
العراق وتركيا: علاقة الفرص المؤجلة
جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تركيا على خلفية تفاقم أزمة المياه في العراق واستكمالاً للمباحثات حول العديد من الملفات الأخرى المؤجلة، والتي ترتبط بشكل مباشر بمحددات العلاقة بين البلدين وهما الأمن والاقتصاد، وهو ما بدا واضحاً من خلال تصريحات كلا الجانبين حول أهمية الزيارة وأجندتها التي تم خلالها التأكيد على تعزيز التعاون على مكافحة الإرهاب وملف الاطلاقات المائية وتوسيع نطاق العلاقات الاقتصادية وما يتعلق بها من بنى تحتية تركز على الفائدة العائدة على كلا البلدين.
يحاول السوداني استباق أزمة الاطلاقات المائية التي عادت مؤشراتها مع تزايد مؤشرات الجفاف التي ترافق فصل الصيف، من خلال مناقشة ملف الموارد المائية كأولوية مُلحة مع الجانب التركي، الا أن ذلك يرتبط بالنتيجة بطبيعة العلاقة مع الجانب التركي بشكل أوسع، فتركيا هي الأخرى تفكر في ضمان مصالحها في العراق وتعزيز مكتسباتها وحماية أمنها واقتصادها المرتكز على حقيقة أن السوق العراقية هي سوق استهلاكي رئيسي للمنتجات التركية، وأن الصادرات النفطية العراقية واستمرار تدفقها وإمكانية زيادتها وتصديرها للأسواق الاوربية هي جزء من ما تطمح اليه أنقرة بتحويل موقعها الجيوسياسي الى بوابة للطاقة والتجارة للاقتصاد الأوروبي.
تتلخص أهمية العراق في المدرك الاستراتيجي التركي في مفردتي الأمن القومي والأمن الاقتصادي، بخلاف طبيعة المشاريع الإقليمية الأخرى ذات البعد الايدلوجي، وتبعاً لهذا الادراك حددت أنقرة عناصر استراتيجيتها تجاه العراق بما يضمن مصالحها ويساهم في تحقيق مكتسباتها عبر سياسة براغماتية وهو ما منحها قدرة على المناورة عبر مسارات متعددة وفي أوقات مختلفة، بالرغم من ادراكها بأن ذلك لا يعني بالضرورة قدرتها المستمرة على حماية العلاقة بين البلدين من التأثيرات الخارجية مع ادراكها لحجم الاختلال الذي نتج عن تغيير مكانة العراق في المساحة الإقليمية بعد 2003.
كانت العلاقة بين البلدين في دائرة التأثر المباشر بسبب التداعيات والتحولات الكبيرة التي مرت على المنطقة في العقدين المضيين، فقد كان كل من العراق وتركيا على تماس مباشر مع التغيرات التي نتجت عن ثورات الربيع العربي، والتهديدات الأمنية الناتجة عن الإرهاب، التصعيد الإيراني- الإسرائيلي- الأمريكي، وطبيعة الوجود العسكري للقوى العظمى، والتحولات السياسية في الخليج العربي والدول المشاطئة للبحر المتوسط، فضلاً عن التحولات والتفاعلات الداخلية لكلا البلدين، نجح فيها البلدين أحياناً في إبعاد علاقتيهما عن دائرة الصراع وتقاطع المصالح، وفشلوا في مرات عديدة ولأسباب مختلفة، مما أضاع على البلدين الكثير من الفرص التي تصب في مصلحة البلدين.
حاول العراق – رغم تحولاته- في مرات قليلة الخروج من دائرة التأثير الخارجي واعتماد مصلحته الوطنية كموجه في السياسة الخارجية، وفي ظل ذلك كانت له محاولات مترددة في تعزيز تلك المصالح عبر التعاون مع الجانب التركي، والذي كان هو الآخر يفكر في مصالحه في العراق كجزء مهم من مجاله الحيوي، وبالتالي وجدت تركيا نفسها مجبرة على الاستجابة مع التعقيدات في العلاقة مع العراق بحكم الموقع الجيوسياسي وفي ظل ضعف الدولة العراقية وهو ما انعكس على الجهتين بحكم اعتماد السياسة الخارجية التركية على القنوات الرسمية بشكل أساسي في ضمان مصالحها وتحصيل مكتسباتها في الوقت الذي تعاني فيه تلك القنوات في الجهة المقابلة (العراق)، وهو ما دفع العلاقة لأخذ مستويات متذبذبة تبعاً للمناخ السياسي في المنطقة.
يشهد البلدان حالة من الاستقرار النسبي ـ لاسيما العراق- وهو ما انعكس بشكل إيجابي على طبيعة العلاقة والتي استطاعت إيجاد مساحة بنّاءة للحوار، طُرحت من خلالها العديد من الملفات الملحة التي ترتبط بأمن ومصلحة العراق وتركيا، وأبرز تلك الملفات هو استمرار مكافحة الإرهاب، سواء ما هو متفق عليه مثل تنظيم داعش أو ما تعتبره تركيا إرهاباً وتهديداً لأمنها القومي وتطالب العراق بشكل مستمر باتخاذ مواقف حازمة تجاهه، وهو حزب العمال الكردستاني pkk الذي تعتبره تركيا تهديداً كبيراً لأمنها القومي والذي يتمركز في شمال العراق، ويستلم دعمه من الخارج عبر أجهزة محسوبة على الدولة العراقية.
على الصعيد الاقتصادي يركز البلدان على مسارين رئيسيين وهما زيادة قيمة التبادل التجاري من خلال رغبة العراق في تعويض نقص الإنتاج وإيجاد البدائل في السوق العراقي، وتطوير البنى التحتية للمشاريع الاستراتيجية للاقتصاد عبر رغبة متبادلة في انشاء مشروع “القناة الجافة” أو “طريق التنمية” الذي يربط ميناء الفاو في البصرة بالأسواق الأوروبية عبر سكة حديد تمر بتركيا وانشاء طريق تجاري مهم سيحوّل خارطة التجارة في المنطقة والعالم، والذي وصفه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال المؤتمر المشترك مع السوداني قائلاً: “سنتمكن من تحويل مشروع طريق التنمية إلى طريق الحرير الجديد لمنطقتنا”، ورغبة العراق بالاستفادة من الخبرات التركية في مجال البنى التحتية وشبكات المواصلات لتطوير سكك الحديد والنقل، بالإضافة الى طموح تركيا لتطوير خط جيهان-كركوك واستثمار رغبة العراق بتنويع مسارات تصدير النفط وإبعادها عن خطوط الصراع في المنطقة وتقليل اعتماد العراق على منطقة مضيق هرمز.
يبقى التحدي الأكبر أمام الجانبين في هذه الزيارة وخصوصاً السوداني هو تحويل هذه الاتفاقيات الى واقع على الأرض وإخضاع الفواعل الداخلية على دعم المشاريع التي تصب في مصلحة استقرار العراق وتطوير اقتصاده بعيداً عن التجاذبات السياسية وتأثيرات القوى الإقليمية والدولية لاستكمال انجاز هذه الملفات ودعم موقفه أمام الدول الأخرى لاسيما التي استطاع العراق توفير مساحات حوار ايجابية معها بتراكم الجهود الدبلوماسية المتراكمة، وتقديم دلائل عملية واضحة على جدية العراق في انجاز تلك المشاريع، في مقابل تقديم مصلحة العراق أمام تلك الدول وتحصيل ضمانات بحقوقه في الحفاظ على أمنه القومي والاقتصادي وموارده المائية عبر بوابة المصلحة المتبادلة.



