
مع الموعد المعلن لانتهاء مهمة التحالف في 30 أيلول 2026، يعود الخلاف حول رواية ثلاثة وعشرين عاماً: من قاتل القوات الأميركية، وأين تركزت خسائرها، ومن يملك اليوم قرار الحرب والسلم؟ تبدأ الإجابة من أرقام الخسائر وخريطة وقوعها، ثم من تاريخ الفصائل التي قاتلت وتفرعت وتراجعت.
أحصت وزارة الدفاع الأميركية 4,492 وفاة عسكرية في عمليتي «حرية العراق» و«الفجر الجديد» حتى نهاية 2011؛ منها 3,519 بسبب أعمال عدائية و973 لأسباب أخرى، فضلاً عن 32,292 جريحاً في القتال. وسجلت بريطانيا 179 وفاة في عملية «تيليك»، منها 136 وفاة عدائية. يشمل السجل الأميركي مواقع ضمن مسرح العملية خارج العراق، ولا يحدد الفصيل المسؤول عن كل وفاة. لذلك لا يصح الخلط بين عدد القتلى ومكان الوفاة وسببها وهوية المهاجم. [1][2][3]
تقع الكتلة الأكبر من الخسائر في سنوات الاحتلال الأولى، وتبرز بغداد والأنبار ومحافظات الوسط والشمال في خريطتها. ووصف تقدير أميركي عام 2005 النواة الرئيسية للمقاومة المسلحة آنذاك بأنها عربية سنية. وفي الوقت نفسه، قاتل جيش المهدي وفصائل شيعية أخرى القوات الأميركية، ثم ظهرت جماعات جديدة وتفرعات عنها. تكشف هذه الوقائع تعدد أطراف القتال وتفاوت أدوارها عبر السنوات، ولا تمنح أي فصيل قائم اليوم حق احتكار رواية الحرب. [6][9][10]
بغداد والأنبار في قلب الخسائر… لكن من نفذ الهجمات؟
في التوزيع الجغرافي لقاعدة وفيات التحالف، تتصدر بغداد بـ1433 وفاة والأنبار بـ1347، تليهما صلاح الدين 436 ونينوى 288 وديالى 266، وتضم المحافظات الخمس 3770 من أصل 4902 وفاة، أي 76.9% من سجل أُعد حتى 2020، غير أن الـ4902 تشمل وفيات من سنوات لاحقة بعد 2011، وأسباباً قتالية وغير قتالية، و332 حالة غير محددة الموقع، كما أن بغداد ضمت مقار وقواعد وطرقاً كثيفة وكانت مدينة مختلطة، والأنبار محافظة واسعة عبرتها قوات كبيرة، لذلك لا تعني الحصيلة الجغرافية أن كل قتيل في محافظة ما قُتل على يد جماعة تنتمي إلى مذهب غالبية سكانها. [4]
تقدم وثيقة أميركية من آذار 2005 قرينة أكثر مباشرة على شكل المقاومة المسلحة المبكرة، فقد نقل مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي عن مسؤولين استخباريين وعسكريين أن نحو 80% من الهجمات آنذاك وقعت في وسط العراق ذي الغالبية السنية، وأن النواة الأساسية للجماعات المسلحة ضمت عرباً سنة، بينهم بعثيون وعناصر من النظام السابق، كان ذلك توصيفاً معاصراً للفترة 2003–2005 ولجميع الهجمات المرصودة، وليس تقديراً بأن «80% من قتلى التحالف قتلهم السنة»، وهو يلتقي مع تمركز خسائر التحالف في بغداد والأنبار والحزام الأوسط، من دون أن يحول المكان إلى دليل قاطع على منفذ كل واقعة. [6]
الجغرافيا أدق من اسم المحافظة، الأنبار ذات الغالبية العربية السنية كانت من أبرز ساحات المقاومة، وكذلك مناطق من صلاح الدين، أما نينوى وديالى فمحافظتان متنوعتان؛ برزت فيهما فصائل عربية سنية في الموصل وأقضية وأرياف محددة، إلى جانب فاعلين آخرين، وتبدل ميزان السيطرة فيها بمرور السنوات، وفي بغداد نشطت فصائل سنية في أجزاء من غرب المدينة وشمالها وحزامها، بينما شهدت مدينة الصدر وأحياء أخرى عملاً عسكرياً لجماعات شيعية، لا تختزل بغداد في هوية واحدة، ولا تختزل ديالى أو نينوى في غالبية مذهبية واحدة. [6][36]
جنوب بغداد، شاع وصف «مثلث الموت» للمحمودية واليوسفية واللطيفية والإسكندرية ومحيطها، حيث كثفت جماعات مسلحة هجماتها على القوات الأميركية والعراقيين وطرق المرور، كان في هذه الرقعة مناطق ذات ثقل عربي سني، لكنها ليست اسماً إدارياً لمحافظة ولا إحصاءً مذهبياً لكل قرية؛ كما شهدت هجمات طائفية على عابرين وسكان شيعة، وتوضح دراسة تاريخية للجيش الأميركي دور هذه البلدات في المقاومة، مع توثيقها استهداف الحجاج الشيعة والشرطة وغيرهم. [40]
أما البصرة فلا يصح وضعها ضمن خريطة المقاومة السنية، هي محافظة جنوبية ذات غالبية شيعية، وكانت ضمن قطاع الانتشار البريطاني؛ وتوثق سجلات وزارة الدفاع البريطانية قتلى في هجمات بالمدينة سنة 2007، فيما عدّ تحقيق العراق البريطاني عناصر جيش المهدي المسلحة من أكبر مصادر تهديد قواته في الجنوب، وقد ضمت المحافظة كذلك صراعات بين فصائل شيعية ومؤسسات الدولة، لذا فإن إدراج قتلى البصرة في مجموع التحالف صحيح، لكن نسبهم إلى فصائل سنية استناداً إلى ترتيب المحافظات يقلب الوقائع. [41][42]
حملت الجماعات الناشطة في هذه البيئة توجهات مختلفة، ضمت المشهد تشكيلات وطنية وإسلامية، منها الجيش الإسلامي في العراق وكتائب ثورة العشرين، إلى جانب شبكات مرتبطة بالنظام السابق وتنظيم القاعدة في العراق، قاتلت أطراف قوات الاحتلال، لكن بعضها هاجم الدولة العراقية الجديدة، وارتكب تنظيم القاعدة اعتداءات واسعة على المدنيين وسعى إلى إشعال النزاع الطائفي، ثم انتقل مقاتلون وعشائر من مناطق المقاومة المبكرة نفسها إلى مواجهة القاعدة في تجربة الصحوات، لذلك لا تصف كلمة واحدة تاريخ جميع هذه الجماعات ولا أثرها على العراقيين. [7][8]
في المقابل، واجه جيش المهدي القوات الأميركية في النجف ومدينة الصدر سنة 2004، وعادت المواجهات على نطاق كبير في 2008، ونفذت جماعات شيعية خاصة هجمات في مراحل لاحقة، خصوصاً قرب الانسحاب؛ وذكر مكتب المحاسبة الأميركي أن هجمات جماعات شيعية متطرفة تكررت في تلك الفترة، وأن 15 عسكرياً أميركياً قتلوا في حزيران 2011، أعلى حصيلة شهرية في عامين، هذه وقائع تثبت مشاركة فاعلين شيعة في قتال الأميركيين، لكنها لا تسمح بإسناد مجمل خسائر 2003–2011 إلى الفصائل التي تتصدر المشهد السياسي والمسلح اليوم. [9][10]
وبذلك تظهر حدود الاستنتاج: الثقل الزمني والجغرافي للخسائر يقع في سنوات المقاومة المبكرة، ووثيقة 2005 تصف نواة الفصائل المسلحة في تلك المرحلة بأنها عربية سنية، لكن لا توجد في سجل الوفيات خانة باسم الفصيل المنفذ، وترتيب الفصائل وفق عدد قتلى الأميركيين يتطلب فحص الحوادث واحدة واحدة، ومقارنة التبنيات بالتحقيقات والأدلة، لا توزيع قتلى محافظة على سكانها أو على أشهر فصائلها.
حين كانت القوات في الشوارع: سنوات الاستنزاف الأكبر
بدأ الغزو في 20 آذار 2003، وسقطت بغداد في 9 نيسان. خاض الجيش العراقي وتشكيلات أخرى معارك تلك المرحلة، قبل نشوء معظم فصائل المقاومة اللاحقة. ومن صيف 2003، تصاعدت الهجمات على القوات الأميركية في الأنبار وصلاح الدين وحزام بغداد، ثم امتدت إلى مناطق أخرى من الوسط والشمال. كانت هذه المناطق ذات غالبية عربية سنية، فيما شهدت أحياء بغداد المختلطة مواجهات أيضاً. وتذكر الوثائق الأميركية الفلوجة والرمادي وسامراء وتكريت وبغداد ضمن محاور المواجهة. وبحلول معارك جيش المهدي عام 2004، كان القتال في تلك المناطق قد ترسخ؛ وهو تسلسل لا يحدد هوية منفذ أول هجوم. [6][35][36]
ساعدت ترتيبات الحكم الجديدة على تفسير اختلاف المسارات. تعاون الحزبان الكرديان الرئيسيان مع واشنطن، وقاتلت البيشمركة إلى جانب قواتها الخاصة في الشمال. كما دخلت قوى شيعية معارضة، أبرزها المجلس الأعلى الإسلامي وحزب الدعوة، العملية السياسية بعد سقوط النظام، فلم تجعل قتال الأميركيين خيارها الأول. هذه خيارات أحزاب وقيادات، ولا تمثل موقف كل كردي أو شيعي من الاحتلال. [37][38][43]
في المقابل، فقد كثير من العرب السنة مواقعهم في الدولة السابقة من دون تمثيل جامع في الترتيبات الأولى، فيما تزامن حل الجيش واجتثاث البعث مع ممارسات الاحتلال في مدنهم. اجتمع رفض الاحتلال مع فقدان النفوذ والغضب المحلي، من دون أن يكون كل سني مقاوماً أو كل مقاوم بعثياً. وداخل القوى الشيعية نفسها، خرج التيار الصدري عن مسار المشاركين في مجلس الحكم، ثم قاتل القوات الأميركية عام 2004. [7][39]
انتشرت القوات الأجنبية بعد الغزو في المدن والطرق والقواعد، وتعددت الجماعات المسلحة وأهدافها، ومع الوقت، تداخلت المواجهة ضد الأميركيين مع الصراع على الدولة والعنف الطائفي الذي قتل أعداداً كبيرة من العراقيين.
تسجل السلسلة التاريخية المنشورة لوفيات التحالف 4800 وفاة بين 2003 و2011 من جميع الأسباب، يقع 4216 منها، أو 87.8%، في السنوات الخمس من 2003 إلى 2007، وتبلغ الذروة في 2007 بواقع 960 وفاة، بعد 906 في 2004 و897 في 2005 و873 في 2006، ثم تهبط إلى 318 في 2008 و146 في 2009، قبل 62 في 2010 و58 في 2011، تصف هذه السلسلة جميع الجنسيات والأسباب؛ لذا تختلف عن إحصاء وزارة الدفاع الأميركية، ولا يصح تقديم مجموعها بوصفه عدد من قتلوا في هجمات. [4]
يصعب تفسير هذا الانخفاض بعامل واحد، ففي آب 2007، وصلت القوات الأميركية إلى نحو 169 ألف عسكري بعد أن كانت قرابة 131.5 ألفاً في نهاية 2006، ثم تراجع الانتشار تدريجياً، بالتوازي مع زيادة القوات والصحوات، وتغير التكتيكات، وتحسن بعض إجراءات الحماية، وتبدل الجبهات المحلية، ومع تقلص عدد العسكريين ودورياتهم المكشوفة، تقلص أيضاً عدد الأفراد المعرضين لنمط الهجمات الذي صنع خسائر السنوات الأولى، لذا فالرسم السنوي يصف تغير الخسائر، لكنه لا يقيس وحده «شدة المقاومة» من دون بيانات حجم القوات وحركة الدوريات وعدد الهجمات ونوعها. [5]
فصائل المقاومة العربية السنية: قوة البدايات وانكسار الجبهة الواحدة
لم تكن المقاومة في المناطق ذات الغالبية العربية السنية تنظيماً واحداً، ولا كانت كل جماعة تقاتل الأميركيين تتفق على حكم العراق بعدهم، اذ نشأ قسم من شبكات الضباط والجنود السابقين في النظام السابق والعشائر العربية السنية في الأنبار وحزام بغداد وصلاح الدين وديالى ونينوى، وتجاورت معها تشكيلات إسلامية عراقية وتنظيم القاعدة المتشدد، كانت الفلوجة والرمادي والقائم وحديثة، ومعها مناطق أبو غريب والطارمية وسامراء وتكريت والموصل، ساحات بارزة على امتداد سنوات مختلفة؛ ووجود فصيل في محافظة لا يعني سيطرته عليها كاملة أو مسؤوليته عن كل هجوم فيها. [6][7][19]
أبرز فصائل المقاومة العربية السنية ومساراتها
| الفصيل أو التيار | مركز الثقل وطبيعة العمل في سنوات الذروة | التحول اللاحق |
| الجيش الإسلامي في العراق | من أوسع الأسماء العراقية ظهوراً في بيانات الهجمات، مع نشاط في بغداد وحزامها والأنبار وصلاح الدين وديالى؛ ضم شبكات محلية ذات خطاب إسلامي ووطني. | دخل في خصومات مع القاعدة، وتراجعت عملياته مع الصحوات والتسويات وتقلص الوجود الأميركي؛ بقي اسمه في الخطاب السياسي أكثر من بقائه قوة ميدانية موحدة قابلة للقياس. |
| كتائب ثورة العشرين | شبكات ذات صلات عشائرية ودينية في الوسط والغرب، ولا سيما حزام بغداد والأنبار؛ اختلفت وحداتها في طريقة التعامل مع القاعدة والقوات الأميركية. | انشق عنها حماس العراق سنة 2007، واتجهت أجزاء من البيئة نفسها إلى الصحوات؛ لم يستمر التنظيم التاريخي بكتلة قتالية موحدة. |
| جيش المجاهدين، جيش الراشدين والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية «جامع» | عناوين مختلفة لتشكيلات محلية وإسلامية نشطت في الوسط والشمال، وبعضها سعى إلى التنسيق أو واجهة إعلامية مشتركة. | أصابها الانقسام وفقدان الحواضن واندماج أفراد في ترتيبات محلية؛ لا يصح جمعها في «جيش سني» واحد. |
| أنصار السنة/أنصار الإسلام | تيار سلفي مسلح نشط خصوصاً في الشمال والوسط، مع تبدل الأسماء والتحالفات؛ اختلف عن الجماعات الوطنية في برنامجه. | تغيرت هياكله، ولا تثبت المصادر المفتوحة استمرار قوته القديمة أو حجم عناصره اليوم. |
| القاعدة في العراق ثم دولة العراق الإسلامية | شبكة جهادية متشددة قاتلت الأميركيين، لكنها استهدفت مدنيين وعراقيين آخرين وأشعلت عنفاً طائفياً، ودخلت حرباً مع عشائر وفصائل مسلحة من البيئة السنية نفسها. | لا تُدمج في حصيلة الفصائل الوطنية؛ امتد مسارها التنظيمي لاحقاً إلى داعش، العدو الذي قاتلته الدولة العراقية وتحالف جديد منذ 2014. |
| شبكات النقشبندية والبعثيين السابقين | برزت في مناطق من صلاح الدين ونينوى وكركوك وديالى، وظهرت بوضوح أكبر بعد 2007 وفي أزمة 2014. | تفككت وتبدلت صلاتها مع انهيار الدولة في بعض المناطق وصعود داعش؛ لا دليل على سلسلة قيادة واحدة ممتدة حتى 2026. |
لم يُنشر تعداد مدقق لمقاتلي كل من هذه الفصائل في 2004 أو 2007، وتزيد التحالفات المؤقتة والعضوية المزدوجة احتمال العد مرتين، وتقدير عشرات الآلاف في الصحوات عند الذروة يخص قوة تحولت لمحاربة القاعدة بدعم أميركي؛ ليس تعداداً لمقاتلي الفصائل المذكورة ولا رقماً لخسائر التحالف المنسوبة إليهم، من دون تعريف واضح لمن يُعد مقاتلاً وفي أي سنة، يتحول الرقم الدقيق ظاهرياً إلى معلومة مضللة. [20]
تغير المشهد عند ثلاث عتبات: معركتا الفلوجة 2004، الاقتتال الطائفي 2006–2007 الذي نقل جزءاً من السلاح إلى حرب داخلية، ثم الصحوات منذ 2006–2007 التي فصلت عشائر ومقاتلين عن القاعدة، وأدى انسحاب 2011 إلى سقوط الهدف العسكري الذي قام عليه جزء من هذه التشكيلات، لا يعني تلاشي الاسم أن الأفراد اختفوا؛ فقد دخل بعضهم مؤسسات الدولة أو السياسة، وقُتل أو اعتُقل آخرون، وانخرط بعضهم في دورات عنف لاحقة، التمييز بين هؤلاء ضروري كي لا تُنسب جرائم داعش إلى كل من قاتل الاحتلال قبله. [8][19][20]
الفصائل الشيعية ومساراتها:
دخل جيش المهدي المعركة بوصفه تعبئة صدرية واسعة في أحياء بغداد، خصوصاً مدينة الصدر، والنجف والكوفة ثم مدن جنوبية، شهد 2004 معارك كبيرة، ثم وقف إطلاق نار وتفاوض، قبل موجة مواجهات 2008 في البصرة ومدينة الصدر، قدّرت دراسة RAND أن قوامه ربما بلغ 60 ألف مقاتل بحلول منتصف 2006؛ هذا تقدير تاريخي تقريبي للتعبئة في ذروة مختلفة، لا رقم أفراد منضبط ولا تعداد سرايا السلام اليوم، كما لم تكن كل وحداته تحت قيادة تشغيلية متساوية أو متفقة في مهاجمة الأميركيين. [7][9][21]
وتحتاج أعداد هذه الجماعات إلى السياق الزمني نفسه: تقدير الـ60 ألف لجيش المهدي في 2006، وأرقام ملاكات ألوية الحشد أو تقدير عشرات الآلاف لفصائل متحالفة في 2026، تقيس أزمنة وتعريفات مختلفة: منتسباً مسجلاً أو مقاتلاً نشطاً أو شبكة تعبئة، ولا يتوافر تعداد راهن مفصل ومدقق يسمح بمقارنة حجم كل فصيل بنظيره التاريخي.
الموقف الديني من الاحتلال: دعوة إلى القتال وتحفظ في النجف
في سنوات الاحتلال الأولى، أعلنت هيئة علماء المسلمين في العراق رفضها الوجود الأميركي وأيدت المقاومة، ثم قرر مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تشرين الثاني 2004 وجوب قتال جيوش الاحتلال على القادرين. كانت الدعوة إلى المواجهة المسلحة صريحة، وإن صدرت فتوى الاتحاد بعد بدء عمليات المقاومة. [28][29][30][31]
في المقابل، لم تصدر عن المرجعية النجفية العليا دعوة مماثلة إلى قتال القوات الأميركية. وفي نيسان 2003، قالت مؤسسة الخوئي في لندن إن السيستاني دعا العراقيين إلى عدم الوقوف في طريق قوات الغزو والكف عن القتال في النجف ومحيطها، لكن مكتبه أعلن أن صحة الفتوى المنسوبة إليه لم تثبت. بقيت فتوى عدم المقاومة موضع نفي، والدعوة إلى المقاومة المسلحة غائبة عن الموقف المعلن للمكتب؛ وقد ركز لاحقاً على رفض فرض الحكم من سلطة الاحتلال ووقف التصعيد، وحقن الدماء بين الطرفين، أما المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله، فأيد المقاومة السلمية والعسكرية. [25][32][33][34]
على الأرض، كان التيار الصدري أبرز قوة شيعية واسعة قاتلت الأميركيين خارج مسار الأحزاب التي دخلت الحكم، خاض جيش المهدي معارك 2004 واستمرت مواجهاته في السنوات التالية، ثم أعلن الصدر تجميد نشاطه في آب 2007. ولم يمنع التجميد تجدد القتال خلال «صولة الفرسان» في آذار 2008 وما أعقبها في بغداد، بذلك افترق موقف المرجعية، وخيار الأحزاب المشاركة في الحكم، ومسار الصدريين المسلح؛ ولا يصح جمعها في موقف شيعي واحد.
من احتلال 2003 إلى تحالف 2014: تبدل العدو والمهمة
بانسحاب 2011 انتهت مرحلة الاحتلال والانتشار البري الكبير، وفي 2014 عاد تحالف دولي بطلب من بغداد بعد سيطرة داعش على مناطق واسعة، ضمن مهمة هدفها مساعدة القوات العراقية على هزيمة التنظيم، كانت طبيعة القوات الأميركية وانتشارها وخصمها مختلفة، فالعسكري الذي يعمل مستشاراً أو داخل قاعدة محصنة لا يواجه مستوى التعرض نفسه الذي واجهه جندي الدوريات البرية في 2005 أو 2007.
حتى 18 أيلول 2026، سجلت وزارة الدفاع الأميركية في عملية «العزم الصلب» 123 وفاة، منها 25 عدائية و98 غير عدائية، لكن نطاق هذه العملية يشمل العراق وسوريا ودولاً أخرى؛ لذلك لا يجوز رسم الـ123 كلها على خريطة العراق أو إضافتها إلى حصيلة 2003–2011 بوصفها استمراراً متجانساً للسلسلة. [11]
وفي التصعيد الإقليمي خلال 2026 تظهر حصيلة أخرى لا ينبغي خلطها بسجل الغزو، فقد أعلنت وزارة الدفاع الأميركية في تموز أن جماعات موالية لإيران نفذت أكثر من 600 هجوم على مواطنين ومنشآت أميركية في العراق بين شباط ونيسان، هذا عدد هجمات بحسب تعريف البيان الأميركي، وليس 600 إصابة مباشرة أو 600 عملية قاتلة، وسجلت عملية «الغضب الملحمي» الإقليمية 14 وفاة و418 جريحاً حتى 23 أيلول، منها سبع وفيات عدائية؛ ولا تعني هذه الحصيلة أن جميع المصابين أو الوفيات وقعوا في العراق أو أن جميعهم ضحايا الجماعات العراقية، وتحدث تقرير لرويترز في 29 أيلول عن سبع وفيات أميركية في العراق ضمن الحرب الإقليمية، اختلاف نطاق العملية والسبب والمكان يمنع جمع هذه الأرقام في رقم واحد اسمه «خسائر التحالف في العراق». [12][13][14]
الفارق بين كثافة الهجمات المعلنة وحصيلة القتلى يوضح تغير الحرب نفسها: مواقع محصنة، ومسيّرات وصواريخ وهجمات عن بعد، وانتشار أصغر، وصراع إقليمي تتجاوز أهدافه إعلان إخراج قوة احتلال واسعة الانتشار، يمكن لهجوم قليل الخسائر البشرية أن يحمل أثراً سياسياً أو اقتصادياً كبيراً؛ لكن لا يجوز استخدام عدد بيانات التبني ليحل محل قياس نتيجة الهجمات.
فاتورة الحرب: ما دفعته واشنطن وما خسره العراقيون
وللحرب فاتورة لا تظهر في سجل القتلى. قدّرت دراسة مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون كلفة الولايات المتحدة المرتبطة بحرب العراق وامتداد العمليات إلى سوريا بـ2.893 تريليون دولار: 1.793 تريليون تكاليف حتى 2023، و1.1 تريليون التزامات مقدرة للرعاية الطبية وتعويضات العجز للمحاربين القدامى حتى 2050. تضم الكلفة الأولى 862 مليار دولار من اعتمادات البنتاغون الطارئة والعمليات الخارجية، و406 مليارات زيادة مقدرة في موازنته الأساسية مرتبطة بالحرب، و62 ملياراً لوزارة الخارجية، و230 ملياراً فوائد تمويل، و233 ملياراً للرعاية الطبية وتعويضات العجز حتى السنة المالية 2021. وقد لا يتطابق مجموع البنود بعد تقريبها إلى أقرب مليار.
أما العراق وحده، فسجلت خدمة أبحاث الكونغرس 815 مليار دولار من الاعتمادات المرتبطة به حتى نهاية السنة المالية 2014. وفي مرحلة مكافحة داعش، خُصص لصندوق تدريب وتجهيز القوات العراقية 241.95 مليون دولار في 2024 و380.76 مليوناً في 2025، مقابل طلب بقيمة 212.52 مليوناً لعام 2026. هذا الصندوق بند جزئي، وطلب 2026 ليس إنفاقاً فعلياً؛ لذلك لا تُجمع قيمه مع تقدير براون أو تُقدَّم حصيلة شاملة للعراق حتى 2026. [15]
والوجه الغائب عن أي حديث يكتفي بخسائر القوات الأجنبية هو الخسارة العراقية، فقد وثق مشروع «إحصاء قتلى العراق» عشرات آلاف وفيات المدنيين بالعنف في سنوات الاحتلال والحرب الأهلية ثم حرب داعش، بينما تختلف تقديرات الوفيات غير المباشرة والنزوح بحسب المنهج، كان العنف الطائفي والتهجير والقتل على الهوية جزءاً من تجربة العراقيين في المحافظات نفسها التي شهدت هجمات على القوات الأجنبية، لا تحول معارضة الغزو قتل المدنيين إلى «مقاومة»، ولا تمحو جرائم القاعدة وغيرها من التنظيمات حقيقة قتال فصائل أخرى لقوات الاحتلال. [16]
ولفهم حجم القوة التي ارتبطت بها هذه الكلفة، يعرض المخطط الدول التي شاركت بقوات في العراق وحجم مساهمة كل منها. ففي أيار 2007، كان هناك نحو 145 ألف عسكري أميركي، مقابل 12,600 عسكري من 25 دولة أخرى. ويعرض ترتيب الدول أعلى انتشار موثق لكل منها في سنوات مختلفة، لا عدد القوات الموجودة في وقت واحد.
ولفهم حجم القوة التي ارتبطت بها هذه الكلفة، يعرض المخطط الدول التي شاركت بقوات في العراق وحجم مساهمة كل منها. ففي أيار 2007، كان هناك نحو 145 ألف عسكري أميركي، مقابل 12,600 عسكري من 25 دولة أخرى. ويعرض ترتيب الدول أعلى انتشار موثق لكل منها في سنوات مختلفة، لا عدد القوات الموجودة في وقت واحد.
اليوم التالي للانسحاب: من يملك قرار السلاح؟
أعلنت بغداد إخلاء مستشاري التحالف من القواعد ومقار القيادة في المناطق الاتحادية في كانون الثاني 2026، مع استمرار تنسيق مرتبط بملف داعش في سوريا خلال المرحلة التالية، وحددت 30 أيلول موعداً لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف، فيما يجري الحديث عن شراكة أمنية ثنائية لاحقة. انتهاء المهمة لا يعني تلقائياً انقطاع التدريب أو المعلومات، لكنه يغير الأساس الذي تُقرأ على ضوئه أي عملية ضد الأميركيين. [17][18]
إذا وقع هجوم بعد الموعد، فلن يقع ضمن مشهد 2003، حين انتشرت قوات أجنبية كثيفة في الطرق والمدن وكانت جماعات متعددة تقاتل الاحتلال، سيقع في بلد تعلن حكومته إنهاء المهمة وتطالب بحصر السلاح بيدها، وفي ظل حرب إقليمية تجعل أي ضربة من الأرض العراقية ذات أثر على السيادة والعلاقات المالية والدبلوماسية والاستثمارية، هذا لا يحسم مسبقاً طبيعة كل وجود أو نشاط أميركي لاحق؛ بل يجعل صفة الهدف وتفويض وجوده والجهة التي قررت الهجوم أسئلة واجبة قبل وصف الفعل سياسياً.
السردية الدقيقة للتاريخ، إذن، لا تعطي أي فصيل معاصر ملكية حصرية لسنوات الحرب، هي تُظهر أن العبء الأكبر من الخسائر وقع في مرحلة وأماكن ووسط فاعلين يختلفون كثيراً عن مشهد 2026، وأن جماعات شيعية قاتلت كذلك في أوقات محددة، وبعد 30 أيلول، يصبح اختبار العراق أن يقرر بنفسه شكل علاقاته الأمنية وأن يمنع استخدام أرضه لفتح حرب لم تقررها مؤسساته.
المصادر والوثائق:
- Defense Casualty Analysis System، عملية «حرية العراق»، جدول الفئات، تحديث أيلول 2026.
- Defense Casualty Analysis System، عملية «الفجر الجديد»، جدول الفئات.
- وزارة الدفاع البريطانية، وفيات عملية TELIC.
- iCasualties، قاعدة وفيات التحالف؛ التوزيع السنوي والجغرافي لاستخراج تاريخي حتى 2020.
- U.S. Government Accountability Office، تقرير العراق والانتشار الأميركي 2006–2007.
- U.S. Government Accountability Office، GAO-05-431T، آذار 2005.
- RAND، Counterinsurgency in Iraq (2003–2006).
- Combating Terrorism Center at West Point، دراسة الجيش الإسلامي في العراق.
- RAND، The 2008 Battle of Sadr City.
- U.S. Government Accountability Office، GAO-11-774، 2011.
- Defense Casualty Analysis System، Operation Inherent Resolve، تحديث 18 أيلول 2026.
- وزارة الدفاع الأميركية، محضر لقاء 14 تموز 2026 مع رئيس الوزراء العراقي.
- Defense Casualty Analysis System، Operation Epic Fury، تحديث 23 أيلول 2026.
- Reuters، تقرير 29 أيلول 2026 عن مغادرة القوات الأميركية وحصيلة وفيات الحرب الإقليمية في العراق.
- Brown University، مشروع Costs of War، تقدير حربَي العراق وسوريا 2003–2023.
- Iraq Body Count، قاعدة وفيات المدنيين الموثقة.
- اللجنة العسكرية العليا العراقية لإنهاء مهمة التحالف، بيان كانون الثاني 2026.
- البيان العراقي–الأميركي بشأن الانتقال، أيلول 2024، والتأكيد الأميركي في تموز 2026.
- Combating Terrorism Center at West Point، دراسة الفصائل المسلحة العراقية ورموزها، آذار 2008.
- U.S. Government Accountability Office، تغير الهجمات في 2007–2008؛ وRAND، دراسات الصحوات والتمرد.
- RAND، Counterinsurgency in Iraq (2003–2006)، تقدير جيش المهدي في منتصف 2006.
- وزارة الخارجية الأميركية، بيان تصنيف عصائب أهل الحق، 2020؛ عدد الهجمات ادعاء الجهة المصدرة.
- وزارة الخارجية الأميركية، بيان تصنيف كتائب حزب الله، 2009؛ والتقرير السنوي للإرهاب 2023.
- U.S. Government Accountability Office، GAO-06-953T، وصف الميليشيات الكبرى.
- مكتب السيد علي السيستاني، استفتاء الاضطرابات الأمنية، نيسان 2004.
- مكتب السيد علي السيستاني، خطبة 13 حزيران وخطبة 20 حزيران 2014.
- مكتب السيد علي السيستاني، خطبة 4 تموز 2014 بشأن تنظيم التطوع وحصر السلاح.
- هيئة علماء المسلمين في العراق، تعريف الهيئة ونشأتها بعد الغزو، أرشيفها الرسمي.
- هيئة علماء المسلمين في العراق، البيان رقم 29، 5 نيسان 2004؛ ورسالة حارث الضاري بمناسبة انسحاب 2011.
- مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بيان وجوب مقاومة جيوش الاحتلال في العراق، تشرين الثاني 2004.
- يوسف القرضاوي، بيان نفي فتوى قتل المدنيين الأميركيين، موقعه الرسمي، 2004.
- محمد حسين فضل الله، حديث صحفي عن المقاومة السلمية والعسكرية في العراق، 2004، أرشيف موقعه الرسمي.
- مكتب السيد علي السيستاني، إجابات بشأن اتفاق 15 تشرين الثاني 2003 وشرعية سلطة الاحتلال.
- مكتب السيد علي السيستاني، نفي نسبة فتوى عدم مقاومة الغزو إليه، نيسان 2003؛ واستفتاء الاضطرابات الأمنية، نيسان 2004.
- U.S. Government Accountability Office، GAO-04-902R، توثيق تدهور الوضع الأمني منذ حزيران 2003 وأحداث نيسان 2004.
- U.S. Government Accountability Office، GAO-06-1094T، مدن المواجهة في الوسط والشمال.
- U.S. Government Accountability Office، GAO-04-746R، تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وتمثيل القوى الكردية والشيعية.
- RAND، After Saddam: Prewar Planning and the Occupation of Iraq؛ وتحقيق العراق البريطاني، مجلد التحضير للعراق بعد صدام، بشأن أحزاب المعارضة.
- RAND، دراسات التيار الصدري ودوره خارج الترتيبات السياسية الأولى ومواجهات 2003–2004.
- U.S. Army Center of Military History، Surging South of Baghdad، منطقة المحمودية واليوسفية واللطيفية والإسكندرية.
- وزارة الدفاع البريطانية، إخطارات وفيات هجمات البصرة في نيسان وحزيران 2007.
- The Iraq Inquiry، المجلد الثامن، تقييم التهديد من عناصر جيش المهدي المسلحة في البصرة، 2006–2007.
- U.S. Army Center of Military History، To Baghdad and Beyond: ARSOF in Operation Iraqi Freedom، توثيق عمليات القوات الخاصة والبيشمركة في جبهة الشمال سنة 2003.



