ترجمات

لبنان في استراتيجية تركيا الجديدة تجاه المشرق.. الأهمية الاستراتيجية والفرص والقيود

بقلم: صهيب جوهر ومحمد حسين مرجان
المصدر: مؤسسة الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية «سيتا»
ترجمة: مركز العراق للدراسات الاستشرافية
تاريخ النشر الأصلي: تشرين الأول/أكتوبر 2026

يتناول هذا التحليل الأسباب التي جعلت لبنان فاعلاً استراتيجياً في استراتيجية تركيا الجديدة تجاه المشرق بعد سقوط نظام الأسد وتصاعد التهديد الإسرائيلي، كما يقيّم الفرص والقيود التي تشكّل العلاقات الثنائية.

أعاد التحول الذي طرأ على النظام السياسي والبنية الأمنية في الشرق الأوسط بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعملية «طوفان الأقصى»، ثم سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تشكيل العلاقات المتبادلة بين تركيا ولبنان.

وبسبب استراتيجية تل أبيب التوسعية والهجومية في المنطقة، أصبحت بيروت فاعلاً بالغ الأهمية الاستراتيجية بالنسبة إلى أنقرة في حساباتها الإقليمية الأوسع. وللمرة الأولى، أخذت تركيا تنظر إلى أمن لبنان من زاوية أمنها القومي.

وفي هذا الإطار، تبحث هذه الورقة السياق الاستراتيجي للتسارع الذي تشهده علاقات تركيا بلبنان ضمن استراتيجيتها الجديدة تجاه منطقة المشرق. وانطلاقاً من فرضية أن المسار الجديد في سوريا وتصاعد التهديد الإسرائيلي في المنطقة جعلا التقارب التركي–اللبناني ضرورة، تسعى الدراسة أيضاً إلى استشراف مسار تطور العلاقات الثنائية وتعميقها.

المقدمة

لم يحتل لبنان، خلال العقدين الماضيين، موقعاً مركزياً في استراتيجية تركيا الإقليمية. فقد حافظت أنقرة على علاقات مستقرة مع الدولة اللبنانية، وأبقت لها حضوراً واضحاً في مجالات التنمية والثقافة والشؤون الاجتماعية، ولا سيما من خلال الوكالة التركية للتعاون والتنسيق «تيكا»، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طيف واسع من القوى السياسية اللبنانية.

غير أن هذا الانخراط ظل أقل أهمية بكثير من تدخلات تركيا في سوريا والعراق وشرق المتوسط. ولذلك، فإن ما يتغير اليوم لا يقتصر على حجم الانخراط التركي في لبنان، بل يشمل أيضاً القيمة الاستراتيجية للبنان في الحسابات الإقليمية الأوسع لتركيا.

ينبع هذا التحول أساساً من التغيرات التي طرأت على البيئة الجيوسياسية المحيطة بلبنان. فالاضطراب الحاد الذي أصاب الوضع السياسي القائم في المنطقة عقب 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتسارع الاستراتيجية التوسعية لتل أبيب، فرضا مستوى جديداً من العلاقات بين أنقرة وبيروت.

كذلك أدى انتهاء حكم بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وبدء مسار جديد في سوريا بقيادة أحمد الشرع، إلى تحويل لبنان، في هذا السياق، إلى فاعل بالغ الأهمية الاستراتيجية بالنسبة إلى تركيا.

إن امتداد هجمات النظام الصهيوني ومحاولاته الاحتلالية إلى ما وراء حدود فلسطين، وتزايد الهشاشة السياسية والاجتماعية في لبنان، واحتمال أن يؤثر الصراع وعدم الاستقرار في هذا البلد مباشرة في العملية الانتقالية في سوريا، كلها عوامل وضعت بيروت عند تقاطع قضايا باتت أكثر ارتباطاً بأمن تركيا ومصالحها الاستراتيجية.

عبّر الرئيس رجب طيب أردوغان صراحة عن هذا التحول في حزيران/يونيو 2026، عندما قال إن أمن تركيا لا يبدأ عند حدودها الجنوبية أو في هاتاي، بل في حلب ودمشق وبيروت. كما رأى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا ولبنان بلغت مستوى يهدد تركيا.

ولا تكمن أهمية هذا التصريح في خطابه السياسي وحده، بل في إدراج لبنان ضمن فهم تركي أوسع للمجال الأمني في منطقة المشرق المحيطة بتركيا. وإذا أخذنا في الحسبان أن هذه هي المرة الأولى التي تقارب فيها تركيا أمن لبنان من منظور أمنها القومي، يتضح أن التطورات الإقليمية تفتح مرحلة جديدة، وأن مجمل المسار بات يُفسّر من خلال نموذج مختلف.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يبحث التحليل السياق الاستراتيجي لتسارع العلاقات التركية–اللبنانية ضمن استراتيجية أنقرة الجديدة تجاه المشرق. ومن منظور يرى أن المسار الجديد في سوريا وتصاعد التهديد الإسرائيلي جعلا التقارب بين البلدين ضرورة، تسعى الدراسة كذلك إلى استشراف تطور العلاقات الثنائية وتعميقها.

سوريا غيّرت القيمة الاستراتيجية للبنان

حال الميل التقليدي في السياسة الخارجية التركية إلى إقامة علاقات محدودة مع العالم غير الغربي، إلى جانب ضعف لبنان في السياسة الإقليمية وهشاشته السياسية، دون بناء علاقة هيكلية ومتجذرة بين أنقرة وبيروت.

كما مثّلت رؤية النظام السوري للبنان بوصفه جزءاً من مجاله السياسي والأمني عائقاً أمام محاولات أنقرة تأسيس نطاق نفوذ لها في لبنان.

وفي إطار المقاربة السياسية العالمية الجديدة التي تبنتها تركيا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، فتح التركيز على إقامة علاقات قوية واستراتيجية مع العالم العربي، ولا سيما منطقة المشرق، الباب أمام خطوات مهمة بين البلدين.

غير أن هذا المسار توقف بصورة حادة نتيجة الاحتجاجات المناهضة للنظام التي اندلعت في سوريا عام 2011 وتحولت إلى حرب أهلية.

وقد أدى عجز لبنان عن اتخاذ موقف مستقل عن دمشق بسبب الموقع المهيمن لحزب الله في السياسة اللبنانية، إلى جانب استحواذ الأزمة السورية على جانب كبير من جدول أعمال أنقرة، إلى منع العلاقات التركية–اللبنانية من تجاوز الأنشطة الدبلوماسية والتجارية المحدودة بين عامي 2011 و2024.

لكن المسار الذي بدأ بخروج بشار الأسد من البلاد وانهيار النظام غيّر بالكامل المعادلة التي أثرت سلباً في العلاقات التركية–اللبنانية. فقد نظرت إدارة دمشق بقيادة أحمد الشرع إلى تركيا باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأهم في عملية بناء الدولة.

ولم تقتصر آثار هذه الرؤية على تحويل سياق العلاقات بين دمشق وأنقرة، بل أعادت أيضاً تشكيل طبيعة الاستراتيجية التركية تجاه المشرق. وهكذا، توقفت سوريا عن كونها خطاً فاصلاً بين تركيا ولبنان، وتحولت إلى فاعل يقرب البلدين أحدهما من الآخر.

يساعد هذا التحول في تفسير الاهتمام المتزايد الذي توليه أنقرة لبيروت. فترسيخ النظام السياسي الجديد في سوريا لا يعتمد على الترتيبات الداخلية وحدها، بل يعتمد أيضاً على علاقات دمشق بجيرانها المباشرين.

ويُعد لبنان من أكثر أجزاء هذا الجوار تعقيداً بسبب الحدود الطويلة المشتركة، وشبكات التهريب، والحركة العابرة للحدود، واللاجئين، والتجارة، وتراكم القضايا الأمنية والقضائية بين البلدين.

وتحتاج بيروت، بدورها، إلى علاقة مستقرة مع دمشق لإدارة عدد كبير من هذه الملفات. ويخلق هذا الوضع مساحة موضوعية يمكن لتركيا أن تؤدي فيها دوراً.

ولا تنبع أهمية هذا الدور من الوساطة السياسية التقليدية بقدر ما تنبع من قدرة أنقرة على الوصول إلى العاصمتين وممارسة النفوذ في البيئة السورية الجديدة. ويعكس تصريح أردوغان خلال زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون، ومفاده أن تركيا مستعدة للإسهام في تطوير الحوار اللبناني–السوري، هذا البعد الناشئ في مقاربة أنقرة.

ولا تقتصر أهمية الصلة السورية على السياسة. فقد يفتح تثبيت الاستقرار على الطرق البرية عبر سوريا مجدداً فرصاً اقتصادية اختفت فعلياً خلال سنوات الحرب.

فعلى سبيل المثال، سيكتسب ميناء طرابلس قيمة استراتيجية أكبر إذا أُعيد ربطه بحمص والمناطق الداخلية السورية. وبالمثل، يمكن لشبكات الطرق والسكك الحديدية والطاقة أن تعيد وصل لبنان بمجال اقتصادي يمتد شمالاً نحو تركيا وشرقاً نحو العراق.

ولذلك، لا ينبغي قياس الأهمية الاقتصادية للبنان بالنسبة إلى تركيا بحجم السوق اللبنانية وحدها، فهي ما تزال سوقاً صغيرة نسبياً.

تكمن الأهمية الحقيقية في الدور الذي يستطيع لبنان أداءه في إعادة بناء شبكات النقل والتجارة في منطقة المشرق بعد الحرب. ويمثل ذلك تصوراً مختلفاً جذرياً عن العلاقات الاقتصادية التقليدية بين تركيا ولبنان، التي دارت إلى حد كبير حول الصادرات والمقاولات والمساعدات الإنمائية.

تعمق التنافس التركي–الإسرائيلي ولبنان

يتمثل العامل الثاني الذي يعزز الأهمية الاستراتيجية للبنان في تغير طبيعة العلاقات التركية–الإسرائيلية. فلم تعد المنافسة بين البلدين مقتصرة على غزة أو العلاقات الثنائية، بل باتت ترتبط بصورة متزايدة بمستقبل سوريا، وبالحدود التي يمكن أن يبلغها إظهار كل من تركيا وإسرائيل لقوتهما في منطقة المشرق عموماً.

ولم تعد استراتيجية تل أبيب التوسعية والهجومية، التي تسارعت بدوافع لاهوتية–سياسية عقب 7 تشرين الأول/أكتوبر، تشكل تهديداً لفلسطين وحدها.

فادعاءات إسرائيل المتعلقة بالسيادة على جنوب لبنان، ومساعيها إلى توسيع الأراضي التي تحتلها في سوريا، وهدفها المتمثل في زعزعة استقرار دمشق، تمثل تحدياً خطيراً لتركيا.

وفي مواجهة التهديد الأمني الذي تمثله إسرائيل، يبدو تبني موقف موحد يستند إلى رؤية شاملة لمنطقة المشرق المسار العملي الوحيد.

تهدف أنقرة إلى ترسيخ دولة سورية موحدة تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية فاعلة وقادرة على بسط سلطة الحكومة المركزية في أنحاء البلاد. وتنظر تركيا بصورة متزايدة إلى وحدة الأراضي السورية، وتماسك مؤسسات الدولة، واستقرار البلاد باعتبارها قضايا مرتبطة مباشرة بأمنها القومي.

في المقابل، سعت إسرائيل إلى الحفاظ على حريتها في العمل العسكري داخل سوريا، وأعربت عن قلقها من أن يؤدي ظهور قدرات عسكرية جديدة، ولا سيما الأسلحة المتقدمة ومنظومات الدفاع الجوي المرتبطة بتوسع الدور التركي، إلى تقييد عملياتها.

ولذلك أصبحت التقارير عن احتمال وصول تركيا إلى منشآت عسكرية سورية مصدراً للتوتر.

ظهر هذا التباين بوضوح خاص في آب/أغسطس 2026، عندما قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب وسط مخاوف إسرائيلية من احتمال وجود عسكري تركي فيها. غير أن أنقرة ودمشق نفتا وجود خطط لانتشار تركي دائم في المنشأة.

وفي هذه المعادلة الناشئة، يصعب فصل جنوب لبنان عن جنوب سوريا. ففي المنطقتين، تسهم العمليات العسكرية الإسرائيلية، ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي، وترتيبات الحدود، وسلاح حزب الله، ودور القوات المسلحة اللبنانية، في تشكيل البيئة الأمنية على امتداد الحدود الغربية والجنوبية الغربية لسوريا.

ويجعل هذا الوضع مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» أكثر أهمية في حسابات تركيا.

ففي تموز/يوليو 2026، أعلن أردوغان أن تركيا تريد المشاركة في المبادرات التي ستعقب انسحاب القوة الدولية الحالية، مع استمرارها في مساعدة القوات المسلحة اللبنانية على دعم الأمن وحماية سيادة لبنان.

لا يعني ذلك أن أنقرة تستطيع بالضرورة نشر قوات في جنوب لبنان. فمن المرجح أن يواجه أي وجود عسكري تركي في منطقة قريبة من الحدود الشمالية لإسرائيل اعتراضاً إسرائيلياً، ولا سيما في ضوء التنافس الناشئ بين البلدين في سوريا.

ولذلك، يتمثل الجانب الأهم من تصريح أردوغان في دلالته السياسية: ترسل تركيا إشارة إلى أنها لا ترى نفسها مراقباً خارجياً، بل طرفاً معنياً بالمناقشات المتعلقة بالبنية الأمنية التي قد تحل محل اليونيفيل.

إعادة توزيع النفوذ الإقليمي

يتعلق البعد الثالث بتحول ميزان القوى الإقليمي في لبنان عقب انهيار النظام السوري وإضعاف الصلة الجغرافية التي كانت تربط إيران بلبنان عبر العراق وسوريا.

لم يكن نفوذ إيران في لبنان محصوراً في علاقتها الثنائية بحزب الله، بل كان جزءاً من شبكة سياسية وعسكرية وجغرافية أوسع، هي ما يُسمى «محور المقاومة».

وقد أدى نظام الأسد في هذه الشبكة دور حلقة الوصل الأساسية على مستوى الدولة، إذ وفر لطهران عمقاً استراتيجياً وسهّل الممرات البرية والجوية التي تربط إيران، عبر العراق وسوريا، بحزب الله في لبنان.

ولا يعني ذلك أن تركيا ستملأ تلقائياً الفراغ الناتج. فقد بدأت السعودية الاضطلاع بدور سياسي أكثر وضوحاً في لبنان، وتحافظ قطر على حضور نشط، بينما ما تزال الولايات المتحدة وفرنسا تحتفظان بموقعين مؤثرين.

والأهم من ذلك أن أنقرة والرياض والدوحة تتبع الآن مقاربة أكثر تنسيقاً تجاه النظام السياسي الجديد في سوريا مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع السوري.

يخلق هذا الوضع فرصة لتركيا كي تنخرط في لبنان بطريقة مختلفة. فبدلاً من منافسة السعودية على النفوذ داخل المجال السياسي السنّي، أو محاولة الاستحواذ على بعض عناصر الموقع الإقليمي الإيراني المتراجع، تستطيع تركيا التحرك ضمن إطار توافقي أوسع يركز على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، ودعم القوات المسلحة، وتحقيق الاستقرار في سوريا، ومنع اندلاع حرب جديدة واسعة النطاق مع إسرائيل.

تمثل مسألة سلاح حزب الله الاختبار الأوضح لهذا الإطار الناشئ. ولا يبدو أن المقاربة التركية المطروحة للنقاش حالياً تؤيد خوض صراع داخلي مباشر مع حزب الله.

بل تهدف، على العكس، إلى إدراج قضية السلاح ضمن مسار أوسع يشمل الانسحاب الإسرائيلي وخفض التصعيد، بما يقود إلى إعادة احتكار الدولة للسلاح وللقرار العسكري.

وفي هذا السياق، سلطت الصحافة اللبنانية الضوء على اتصالات تركيا مع إيران وسوريا وحزب الله والدولة اللبنانية. وأشارت إلى أن هذه الاتصالات تشمل مناقشات بشأن ترتيبات تتعلق بمخزونات الصواريخ في سهل البقاع، ووقف الأنشطة العسكرية للحرس الثوري الإيراني في لبنان.

وبصرف النظر عن مستقبل هذه المبادرة، تكمن أهميتها في الدور الذي تحاول تركيا الاضطلاع به: فبدلاً من الانحياز إلى أحد المعسكرات السياسية المتنافسة في لبنان، تسعى إلى توظيف قنوات الاتصال التي تحتفظ بها مع دمشق وطهران وبيروت.

مجالات التقارب الاستراتيجي المشترك: الجيش والاقتصاد وشرق المتوسط

بعيداً عن هذه التطورات السياسية، تمثل القوات المسلحة اللبنانية أحد أكثر مجالات التعاون الثنائي رسوخاً. وتستند العلاقات العسكرية إلى الاتفاقية الإطارية الموقعة عام 2010، وإلى ما أعقبها من تعاون في مجالات التدريب والمنح والمساعدة الفنية.

وفي أيار/مايو 2026، زار قائد القوات المسلحة اللبنانية العماد رودولف هيكل تركيا، واجتمع بوزير الدفاع الوطني التركي ورئيس هيئة الأركان العامة.

وتركزت المناقشات على تعزيز التعاون العسكري الثنائي، ومواصلة دعم القوات المسلحة اللبنانية، والتوقعات المتعلقة بمرحلة ما بعد اليونيفيل.

ومع تطور مسؤوليات الجيش اللبناني، تزداد أهمية هذا المجال أيضاً. فإذا تقدمت عملية ترسيخ احتكار الدولة للسلاح، وتولى الجيش مسؤوليات أوسع في جنوب لبنان والمناطق الحدودية والمناطق التي كانت سابقاً تحت السيطرة العسكرية لحزب الله، فستزداد تبعاً لذلك احتياجاته إلى التدريب والمراقبة والاتصالات ووسائل الحركة والمعدات.

وتنسجم قدرات تركيا في هذه المجالات مع الاحتياجات المؤسسية المحددة للبنان. كما يختلف توسيع التعاون عبر القوات المسلحة، من الناحية السياسية، عن بناء علاقات مع قوى سياسية محلية.

فهو يضع الانخراط التركي ضمن إطار حكومي مشترك، ويحد من الحساسيات الطائفية التي تؤثر أحياناً في تصورات النشاط التركي في شمال لبنان.

تمتلك تركيا بالفعل موطئ قدم اقتصادياً واجتماعياً في لبنان. وتشمل مشاريع وكالة «تيكا» التعليم والصحة والزراعة والتراث الثقافي والتدريب المهني، مع حضور قوي بصورة خاصة في طرابلس وشمال لبنان.

كما تربط الصلات التجارية والبحرية الموانئ التركية بميناء طرابلس.

غير أن التحول الجاري في سوريا يغير طبيعة الفرص الاقتصادية. فلم تعد المسألة مقتصرة على قدرة تركيا على زيادة صادراتها إلى لبنان، بل أصبحت الإمكانية الأهم تتمثل في إحياء مجال اقتصادي فككته الحرب السورية فعلياً.

تقدم طرابلس المثال الأوضح. فميناؤها وقربها من الحدود السورية وعلاقاتها التاريخية بحمص تمكّن المدينة من أداء دور في التجارة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بإعادة إعمار سوريا.

وإذا تقدمت مشاريع إعادة تأهيل الطرق والسكك الحديدية، فقد تنشأ شبكة أوسع تربط الموانئ التركية بالساحل اللبناني بحراً، وتربط طرابلس وحمص بالمناطق الداخلية في سوريا والعراق براً.

وفي مثل هذا السيناريو، يمكن لشمال لبنان، بدلاً من بقائه سوقاً هامشية ومعزولة نسبياً، أن يصبح جزءاً من منطقة اقتصادية أوسع تمتد من جنوب تركيا عبر سوريا إلى لبنان.

لكن التقارب المتزايد بين تركيا ولبنان لا يلغي المجالات التي تتعارض فيها مصالحهما. وتمثل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص مثالاً واضحاً.

فعلى الرغم من إقرار أنقرة بأن المنطقة المعنية لا تتداخل مع الجرف القاري التركي، فقد اعترضت على الاتفاقية. وينبع هذا الاعتراض أساساً من موقفها بشأن حقوق القبارصة الأتراك في موارد الجزيرة، ومن الخلاف السياسي الأوسع المتعلق بشرق المتوسط.

ومن المنظور اللبناني، لا تستهدف علاقات بيروت بقبرص تركيا، بل تشكلها اعتبارات الطاقة والجغرافيا البحرية المباشرة للبنان وصلاته بأوروبا.

ولذلك، يوضح هذا الخلاف حدود قدرة أنقرة على تحويل علاقاتها السياسية الوثيقة مع بيروت إلى اصطفاف لبناني مع المواقف التركية في شرق المتوسط.

وتوجد كذلك قيود سياسية داخلية. فتركيا تمتلك حضوراً تاريخياً واجتماعياً مهماً في طرابلس وشمال لبنان، لكنها لا تمتلك داخل النظام السياسي اللبناني شبكة نفوذ مماثلة لتلك التي بنتها إيران أو السعودية خلال عقود.

كما أن تأطير الدور التركي أساساً من خلال علاقته بالمجتمع السنّي في لبنان سيضيّق هامش حركة أنقرة بدلاً من توسيعه، وسيثير حساسيات لدى اللبنانيين والعرب على حد سواء.

الخاتمة: أبرز الفرص المتاحة لتركيا في لبنان

استناداً إلى الاتصالات الرسمية بين البلدين خلال الأشهر القليلة الماضية، يبدو أن أنقرة وبيروت توصلتا إلى توافق بشأن إقامة تعاون استراتيجي، وأن خطوات تُتخذ لإظهار الإرادة السياسية اللازمة لتحقيقه.

وتُعد زيارة وليد جنبلاط، وهو شخصية بارزة في الحياة السياسية اللبنانية، إلى تركيا مباشرة بعد الثورة في سوريا تطوراً مهماً. وتعكس هذه الزيارة النظرة الإيجابية التي يحملها الجمهور اللبناني تجاه أنقرة.

ومن المرجح أن تسهم التوقعات بأن تقدم تركيا على تحركات استراتيجية تجاه لبنان، وسط تزايد الهشاشة الإقليمية، في تعزيز العلاقات الثنائية.

وبالمثل، فإن التعاقب السريع لزيارتي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام والرئيس جوزاف عون، إلى جانب لقاء أردوغان بسلام في نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يشير إلى وجود مشاورات مكثفة بشأن قضايا ستمنح العلاقات زخماً إضافياً.

تتضح أهمية لبنان بالنسبة إلى تركيا حتى من دون افتراض أن البلاد أصبحت «منطقة نفوذ» تركية جديدة. فالأهمية اللبنانية تنبع أساساً من موقع البلاد في قلب التحولات بعيدة المدى التي يشهدها المشرق بعد انهيار نظام الأسد.

ومع ظهور ديناميات جديدة في المنطقة، تبرز أمام تركيا فرص مهمة في لبنان.

تتعلق الفرصة الأولى بسوريا؛ إذ تمنح علاقات تركيا المتزامنة مع بيروت ودمشق أنقرة دوراً محتملاً في إعادة هيكلة العلاقات الثنائية بين الدولتين، ولا سيما في ملفات الحدود والنقل والأمن والتجارة.

وتتعلق الفرصة الثانية بالأمن؛ فمستقبل جنوب لبنان واليونيفيل واحتكار الدولة للسلاح سيشكل جانباً من البيئة الأمنية المحيطة بسوريا، وسيؤثر بالتالي بصورة غير مباشرة في حسابات تركيا تجاه إسرائيل وشرق المتوسط.

أما الفرصة الثالثة فهي مؤسسية؛ إذ توفر العلاقات مع الدولة اللبنانية وقواتها المسلحة مساراً لتحويل انخراط تركيا في هذا المجال من سلسلة من المشاريع التنموية والروابط الاجتماعية إلى علاقة أكثر تنظيماً بين مؤسسات الدولتين.

والفرصة الرابعة اقتصادية، لكن الجغرافيا فيها أكثر أهمية من السوق اللبنانية نفسها. فطرابلس وحمص والموانئ والسكك الحديدية وإعادة إعمار سوريا وشبكات النقل والطاقة الإقليمية يمكن أن تمنح العلاقات الاقتصادية التركية–اللبنانية وظيفة إقليمية أوسع.

مع ذلك، تواجه قدرة تركيا على الاستفادة من هذه الفرص قيداً واضحاً. فلبنان ليس امتداداً للساحة السورية، ولا تستطيع أنقرة استنساخ نموذج النفوذ الذي طورته في سوريا.

وفي ظل وجود السعودية وقطر والولايات المتحدة وفرنسا وإيران، إلى جانب حساسية إسرائيل تجاه أي وجود أمني تركي في جنوب لبنان، ليس واقعياً أن تنشئ تركيا مجال نفوذ حصرياً.

لكن هذه القيود نفسها تساعد أيضاً في تحديد طبيعة الفرصة. فلا تحتاج تركيا، كي تكتسب ثقلاً استراتيجياً في لبنان، إلى أن تصبح القوة الخارجية المهيمنة فيه.

ما تحتاج إليه أنقرة هو أن تصبح فاعلاً رئيسياً في القضايا التي تربط لبنان بالتحولات الإقليمية: العلاقات مع سوريا، ومستقبل جنوب لبنان، وتطوير القوات المسلحة اللبنانية، والممرات الاقتصادية، والبنية الناشئة في شرق المتوسط.

وبهذا المعنى، لا يمثل لبنان ساحة جديدة للسياسة الإقليمية التركية، بقدر ما يمثل العقدة الغربية للمشرق، التي تحولت بنيتها الجيوسياسية جذرياً بعد سقوط نظام الأسد.

وكلما عززت أنقرة موقعها في سوريا، ازداد ارتباط التطورات الواقعة وراء الحدود الغربية لسوريا، من طرابلس وبيروت إلى جنوب لبنان، بمصالح تركيا.

ويتجاوز هذا الواقع الجيوسياسي المتغير العلاقات الثنائية التقليدية، ويشرح لماذا بدأ لبنان يحتل موقعاً مختلفاً في الحسابات الاستراتيجية التركية.

نبذة عن الكاتبين

صهيب جوهر

باحث ومحلل سياسي لبناني، يعمل باحثاً أول في مركز «تراينغل» للدراسات، وباحثاً مقيماً في معهد السياسة والمجتمع. يركز عمله على الشؤون الإقليمية في الشرق الأوسط، ويتمتع بخبرة خاصة في العلاقات اللبنانية–السورية، والأمن الإقليمي، والتطورات الجيوسياسية في المشرق.

ظهرت أبحاثه وتحليلاته ضمن مساهمات في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، ومجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، والجزيرة، إلى جانب منصات إقليمية ودولية أخرى.

وبالتوازي مع عمله الأكاديمي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس الوزراء اللبناني، ويركز على الاتصالات الاستراتيجية والسياسة الإقليمية.

محمد حسين مرجان

أستاذ مشارك في قسم العلاقات الدولية بجامعة أنقرة يلدريم بيازيد في تركيا. حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة إسطنبول عام 2017.

تشمل اهتماماته سياسات الشرق الأوسط والسياسة الخارجية التركية والحركات الإسلامية. وهو مؤلف كتاب «سوريا: النظام والسياسة الخارجية» الصادر عام 2012 باللغة التركية، وكتاب «صعود الإخوان المسلمين وسقوطهم: إشكالية المأسسة السياسية للحركات الإسلامية» الصادر عام 2019 باللغة التركية.

كما حرر كتاب «تحول العالم الإسلامي في القرن الحادي والعشرين» عام 2016، وكتاب «الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط» بالاشتراك مع طه أغري عام 2022، وكتاب «إعادة النظر في الانتفاضات العربية» بالاشتراك مع مسعود أوزجان عام 2023.

الهوامش والمراجع

  1. الوكالة التركية للتعاون والتنسيق «تيكا»، «إنتاج غذائي مستدام بدعم من تيكا في منطقة الشوف اللبنانية»، 10 شباط/فبراير 2026.
  2. TRT World، «الهجمات الإسرائيلية في سوريا ولبنان تهدد تركيا، بحسب الرئيس أردوغان»، 10 حزيران/يونيو 2026.
  3. ظافر بارلاك، «مقاربة تركيا الجديدة للسياسة الخارجية: سياسة صفر مشكلات أم جميع المشكلات مع الجيران؟»، معهد الشرق الأوسط، 29 شباط/فبراير 2012.
  4. المجلس الأطلسي، «الرئيس أحمد الشرع حول مستقبل سوريا وإعادة الإعمار والدور الإقليمي»، 22 أيلول/سبتمبر 2026.
  5. وكالة الأناضول، «الرئيس التركي يستقبل نظيره اللبناني في أنقرة»، 30 تموز/يوليو 2026.
  6. ريناد منصور، «مسارات جديدة للطاقة والتجارة قد تتجاوز هرمز وتغيّر الشرق الأوسط، لكن تحديات كبرى ما تزال قائمة»، تشاتام هاوس. يورد التقرير الأصلي تاريخ 17 آذار/مارس 2026.
  7. رئاسة الجمهورية التركية، دائرة الاتصال، «بيان مجلس الأمن القومي المؤرخ في 30 أيلول/سبتمبر 2026».
  8. باراك رافيد، «وزير الخارجية السوري لأكسيوس: قصف القاعدة الجوية من جانب إسرائيل لم يكن مبرراً»، أكسيوس، 19 آب/أغسطس 2026.
  9. وكالة الأناضول، «تركيا تراقب من كثب الجهود الرامية إلى إنهاء الهجمات والاحتلال الإسرائيليين، بحسب الرئيس أردوغان»، 30 تموز/يوليو 2026.
  10. بول سالم، «الفرصة المشرقية في شرق أوسط مضطرب»، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، 21 أيلول/سبتمبر 2026.
  11. جانين جلخ، «مع تنامي النفوذ الأميركي في لبنان، ما الدور الذي ستؤديه السعودية؟»، لوريان توداي، 1 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
  12. لارا منيف، «أنقرة تطمئن بيروت: الشرع لن يدخل لبنان»، أساس ميديا، 19 حزيران/يونيو 2026.
  13. منير الربيع، «تركيا تبادر في لبنان بعد سوريا وزيارة قريبة: السلاح والانسحاب»، المدن، 17 آب/أغسطس 2026.
  14. وكالة ديمير أوران للأنباء، «وزير الدفاع الوطني يشار غولر يلتقي قائد القوات المسلحة اللبنانية الفريق رودولف هيكل»، 5 أيار/مايو 2026.
  15. LBC International، «لبنان وسوريا يبحثان ربط الموانئ والسكك الحديدية لتعزيز التكامل الاقتصادي»، 25 آب/أغسطس 2026.
  16. رويترز، «تركيا تقول إن الاتفاق البحري اللبناني–القبرصي ينتهك حقوق القبارصة الأتراك وغير مقبول»، 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
  17. وكالة الأناضول، «الرئيس التركي أردوغان يستقبل الزعيم الدرزي اللبناني»، 24 كانون الأول/ديسمبر 2024.

المصدر الأصلي:
تقرير صهيب جوهر ومحمد حسين مرجان في مؤسسة سيتا

مقال تحليلي مترجم؛ الآراء والاستنتاجات وتقديرات المصادر الواردة فيه تعود إلى الكاتبين، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف المركز. الإشارات الزمنية في النص مرتبطة بتاريخ نشر التقرير الأصلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى