدد العمليات العسكرية ضد إيران، بعد مواجهة إقليمية لم تتحول التهدئة التي أعقبتها إلى تسوية مستدامة، وتكتسب احتمالات التصعيد أهمية استثنائية بالنسبة إلى بغداد، ليس بسبب الجوار الجغرافي والارتباطات السياسية والاقتصادية مع طهران وحدها، بل لتزامنها مع اختلالات داخلية تشمل تعدد مراكز القرار الأمني، وتعقيدات حصر السلاح بيد الدولة، والضغوط المالية والنقدية المرتبطة بالنفط والدولار.

وتزداد حساسية المشهد مع التفاهمات المعلنة بشأن وقف عمليات الفصائل المسلحة لمدة تسعين يوماً تمهيداً لتسليم السلاح، بالتزامن مع تداعيات هجمات على منشآت خليجية انطلقت، بحسب تصريحات وتقارير، من الأراضي العراقية، وتطرح الورقة فرضية أن الخطر لا يتمثل بالضرورة في انتقال الحرب مباشرة إلى العراق، بل في انتقال آثارها بين الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، بما ينتج أزمة مركبة يصعب احتواؤها بالأدوات التقليدية.

تختبر الورقة مؤشرات التصعيد وحدود التسوية، وتفحص قابلية العراق للتأثر في ملفات الأمن وحصر السلاح وداعش والرواتب والدولار والحدود والعلاقات العربية، وتقدم ثلاثة سيناريوهات للأشهر الستة المقبلة، ولا تعد السيناريوهات تنبؤات يقينية، بل مسارات مشروطة بمؤشرات قابلة للرصد.

أولاً: مؤشرات تجدد الحرب على إيران وحدود التسوية

لا يمكن قراءة احتمال استئناف الحرب بمعزل عن الملفات التي لم تُحسم سياسياً: البرنامج النووي، والعقوبات، وحرية الملاحة، ومستقبل القدرات العسكرية الإيرانية، فالتهدئة العسكرية لا تعني بالضرورة تسوية دوافع الصراع، وقد تتحول إلى فترة لإعادة ترتيب القدرات والمواقف. 

تبرز ثلاثة مؤشرات أساسية: استمرار الاستعدادات العسكرية والخيارات العملياتية المطروحة، وتعثر التفاوض بشأن الضمانات وترتيب التنازلات، وحساسية الملاحة والطاقة في مضيق هرمز، وفي المقابل، توجد كوابح للتصعيد، منها ارتفاع كلفة الحرب على الاقتصادات الإقليمية والدولية، وإمكان اتساع الاستهداف ليشمل منشآت الطاقة والموانئ، واستمرار الوساطات، ويجب لذلك التمييز بين مؤشرات الاستعداد العسكري وحتمية الحرب، وبين ضربة محدودة وحملة استنزاف ممتدة ومواجهة إقليمية شاملة.

وتتوقف التداعيات العراقية على شكل الحرب ومدتها وطبيعة الردود، فعملية قصيرة قد تولد اضطراباً مالياً وأمنياً قابلاً للاحتواء، بينما يفرض إغلاق طويل للممرات البحرية أو توسع الهجمات عبر الحدود ضغوطاً تتجاوز الصدمة الأولى، ولهذا تركز الورقة على آليات انتقال المخاطر لا على التنبؤ بموعد محدد لاندلاع الحرب.

ثانياً: معضلة الأمن وتفاهمات حصر السلاح

يمثل الملف الأمني القناة الأكثر مباشرة لانتقال آثار التصعيد إلى العراق، بسبب التباين بين الوضع القانوني للحشد الشعبي ضمن المنظومة الأمنية للدولة وبين عدم خضوع بعض الفصائل لقرار الحكومة بما يتعلق باتخاذ القرار العملياتي، وقد تختار جماعات عدم المشاركة حفاظاً على مصالحها السياسية والاقتصادية، بينما قد ترى أخرى في استهداف إيران مبرراً لاستئناف الهجمات، ويستدعي هذا التباين النظر الى جدوى مساعي الحكومة لاخضاع هذه الفصائل لقرار الدولة.

أعلنت الحكومة خارطة طريق تقوم على توقف العمليات المسلحة لمدة تسعين يوماً، تمهيداً لتسليم تدريجي للسلاح الثقيل وحصر القرار العسكري بيد الدولة، مع طرح نهاية حزيران 2027 موعداً مستهدفاً للمسار.[1]

إذا تجددت الحرب، فقد تتعرض التفاهمات لاختبار مباشر، فاستهداف مواقع لفصائل عراقية قد يعيد إنتاج ذرائع الاحتفاظ بالسلاح، خاصة وأن مع وجود تقارير بوجود اشتباه عراقي في استهداف إسرائيل منظومات دفاع جوي صينية الصنع بحوزة فصائل مسلحة، وصلت إليها عبر إيران، في مؤشر محتمل على اتساع نطاق الاستهدافات لتشمل القدرات الدفاعية النوعية للفصائل [2].

 في حين قد يرفع استهداف مصالح أميركية أو خليجية من الأراضي العراقية الضغط الخارجي على بغداد لتسريع نزع السلاح، وبين هذين الاتجاهين تواجه الحكومة تحدي حماية السيادة دون الانزلاق إلى حرب لا تتخذ مؤسساتها قرار المشاركة فيها.

وتكمن المفارقة في أن الحشد الشعبي جزء من البنية الرسمية للدولة، بينما تتعلق المشكلة باستقلالية القرار العسكري لبعض التشكيلات لا بمجرد هويتها المؤسسية، ومن ثم لا يكفي تسليم معدات أو دمج إداري إذا بقي قرار استخدام القوة خارج التسلسل القيادي. 

يصبح صمود تفاهم التسعين يوماً مؤشراً مبكراً على قدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم، أما انهياره فقد يؤدي إلى تأجيل مسار حصر السلاح، وإعادة فتح التوتر بين الحكومة وبعض الفصائل، ورفع مخاطر الاستهداف الخارجي داخل العراق، ولا يستلزم ذلك افتراض انهيار شامل، بل مراقبة الانشقاقات في المواقف ومدى تنفيذ الالتزامات فعلياً.

تكمن القيمة الحقيقية لتفاهم التسعين يوماً في طبيعة المقايضة السياسية التي يقوم عليها، فالحكومة تسعى إلى تجنب مواجهة مباشرة مع جماعات تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، بينما تسعى بعض الفصائل إلى ضمان استمرار مصالحها ونفوذها عند الانتقال إلى ترتيبات جديدة، ولا يعني القبول بالتهدئة القبول بالتخلي عن سلطة القرار العملياتي، ولذلك ينبغي التمييز بين تسليم الأسلحة الثقيلة وإنهاء استقلالية القيادة وتفكيك شبكات التمويل والنفوذ، وقد تنجح الدولة في المستوى الأول دون أن تنجز المستويات الآخرى.

قد تدفع الحرب بعض الفصائل إلى الاندماج المؤسسي لحماية مكاسبها، لكنها قد تدفع جماعات أخرى إلى الاحتفاظ بسلاحها باعتباره ضمانة للبقاء، ويصبح السيناريو المعقد قبول الدمج الإداري مع استمرار قنوات قيادة غير رسمية، ما يجعل نجاح حصر السلاح شكلياً من الناحية القانونية دون أن يتحقق احتكار الدولة الفعلي لقرار الحرب والسلم. [3]

ثالثاً: احتمالات استغلال داعش للانشغال الأمني

يثير التصعيد سؤالاً بشأن قدرة الأجهزة الأمنية العراقية على المحافظة على جهود مكافحة داعش، خصوصاً إذا استدعى حماية الحدود والمنشآت الحيوية إعادة نشر وحدات أو تحويل موارد استخبارية، ولا يجوز افتراض أن تجدد الحرب سيؤدي تلقائياً إلى عودة التنظيم إلى نمط السيطرة على الأراضي؛ فحجم قدراته الحالية وطبيعة التهديد يختلفان عن مراحل سابقة.

وفقاً لرصد مركز العراق للدراسات الاستشرافية (ICFS)، تراجع النشاط المعلن لتنظيم داعش في العراق، إذ سجّل المركز 16 عملية تبنّاها التنظيم خلال عام 2025، مقابل 11 عملية منذ مطلع عام 2026 وحتى 14 تشرين الأول من العام نفسه، ما يعكس استمرار النشاط عند مستويات منخفضة، دون مؤشرات كافية على استعادة التنظيم قدراته العملياتية السابقة. [4]

الخطر الأكثر واقعية هو استغلال فراغات محدودة في المناطق الوعرة أو نقاط التماس بين المسؤوليات الأمنية، وتنفيذ هجمات منخفضة الكلفة أو استهداف طرق ونقاط تفتيش، وتزداد هذه المخاطر إذا تراجع التنسيق بين الأجهزة أو انشغلت القيادة الأمنية بالتعامل مع هجمات على مواقع الفصائل والقواعد والمنشآت.

وتقتضي الاستجابة فصل ملف مكافحة الإرهاب عن الاستقطاب الإقليمي، والمحافظة على الجهد الاستخباري والعمليات الاستباقية، وبهذا المعنى لا يقاس نجاح الدولة بمنع الهجمات الكبيرة فقط، بل بقدرتها على ألا تسمح للأزمة الخارجية بتغيير أولويات الأمن الداخلي بصورة تخلق ثغرات قابلة للاستغلال.

رابعاً: الاقتصاد بين النفط والدولار وأزمة الرواتب

يعتمد العراق على الإيرادات النفطية في تمويل الجزء الأكبر من الموازنة، وعلى الاستيراد في تلبية جانب واسع من الطلب المحلي، وعلى الدولار في تسوية المعاملات الخارجية، ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة أو الصادرات أو التحويلات ينتقل سريعاً من الأسواق العالمية إلى المالية العامة ثم إلى الأسواق المحلية.

توضح تحليلات معهد واشنطن هشاشة قطاع الطاقة العراقي أمام اضطراب الصادرات والغاز المستورد وتكاليف النقل والتأمين، كما تشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط لا يضمن ارتفاع الإيرادات عندما تنخفض الكميات المصدرة أو تتعطل الموانئ، وهذه نقطة محورية في فهم الفارق بين أثر الحرب على أسعار النفط وأثرها الفعلي على الخزينة العراقية. [5]

وتنبع حساسية الرواتب من اتساع الالتزامات التشغيلية وصعوبة تعديلها بسرعة، لا يعني تراجع الإيرادات توقف الرواتب تلقائياً، لكنه قد يدفع الحكومة إلى تأجيل الإنفاق الاستثماري أو زيادة الاقتراض أو إعادة ترتيب الأولويات، وقد حذر تقرير صندوق النقد الدولي من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على النفط وارتفاع النفقات الجارية، بما يجعل أي صدمة ممتدة أكثر كلفة. [6]

أما الدولار فيمثل قناة انتقال موازية، فعندما تتراجع تدفقات العملة الأجنبية وتتزايد كلفة الاستيراد والتحويل، يمكن أن يرتفع الضغط على سوق الصرف وعلى أسعار السلع المستوردة، وتختلف شدة الأثر بحسب المخزون والمنافسة وسياسات البنك المركزي وقدرة القطاع التجاري على الحصول على الدولار عبر القنوات النظامية.

وتبرز هنا سلسلة سببية: تعطل الصادرات يؤدي إلى انخفاض الإيرادات والتدفقات الدولارية؛ وتراجع الموارد يضغط على الإنفاق والسيولة؛ واضطراب الاستيراد يزيد كلفة السلع؛ ثم تنعكس الضغوط على القوة الشرائية والثقة الاقتصادية، ولا ينبغي اختزال هذه السلسلة في سعر الصرف وحده، لأن الخلل قد يبدأ من حجم التصدير والقدرة على الوصول إلى الأسواق.

ويؤكد البنك الدولي حساسية اقتصاد المنطقة لصدمات الحرب والطاقة، بما يجعل السيناريو الاقتصادي العراقي مرتبطاً ليس بأسعار النفط فقط، بل أيضاً بمدة تعطل طرق الإمداد والقدرة على تنويع المنافذ التجارية. [7]

لا يكفي قياس أثر الحرب على العراق بسعر برميل النفط، إذ ينبغي التمييز بين سعر النفط وحجم الصادرات والإيراد المتحقق وتوقيت وصول السيولة إلى الخزينة، ويمكن أن يرتفع السعر العالمي بينما تنخفض الإيرادات العراقية إذا تعطلت الموانئ أو ارتفعت تكاليف النقل والتأمين، وتصبح المشكلة هنا فجوة القدرة على تحويل الثروة النفطية إلى إيراد مالي متاح.

وتظهر الأزمة في ثلاث طبقات، أزمة إيراد عند انخفاض كمية النفط المصدر فعلياً، وأزمة سيولة عند تعذر توفير الأموال في توقيت الاستحقاق، وأزمة إنفاق عندما تصبح الالتزامات التشغيلية ثابتة بدرجة تضيق معها قدرة الحكومة على تمويل الخدمات والاستثمار، وقد يعالج الاقتراض نقص السيولة مؤقتاً لكنه لا يعوض انخفاض الصادرات ولا يعالج الاختلال الهيكلي.

كما أن زيادة كمية الدينار العراقي المتحصلة من بيع الدولار بسعر رسمي أعلى لا تعني خلق موارد اقتصادية حقيقية جديدة، بل تعيد توزيع الأعباء بين الموازنة والمستهلك، وعندما ترتفع أسعار الواردات دون ارتفاع مماثل في الدخول تنتقل كلفة معالجة الضغوط المالية إلى القوة الشرائية للأسر، لذلك يجب الفصل بين معالجة سيولة الرواتب ومعالجة قيمة الرواتب الحقيقية. 

خامساً: الحدود مع إيران وتحديات الاعتماد المتبادل

تضم الحدود العراقية الإيرانية منافذ تجارية ومسارات حركة أشخاص وروابط دينية واقتصادية، وتؤثر في أسواق المحافظات الحدودية، وقد يؤدي التصعيد إلى تشديد الإجراءات على المعابر، أو تعطل النقل والإنتاج داخل إيران، أو صعوبات في التسويات المالية، بما ينعكس على السلع والخدمات المتبادلة.

وتبرز الطاقة بوصفها نقطة ضعف إضافية؛ إذ يعتمد جزء من إنتاج الكهرباء العراقي على الغاز المستورد من إيران، وقد أشار معهد واشنطن إلى استمرار المشكلات المرتبطة بتجهيز الغاز وتسديد مستحقاته، وتأخر مشاريع تنويع مصادر الإمداد، بما يجعل قطاع الكهرباء حساساً لأي اضطراب إضافي.

أما أمنياً فقد تظهر تحديات تتعلق بحماية المعابر ومنع استخدام المناطق الحدودية لتنفيذ عمليات عابرة للحدود، واحتمالات النزوح والتهريب، ويتطلب ذلك تمييزاً بين حماية العلاقات الاقتصادية والإنسانية مع إيران وبين منع تحويل الجغرافيا العراقية إلى امتداد لمسرح العمليات.

سادساً: الهجمات على الخليج وحدود الحياد العراقي

أصبحت الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية على مصالح دول الجوار قضية عملية لا افتراضاً نظرياً فحسب، فقد تناولت تقارير هجوماً بطائرات مسيّرة على خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب في أيلول 2026، مع تأكيدات بشأن منشأ الهجوم من العراق، بينما بقي إسناد المسؤولية التنظيمية موضع روايات وتحقيقات ينبغي عدم الخلط بينها وبين إثبات وقوع الهجوم. [8]

كما نقلت تقارير صحفية تصريحات لوزير الخارجية العراقي بشأن التحقيق والتواصل مع السعودية والعمل على منع الجماعات المسلحة من اتخاذ قرارات مستقلة باستهداف دول أخرى، ويكشف ذلك أن الهجوم الواحد قد ينتج تداعيات تتجاوز المجال الأمني إلى العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والثقة المتبادلة. [9]

وفي حال تجدد الحرب على إيران، قد تختار بعض الفصائل استهداف منشآت خليجية أو مصالح أميركية في المنطقة، ما يعرّض العراق لاحتمال ردود عسكرية أو ضغوط سياسية حتى عندما لا تكون الحكومة طرفاً مباشراً، ويصبح إعلان الحياد غير كافٍ إذا لم يترافق مع قدرة فعلية على منع استخدام الأراضي والأجواء العراقية لتنفيذ عمليات هجومية.

كما أن أي رد خارجي على مواقع داخل العراق قد يضع الحكومة أمام ضغوط داخلية لحماية السيادة، ويعقد مسار التهدئة مع الفصائل، لذلك تتصل العلاقات الخليجية اتصالاً مباشراً بملف حصر السلاح، ولا يمكن معالجتهما باعتبارهما مسارين منفصلين.

يمكن أن تبدأ سلسلة التصعيد بهجوم من الأراضي العراقية، ثم رد خارجي يستهدف موقعاً عراقياً، ثم ضغط داخلي على الحكومة للرد على انتهاك السيادة، وفي هذه الحالة تجد الدولة نفسها مطالبة بالدفاع عن أراضيها من نتائج عملية لم تتخذ هي قرار تنفيذها، وهذه هي الحلقة التي تنقل تعدد مراكز القرار العسكري من مشكلة تنظيمية داخلية إلى قيد على السياسة الخارجية. 

تزداد حساسية المسألة لأن استهداف منشآت الطاقة الخليجية قد ينعكس على العراق نفسه من خلال اضطراب الممرات البديلة عن مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين والتجارة، وبالتالي فإن ضبط العمليات العابرة للحدود ليس تنازلاً دبلوماسياً، بل شرط لحماية مصالح العراق الاقتصادية والأمنية.

سابعاً: السيناريوهات المحتملة للأشهر الستة المقبلة

السيناريو الأول: استمرار الضغط والاحتواء المتبادل، يستمر التهديد العسكري والعقوبات والقيود البحرية مع مفاوضات غير حاسمة، دون حملة عسكرية واسعة جديدة، في هذه الحالة تبقى الضغوط الاقتصادية والأمنية، مع فرصة لاستمرار تفاهمات التهدئة والتسليم التدريجي، ومن مؤشراته استمرار الوساطات وغياب الضربات الكبرى.

السيناريو الثاني: ضربات محدودة وردود محسوبة، تُستأنف عمليات تستهدف مواقع محددة داخل إيران، وتتبعها ردود تسعى الأطراف إلى ضبط نطاقها، وقد تتعرض تفاهمات التسعين يوماً للاهتزاز، مع ارتفاع احتمالات الهجمات المحدودة على مصالح خارجية، وضغوط على التجارة وسوق الدولار.

السيناريو الثالث: اتساع المواجهة الإقليمية، تمتد العمليات إلى منشآت الطاقة والموانئ والقواعد والممرات البحرية، ما يضع العراق أمام اضطراب في الصادرات والموارد، وضغوط على الحدود، وتعثر في حصر السلاح، وتوترات مع دول الخليج، وتتمثل خطورته في تزامن الأزمات وتداخلها.

ولا ترتبط شدة التأثير على العراق بحجم الحرب وحده، فقد تولد ضربة محدودة أزمة عراقية كبيرة إذا ترافقت مع انقسام الفصائل أو استهداف منشآت خليجية من الأراضي العراقية، بينما يمكن احتواء بعض آثار حرب أوسع إذا استمرت وحدة القرار الأمني وتوافرت موارد مالية وبدائل إمداد، ومن ثم فإن المتغيرين الحاسمين هما نطاق التصعيد الخارجي وصمود الترتيبات الداخلية العراقية.

ثامناً: خيارات الموقف العراقي

أمنياً، تحتاج الحكومة إلى وحدة القرار العملياتي وحماية المنشآت الحيوية واستمرار مكافحة الإرهاب، مع تنفيذ تدريجي قابل للتحقق لحصر السلاح بيد الدولة، ويتطلب ذلك تمييزاً واضحاً بين دمج التشكيلات رسمياً وبين إخضاع قرار استخدام القوة للتسلسل القيادي.

اقتصادياً، تبرز ضرورة إعداد خطة طوارئ مالية تحدد أولويات الإنفاق، وتحافظ على الالتزامات الأساسية، وتوسع بدائل تصدير النفط ومصادر الطاقة والسلع الاستراتيجية، كما يتطلب الأمر تنسيقاً بين السياسة المالية والنقدية لتخفيف الاضطراب في سوق الدولار.

دبلوماسياً، ينبغي استمرار الاتصالات مع واشنطن وطهران والعواصم العربية، ورفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، مع رفض أي انتهاك للسيادة العراقية، ولا يكفي الموقف المعلن ما لم تسنده إجراءات أمنية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.

الخلاصة 

تكشف احتمالات تجدد الحرب على إيران عن اختبار مركب للدولة العراقية، فالحرب لن تنشئ جميع الاختلالات الداخلية من الصفر، لكنها قد تسرع ظهور نتائجها وتقلص الوقت والموارد المتاحة لمعالجتها، وتبرز تفاهمات حصر السلاح وانتظام الإيرادات النفطية والقدرة على منع الهجمات ضد دول الجوار بوصفها مؤشرات عملية على قدرة بغداد على الاحتواء.

النتيجة المركزية لهذا التقدير هي أن الخطر لا يكمن في الحرب الإقليمية وحدها، بل في انتقال آثارها بين قطاعات الدولة وتحولها إلى أزمة مركبة، ولذلك لن يُقاس نجاح الموقف العراقي بإعلان الحياد فحسب، بل بقدرته على صيانة استقلال القرار الأمني واستمرار الموارد المالية واستقرار العلاقات الإقليمية.

الهوامش والمراجع

[1] Enabling Peace in Iraq Center. (2026, October 1). Iraq security and humanitarian monitor: September 24–October 1, 2026. https://enablingpeace.org/ishm562/

[2] السراي، علي. (2026، 24 تشرين الأول). بغداد تشتبه باستهداف إسرائيل قدرات جوية صينية لدى الفصائل. الشرق الأوسط. https://aawsat.com/شؤون-إقليمية/5333161-بغداد-تشتبه-باستهداف-إسرائيل-قدرات-جوية-صينية-لدى-الفصائل

[3] House of Commons Library. (2026). A new president and prime minister for Iraq: What challenges face the country in 2026? UK Parliament. https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10829/

[4] الزرزور، مؤمن. (2026، 14 تشرين الأول). داعش في العراق: انحسار النشاط واستمرار التهديد. مركز العراق للدراسات الاستشرافية. https://iraqcfs.org/isis-in-iraq-waning-activity-and-persistent-threat/

[5] Raydan, N. (2026, October 21). Iraq’s energy challenges amid the Hormuz crisis. The Washington Institute for Near East Policy. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/iraqs-energy-challenges-amid-hormuz-crisis

[6] International Monetary Fund. (2025). Iraq: 2025 Article IV consultation—Staff report (IMF Country Report No. 25/183). https://www.elibrary.imf.org/view/journals/002/2025/183/article-A001-en.xml

[7] World Bank. (2026). From divide to opportunity: AI, jobs, and growth (Middle East, North Africa, Afghanistan and Pakistan Economic Update). https://doi.org/10.1596/978-1-4648-2364-0

[8] Deutsche Welle. (2026, September 12). Baghdad confirms attack on Saudi pipeline came from Iraq. https://amp.dw.com/en/baghdad-confirms-attack-on-saudi-pipeline-came-from-iraq/a-79247086

[9] The National. (2026, October 1). Iraq confident it can disarm Iran-backed militias by June 2027, Foreign Minister says. https://www.thenationalnews.com/news/us/2026/10/01/iraq-confident-it-can-disarm-iran-backed-militias-by-june-2027-foreign-minister-says/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى