ترجماتغير مصنف

إيران والنظام الأمني الناشئ في الشرق الأوسط

ترى طهران أن الحرب فككت بنية الاحتواء الأميركية، وأن السيطرة على مضيق هرمز وتراجع القواعد العسكرية الأميركية يفتحان أمامها مجالاً أوسع للتأثير في نظام إقليمي متعدد الأقطاب

بقلم: فالي نصر
المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).
تاريخ النشر الأصلي: 14 أيلول/سبتمبر 2026.
ضمن: مشروع «مستقبل الشرق الأوسط» التابع لبرنامج الشرق الأوسط.
ترجمة: مركز العراق للدراسات الاستشرافية.

تأتي هذه المادة ضمن سلسلة تعليقات يصدرها «مشروع مستقبل الشرق الأوسط» التابع لبرنامج الشرق الأوسط، بهدف تحليل مرحلة اختلال التوازن الراهنة في المنطقة، واستكشاف السيناريوهات المستقبلية، وتحديد المسارات الممكنة للمضي قدماً.

«القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يولد؛ وفي مرحلة الانتقال هذه تظهر طائفة واسعة من الأعراض المرضية».
— أنطونيو غرامشي، فيلسوف إيطالي، 1930

دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب مع إيران في فبراير/شباط 2026 بهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط. غير أن إيران هي التي تبدو، بعد المراحل الأولى من الحرب، أكثر استعداداً لممارسة نفوذ أكبر في المنطقة، فيما قد يكون تأثير الولايات المتحدة في مستقبلها آخذاً في التراجع.

كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تتوقعان أن يؤدي هجومهما إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، أو—في الحد الأدنى—إضعاف قدراتها النووية والعسكرية بدرجة كبيرة. وبذلك، لن تعود إيران قادرة على تهديد إسرائيل والولايات المتحدة. ومع تحييد إيران، كان بوسع الحليفين صياغة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط: تطبّع إسرائيل والسعودية علاقاتهما، ويتشكل على هذا الأساس إطار لتسوية مصير الفلسطينيين ومستقبل لبنان وسوريا. وبعد ذلك، تستطيع إسرائيل، بدعم أميركي، الاضطلاع بدور الركيزة الأمنية للمنطقة، ويمتد نفوذها السياسي والاقتصادي فيها من دون عوائق.

لكن الحرب كشفت، بدلاً من ذلك، حدود القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية. فقد كانت إيران تتوقع اندلاع الحرب واستعدت لها، ووضعت استراتيجية أعاقت خصميها الأكثر تقدماً والمسلحين نووياً عن تحقيق أهدافهما. وبدلاً من أن تفقد أنيابها، بدت إيران أقوى، بل ومنتصرة. فقد اجتازت حتى الآن أسوأ مراحل الحرب وحققت مكاسب استراتيجية مهمة.

تمثل المكسب الأول في أن إيران، عبر تدمير جانب كبير من البنية التحتية العسكرية الأميركية في أنحاء الخليج، فككت عملياً الهيكل الأمني الذي بسطته الولايات المتحدة على المنطقة طوال عقود. وقد أثار الدمار الذي لحق بعدد من القواعد الأميركية شكوكاً في قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الخليج، بل وحتى في استعدادها لإعادة بناء ما دُمّر.

أما المكسب الثاني، فكان فرض إيران سيطرتها على مضيق هرمز. ففي المرحلة الأولى من الحرب، أغلقت إيران المضيق بوصف ذلك تكتيكاً عسكرياً لثني الولايات المتحدة عن تصعيد حملة القصف. وسرعان ما اكتشفت أن السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي مفيدة أيضاً خارج نطاق الحرب؛ إذ لم تعد وسيلة لردع عدوان أميركي مستقبلي فحسب، بل أداة قد تجبر الولايات المتحدة على التخلي عن الحرب، بل وحتى التفاوض بشأن رفع العقوبات عن إيران، وهو تنازل أخفق برنامجها النووي حتى ذلك الحين في انتزاعه.

لم تستطع الولايات المتحدة انتزاع السيطرة على المضيق، ولا قصفه، ولا فرض عقوبات عليه. وباختصار، لم تعد قادرة على احتواء إيران بالطريقة السابقة، واضطرت إلى القبول بدور أكبر لها في المنطقة وفي الاقتصاد العالمي. ومن المنظور الإيراني، يعني ذلك أن الهيكل الأمني الإقليمي القائم منذ عقود—والذي يعود إلى عهدي جيمي كارتر ورونالد ريغان واستند إلى احتواء إيران—قد انتهى ولن يعود.

تفكك الهيكل الأمني الأميركي

تمثل رد إيران الفوري على الهجوم الأميركي والإسرائيلي في استهداف القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في أنحاء الخليج العربي. فقد تغلبت الصواريخ الإيرانية وطائرات «شاهد» المسيّرة على منظومات الاعتراض الأميركية والعربية، وألحقت أضراراً جسيمة بأكثر من اثنتي عشرة قاعدة عسكرية أميركية. وسرعان ما وسّعت إيران هجماتها لتشمل قواعد عسكرية تابعة لدول عربية تستضيف أصولاً عسكرية أميركية أو تشارك في العمليات الأميركية. ثم امتدت الضربات إلى منشآت الطاقة في أنحاء الخليج العربي. وكان أبرزها الهجوم على منشأة رأس لفان للغاز، رداً على هجوم إسرائيلي استهدف حقل بارس الإيراني، ثم مهاجمة منشآت نفطية في ميناء الفجيرة بالإمارات، فضلاً عن ناقلات تحمل نفطاً وغازاً طبيعياً مملوكين لدول الخليج.

أثارت الهجمات الإيرانية غضب جيران إيران العرب، لكن الخوف والغضب العربيين لم يكونا، في نظر حكام طهران، مبعث قلق على المدى القصير، ولم يكونا كافيين لردعها عن مهاجمة جيرانها. فدول الخليج لا تستطيع توجيه تهديد ذي صدقية بالرد على إيران، كما أنها لا تستطيع إضافة قوة كبيرة إلى القوة النارية الأميركية والإسرائيلية مجتمعتين. وإذا دخلت القتال، فإنها تخاطر بالتعرض لهجمات إيرانية أوسع لا تملك الاستعداد لتحملها.

مع ذلك، لم تكن إيران تسعى إلى حرب مع جيرانها في الخليج. وقد استهدفت، من خلال مهاجمة أراضيهم، تحقيق غايتين استراتيجيتين. تمثلت الأولى في تدمير القواعد والأصول العسكرية الأميركية المتمركزة في الخليج، لما لها من أهمية حيوية في قدرة الولايات المتحدة على خوض الحرب. ودمرت الهجمات الإيرانية طائرات وأنظمة رادار، فضلاً عن مدارج ومنشآت بحرية. وأثبت ذلك فاعليته؛ إذ أدى تدمير مقر الأسطول الخامس في البحرين، على سبيل المثال، إلى فرض ضغوط كبيرة على الأسطول الأميركي الذي كُلّف، بحلول الشهر الثالث من الحرب، بفرض حصار بحري على إيران. واضطرت البحرية الأميركية إلى الاعتماد على وسائل لوجستية أشق بكثير من المعتاد لتأمين الدعم لسفنها الحربية. وبالمثل، أدى فقدان أنظمة رادار حيوية إلى تقليص نطاق المعلومات الاستخبارية الميدانية التي كانت توجه طلعات القصف الأميركية والإسرائيلية فوق إيران.

بحلول الشهر الخامس من الحرب، كانت إيران قد نجحت عملياً في «نزع قواعد» الجيش الأميركي من الخليج. فقد دفع حجم الدمار الذي لحق بالقواعد، إلى جانب استمرار تهديد المسيّرات والصواريخ الإيرانية مع تراجع مخزون صواريخ الاعتراض الأميركية، الولايات المتحدة إلى نقل أصولها وعملياتها إلى قواعد في إسرائيل والأردن وسوريا. كما شجعت دول الخليج هذا الانتقال لتقليل حجم الهجمات على أراضيها، ولا سيما بعد الهجمات الإيرانية المتواصلة على الكويت طوال شهر يوليو/تموز.

لم يكن ذلك، بالنسبة إلى طهران، مجرد مكسب استراتيجي في زمن الحرب، بل خطوة مهمة نحو تحقيق هدفها القديم المتمثل في إجبار الجيش الأميركي على مغادرة منطقة الخليج. وفي جوهر الأمر، زرع أول شهرين من الحرب الشك لدى الجيش الأميركي والدول المضيفة معاً بشأن جدوى القواعد الأميركية وقيمتها مستقبلاً. فالولايات المتحدة لم تستطع الدفاع عن قواعد تقع على هذا القدر من القرب من إيران، ولذلك قد لا ترى جدوى في إعادة بنائها. كما بدأت دول الخليج تنظر إلى تلك القواعد باعتبارها عبئاً لا حماية، لأنها فتحت الخليج أمام الحرب والفوضى الاقتصادية وتدمير البنى التحتية الحيوية. وعززت إيران هذه الرسالة في خطابها، مؤكدة أن السلام المستقبلي بينها وبين جيرانها لن يكون ممكناً إلا إذا لم تعد القواعد الأميركية إلى الخليج.

لا يزال مستقبل الوجود العسكري الأميركي في الخليج غير واضح. لكن إيران حققت مكسباً استراتيجياً مهماً بتقليص نطاقه وزرع الشك لدى دول الخليج العربية في قيمته. وسوف تتباين ردود فعل دول الخليج إزاء هذا الواقع، فيما تخدم انقساماتها الداخلية أيضاً أهداف إيران.

تحوّل الترابط الخليجي إلى مصدر هشاشة

تمثل الهدف الاستراتيجي الثاني لإيران من مهاجمة دول الخليج في ممارسة الضغط على الاقتصاد العالمي. وازدادت حدة هذا الهدف بعدما استهدفت إيران بنى تحتية مدنية في أنحاء الخليج وأغلقت مضيق هرمز. ففي حين رأت الولايات المتحدة وإسرائيل أن المجال الجوي الإيراني هو ساحة المعركة الرئيسة، اختارت إيران الخليج العربي. وكان الهدف الأولي إعاقة الهجمات عليها، لكن استهداف الخليج حوّل الاقتصاد العالمي إلى هدف. ولم تتمكن الولايات المتحدة من منع إيران من التأثير في أسواق الطاقة العالمية وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية التي تعتمد على التجارة مع الخليج. فقد قفزت أسعار النفط والغاز الطبيعي، وكذلك الديزل ووقود الطائرات. وانعكس ذلك على أسعار الوقود في الغرب، وتسبب في نقصه في مناطق كثيرة من العالم، ما أدى إلى ارتفاعات في التضخم والبطالة.

إضافة إلى ذلك، أدت الاضطرابات في إمدادات السلع المصنعة والمنتجات البتروكيماوية—ومن بينها الهيليوم واليوريا والألمنيوم وزيوت الطهي—فضلاً عن انقطاع الوصول إلى موانئ دبي العملاقة، إلى تعطيل النشاط الصناعي في مناطق واسعة من آسيا وإثارة مخاوف بشأن الأمن الغذائي في أفريقيا. وعلى مدى عقود، اكتسب الخليج العربي أهمية حيوية لا لإمدادات الطاقة العالمية فحسب، بل لقطاعات عديدة من الاقتصاد العالمي أيضاً، بوصفه مركزاً مهماً للتجارة الدولية. ولطالما قدمت دول الخليج ترابطها العالمي على أنه إنجاز بارز ودليل على الإمكانات التي تنطوي عليها نماذجها للتنمية الاقتصادية. لكن الحرب حوّلت منطقة الخليج إلى مصدر هشاشة للاقتصاد العالمي.

كانت الولايات المتحدة شديدة الحساسية تجاه التداعيات الاقتصادية للاستراتيجية الإيرانية. فقد أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة التضخم داخل الولايات المتحدة، بالتزامن مع شبح ركود اقتصادي عالمي. وأشار الرئيس ترامب إلى مخاوفه حيال الاقتصاد العالمي عندما وافق في يونيو/حزيران 2026 على توقيع مذكرة تفاهم مع إيران.

ومنذ ذلك الحين، تمثل الهدف الأميركي في انتزاع السيطرة على المضيق من إيران وإعادة حركة التجارة في الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب. لكن إيران مصممة على منع ذلك، وتعد سيطرتها الراسخة على مضيق هرمز أمراً لا رجعة فيه. ولم تكتف طهران بالتحرك نحو اعتبار المضيق أرضاً إيرانية ذات سيادة تمارس عليها سيطرة غير قابلة للمنازعة، بل ترى أيضاً أن جغرافيتها—بساحلها الطويل المطل على بحر العرب والخليج—تجعل أي محاولة من الولايات المتحدة أو جيرانها لحرمانها من السيطرة على المضيق غير قابلة للاستمرار.

تمكنت السعودية والإمارات من تصدير النفط خلال الأزمة باستخدام محطات على بحر العرب والبحر الأحمر، سبق أن كانت هدفاً لقوات الحوثيين المتحالفة مع إيران. ويمكن توسيع هذه المنشآت مستقبلاً، كما يمكنها تسهيل صادرات الطاقة من قطر والكويت والعراق. غير أن استكمال تلك المشروعات سيحتاج إلى وقت، وتعتقد طهران أن المسارات البديلة لن تعوّض بالكامل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ولا سيما التجارة التي تتجاوز النفط والغاز. وإضافة إلى ذلك، ومع تصاعد الصراع بين الحوثيين والسعودية، تظل هذه المسارات عرضة لمسيّرات وصواريخ وكلاء إيران، فضلاً عن إيران نفسها. وعملياً، ترى طهران أن قوتها لا تقتصر على السيطرة على مضيق هرمز، بل تمتد إلى القدرة على الضغط على نقاط اختناق أخرى.

تعتقد إيران أن على العالم أن يتكيف مع الواقع الجديد. ومن وجهة نظرها، ستكرس السيطرة على المضيق النتائج التي فرضتها الحرب: لقد انهار احتواء إيران، ودُمّرت قواعد أميركية في أنحاء المنطقة، وبات النموذج القديم القائم على تطويقها عسكرياً مرشحاً لأن يصبح من الماضي. ولم يعد بوسع جيرانها العرب التعويل على التحالف القديم مع الولايات المتحدة بوصفه حلاً لتحدياتهم الأمنية. وسوف تنقسم مواقفهم ويسعون إلى حلول متنوعة لاحتياجاتهم الأمنية، ما قد يفضي، في أفضل الأحوال، إلى تعددية قطبية في المنطقة، وفي أسوأها إلى تنافس فوضوي بين تحالفات متداخلة. وفي هذه البيئة، ستتمتع إيران بهامش مناورة أوسع بكثير، وستوازن بين التقارب مع بعض هذه التحالفات ومواجهة تحالفات أخرى تعارضها.

نشوء معضلة أمنية عربية مزدوجة

تمثل إسرائيل مصدر القلق الأكبر لإيران، وستظل المنافسة بينهما محتدمة. وستسعى إيران إلى إعادة بناء موقعها في لبنان واستخدام موطئ قدمها في اليمن للضغط على إسرائيل، فيما ستعمل إسرائيل، من جانبها، على تقويض الجمهورية الإسلامية في الداخل وفي المنطقة. ومع ذلك، تعتقد إيران أن الحرب أضعفت إسرائيل؛ إذ اصطدم الاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة على تحقيق جميع الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية وتكريس هيمنتها الإقليمية بعقبة عصية على التجاوز في حربين مع إيران. وقد ألحقت النتيجة الكارثية للحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران ضرراً بالغاً بالتوافق الاستراتيجي بين الحليفين، وربما فتحت صدعاً بينهما بشأن مستقبل الشرق الأوسط.

وتعتقد إيران أن قبضتها على مضيق هرمز ستقلص شهية الولايات المتحدة لخوض حرب أخرى معها، الأمر الذي سيحد بدوره من الخيارات العسكرية الإسرائيلية. فمنذ عام 2023، ارتكزت استراتيجية إسرائيل إلى الانتصار العسكري؛ ومن دون الحرب ستظل هذه الاستراتيجية مقيدة.

لم تكسب إسرائيل حلفاء جدداً في المنطقة منذ الحرب. وتعتقد إيران أن اتفاقات أبراهام لن تتوسع على الأرجح، بل قد تتعرض للضغط. كما سيواجه المحور الإسرائيلي–الإماراتي–الهندي تحدياً من «تحالف مكة» الذي تشكل بين باكستان والسعودية وتركيا، إلى جانب تحالفات أخرى يرجح ظهورها. ويرى العرب أن التهديد الإيراني يتصاعد، لكنهم باتوا يرون إسرائيل أيضاً بوصفها تهديداً. ولذلك، أصبحت المعضلة الأمنية العربية مطالبة بالتعامل مع الطرفين، وهو ما يصب في مصلحة إيران، التي تعتقد أن النظام الأمني المستقبلي في المنطقة لن يُبنى حول احتوائها وحدها.

نهاية التفوق الأميركي تفتح الباب أمام شرق أوسط متعدد الأقطاب

تتوقع إيران أن تضطلع الصين بدور أكبر في الشرق الأوسط ضمن الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة. ويرجح أن يتزايد حضورها الاقتصادي، وكذلك دورها الدبلوماسي في التوسط لإحلال السلام بين التحالفات المتنافسة. وقد يصبح للصين أيضاً حضور عسكري أكبر في الخليج. فهي ترتبط بعلاقات عسكرية وثيقة مع باكستان، وسبق أن أجرت مناورات بحرية مع إيران. وقد تنشئ البحرية الصينية قواعد في ميناء غوادر الباكستاني والمنشآت البحرية في تشابهار الإيرانية، ويمكنها توفير أمن بحري مقبول لجميع دول الخليج. كما تحظى المكانة الأمنية المتنامية المتوقعة لباكستان—التي تعقد اتفاقات دفاعية مع السعودية، وربما الكويت—بدعم صيني. وسوف تضطر الولايات المتحدة، لا محالة، إلى منافسة الصين بدرجة أكبر، وهو تنافس سيغير طبيعة سياستها في الشرق الأوسط.

وسيتعين على أوروبا أيضاً تبني موقف جديد. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، اتبعت سياستها في الشرق الأوسط قيادة واشنطن، وتعتقد طهران أن ذلك ينطبق بوجه خاص على موقفها تجاه إيران. أما الآن، فإن مصالح أوروبا نفسها في الشرق الأوسط—المرتبطة باستقرار إمدادات الطاقة والتجارة—تفرض عليها تبني نهج جديد. وترى طهران بالفعل أن بروكسل حريصة على إعادة بناء العلاقات المقطوعة مع إيران حتى تتمكن من أداء دور الوسيط بين طهران وجيرانها العرب. وستعتمد فائدة أوروبا لتلبية الاحتياجات الأمنية العربية على امتلاكها قدراً من النفوذ في طهران.

ترى إيران أن المستقبل القريب للشرق الأوسط سيتحدد بفعل تراجع النفوذ الأميركي. وستمر المنطقة بمرحلة من الفراغ والتحول، ترى فيها طهران فرصاً واسعة للتأثير في شكل النظام الناشئ، وتعد نفسها جزءاً مهماً منه. وهي لا تتصور أن الشرق الأوسط سينتظم لمواجهتها وحدها، بل ترى أنه سيعكس تعدد المصالح الاقتصادية والأمنية لمختلف الأطراف. وفي غضون ذلك، ستطفو على السطح توترات أخرى، مثل التوتر بين السعودية والإمارات. وسيتعين على النظام الجديد أن يأخذ في الحسبان أن تركيا ستكون أكثر انشغالاً بإسرائيل، وأن باكستان ستركز على الهند وإسرائيل، فيما ستضطر السعودية إلى موازنة مخاوفها من إيران مع مخاوفها من إسرائيل والإمارات. وفي خضم هذا المشهد، ستتداخل المصالح الصينية والروسية والأوروبية لتشكيل النتائج. ويبدو المستقبل فوضوياً، وهو ما يعني تراجع الضغطين العسكري والاقتصادي على إيران.


عن الكاتب: فالي نصر مستشار أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).

المصدر الأصلي:
Iran and the Emerging Security Order in the Middle East
Vali Nasr – Center for Strategic and International Studies

تنويه تحريري: هذه المادة ترجمة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وتعكس توصيفات الكاتب وتحليلاته وتقديراته، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف مركز العراق للدراسات الاستشرافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى