تقدير موقف
أخر الأخبار

نزع الذرائع قبل نزع السلاح

هل تفكك الحكومة أزمات العراق أم تعيد ترتيبها؟

الخلاصة التنفيذية

يدخل العراق الأيام الأخيرة التي تسبق 30 أيلول/سبتمبر في لحظة تتجاوز دلالتها انسحاب قوات التحالف الدولي، فالموعد الذي تؤكد الحكومة أنه سيشهد انتهاء مهمة التحالف بات يتقاطع مع ملف أكثر تعقيداً يتمثل في حصر السلاح وتوحيد القرار الأمني، وفي الأسابيع السابقة للموعد، طرحت فصائل مسلحة شروطاً متعددة للتعاطي مع ملف السلاح، بدأت بخروج القوات الأميركية واتسعت لتشمل الوجود التركي، وحزب العمال الكردستاني، وانتشار القوات الاتحادية والحدود في إقليم كردستان، والدفاع الجوي، والمعارضة الإيرانية، فيما ذهبت كتائب حزب الله إلى إدخال البيشمركة ضمن شروطها.

لكن اللافت ليس تعدد الشروط بقدر ما هو السرعة التي بدأت بها الدولة، بالتوازي مع أطراف أخرى، معالجة عدد من الملفات التي تستند إليها تلك الشروط، ففي 21 أيلول أُعلن رسمياً توحيد وإعادة تنظيم قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة، بما في ذلك إنهاء الوضع المستقل للقوتين 70 و80، بحضور مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، وفي 23 أيلول اتفق رئيس الوزراء علي فالح الزيدي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان على بسط سلطة الدولة العراقية بالكامل في سنجار وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة، مقابل تسليم القوات التركية معسكر بعشيقة–زليكان تدريجياً للحكومة الاتحادية، وقبل ذلك أعلنت الحكومة بدء مسار تسليم وحدات مقاومة سنجار سلاحها ودمج المؤهلين منها في المؤسسات الأمنية.

يمكن قراءة هذه التطورات باعتبارها نشوء مقاربة يمكن تسميتها “نزع الذرائع قبل نزع السلاح”: أي تقليص المبررات السيادية والأمنية التي تستند إليها الفصائل قبل مطالبتها بالتخلي عن استقلال قرارها العسكري، بدل الانتقال مباشرة إلى مواجهة قد تكون كلفتها مرتفعة.

لكن نجاح هذه المقاربة يحمل مفارقة واضحة، فكلما أسرعت الحكومة في إغلاق ملف لتقليص مبررات السلاح، أصبحت مسؤولة عن ضمان استدامة التسوية التي أغلقت بها ذلك الملف، وإذا كانت معالجة سنجار، والوجود التركي، والعلاقة العسكرية بين بغداد وأربيل، وغيرها، قد تمت بالقدر اللازم لإدارة أزمة الفصائل وليس لمعالجة جذورها، فقد تجد الحكومة نفسها أمام نتيجة معاكسة: إغلاق جبهة السلاح مؤقتاً مقابل فتح عدة جبهات مؤجلة.

وعليه، فإن اختبار ما بعد 30 أيلول لن يتعلق فقط بما إذا كانت الفصائل ستسلّم سلاحها، وإنما بما إذا كانت الدولة قادرة على تحويل سلسلة التفاهمات السريعة إلى ترتيبات مستدامة، وعلى الانتقال من نزع مبررات السلاح إلى بناء منظومة واحدة لتعريف التهديد واتخاذ قرار استخدام القوة.

أولاً: 30 أيلول: من موعد للانسحاب إلى اختبار للدولة

من المقرر أن تنتهي مهمة التحالف الدولي في العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026، وأكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة أن عملية الانسحاب تتسارع وفق الجدول المحدد، فيما تصف الحكومة الموعد بأنه استحقاق سيادي ينقل علاقة العراق بدول التحالف من المهمة العسكرية متعددة الأطراف إلى علاقات ثنائية.

لكن الأهمية السياسية للموعد تتجاوز خروج القوات الأجنبية؛ لأن الوجود الأميركي مثّل لسنوات أحد أبرز المبررات التي قدمتها فصائل مسلحة لاستمرار ما تصفه بـ”سلاح المقاومة”، وفي كانون الثاني/يناير 2026، مثلاً، رفضت تنسيقية تضم عدداً من الفصائل التفاوض بشأن السلاح قبل خروج القوات الأجنبية.

بذلك، فإن تنفيذ الانسحاب لا يحسم مشكلة السلاح آلياً، لكنه يغيّر بنية الحجة المحيطة بها، فحتى الآن كان بإمكان الفصائل أن تجعل النقاش يبدأ من سؤال: كيف تطالب الدولة المقاومة بنزع سلاحها بينما توجد قوات أجنبية على الأراضي العراقية؟ أما بعد 30 أيلول، فإن الدولة تستطيع إعادة صياغة السؤال: إذا انتهت المهمة العسكرية التي استُخدمت مبرراً لاستمرار السلاح، فما الأساس المتبقي لاستقلال القرار العسكري عن المؤسسات الرسمية؟

غير أن الفصائل سبقت هذه اللحظة بتوسيع نطاق شروطها، ففي 29 آب، أعلنت كتائب سيد الشهداء عشرة شروط للتفاعل مع ملف “تنظيم السلاح”، شملت خروج القوات الأميركية والتركية، وإخراج حزب العمال الكردستاني، وفرض السلطة الاتحادية، وتعزيز الدفاع الجوي، وإدارة بغداد للحدود والمنافذ في الإقليم، وإبعاد المعارضة الإيرانية المسلحة، فضلاً عن قضايا تتعلق بالقرارين المالي والسياسي، وبعد أيام لخّص أمينها العام أبو آلاء الولائي المقاربة بعبارة “تنظيم السلاح مقابل السيادة الكاملة والشاملة”، وبالتالي، لم يعد 30 أيلول يمثل نهاية النقاش، وإنما بداية انتقاله من مبرر واحد واضح إلى مفهوم أوسع للسيادة.

ثانياً: من القوات الأمريكية إلى بنية الدولة

يكشف تتبع خطاب الفصائل عن تحول مهم، فقد بدأ الجدل من وجود قوة أجنبية، لكنه اتسع تدريجياً ليشمل قضايا داخلية تتعلق بكيفية توزيع السلطة العسكرية والأمنية داخل الدولة العراقية نفسها.

فبعد الوجود الأمريكي ظهرت القوات التركية بوصفها سؤالاً عن السيادة، ثم حزب العمال الكردستاني باعتباره تنظيماً أجنبياً مسلحاً يوفر لأنقرة مبرراً لعملياتها ووجودها العسكري، وبعد ذلك انتقل النقاش إلى الحدود والمنافذ والدفاع الجوي والمعارضة الإيرانية في إقليم كردستان.

وذهبت كتائب حزب الله أبعد من ذلك، عندما ربط مسؤولها الأمني في آب أي مقاربة بشأن السلاح بخروج القوات الأميركية والتركية و”حل البيشمركة”، هذه النقطة تحديداً نقلت النقاش من “من يوجد على الأرض العراقية؟” إلى “من يمتلك السلاح داخل العراق وتحت أية قيادة؟”.

لكن المقارنة بين البيشمركة والفصائل ليست متطابقة قانونياً أو مؤسساتياً؛ فالبيشمركة تعمل ضمن الإطار الدستوري والمؤسساتي لإقليم كردستان، ولذلك فإن القيمة التحليلية لحجة الفصائل لا تكمن في مساواة الوضعين، بل في استخدامها مسألة تعدد مراكز القيادة للدفع باتجاه سؤال أوسع حول وحدة المنظومة الأمنية، وهكذا أصبح ملف حصر السلاح مرتبطاً بمجموعة قضايا تتجاوز الفصائل نفسها، والمفارقة أن عدداً من هذه القضايا بدأ يتحرك بسرعة خلال الأسابيع الأخيرة.

ثالثاً: الدولة تسحب المبررات واحداً بعد آخر

يمكن فهم التحركات الأخيرة باعتبارها، سواء كانت استراتيجية مصممة مسبقاً أم نتيجة تلاقي عدة مسارات، عملية لتقليص “فجوة التبرير” التي يتحرك داخلها السلاح المستقل.

أولى هذه الحلقات هي الوجود الأميركي، فالحكومة لم تكتف بتأكيد موعد الانسحاب، بل تمسكت بإنهاء مهمة التحالف في موعدها، مع التأكيد بالتوازي على حصر السلاح وتوحيد القرار الأمني.

الحلقة الثانية هي سنجار وحزب العمال الكردستاني، ففي 11 أيلول أعلنت الحكومة أن وحدات مقاومة سنجار ستباشر تسليم سلاحها، وأن جبل سنجار سيكون تحت السلطة الكاملة للحكومة الاتحادية، مع تنظيم أوضاع العناصر المؤهلة ودمجها في المؤسسات الأمنية.

ثم جاءت الحلقة الثالثة في 23 أيلول، عندما اتفق الزيدي وأردوغان على بسط سلطة الدولة بالكامل في سنجار وإنهاء وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة، وفي المقابل، نص الاتفاق على تسليم القوات التركية معسكر بعشيقة–زليكان إلى الحكومة الاتحادية تدريجياً وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما، وهذه معادلة شديدة الأهمية: تتقدم الدولة في إزالة سبب تستخدمه تركيا لتفسير وجودها العسكري، فتتقدم تركيا في إزالة وجود تستخدمه الفصائل لتفسير استمرار سلاحها.

أما الحلقة الرابعة فتتعلق بالبيشمركة، ففي 21 أيلول أعلنت حكومة الإقليم رسمياً اكتمال عملية إعادة توحيد القوات وتنظيمها تحت مظلة وزارة البيشمركة وقيادة وسيطرة موحدة، وحضر المراسم مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، كما أكدت حكومة الإقليم أن البيشمركة جزء من المنظومة الدفاعية العراقية ودعت إلى تعزيز التعاون الأمني مع الجيش الاتحادي.

ولا يعني ذلك انتقال البيشمركة إلى القيادة المباشرة للقائد العام الاتحادي؛ فالإعلان الرسمي يؤكد أن القيادة والسيطرة الموحدة هي لوزارة البيشمركة، لكنه يعني معالجة جانب مهم من الاعتراض المتعلق بوجود قوات حزبية موازية داخل الإقليم، بعد إدخال التشكيلات المرتبطة تاريخياً بالحزبين الكبيرين في بنية وزارية موحدة، وبذلك تتشكل صورة غير مألوفة: خلال فترة قصيرة، انتقل عدد من الملفات التي ظلت لسنوات مصدراً للنزاع من حالة الجمود إلى حالة المعالجة المتزامنة.

رابعاً: لماذا الآن؟ استراتيجية أم ضرورة سياسية؟

المشكلة التحليلية هنا هي تجنب المبالغة في نسبة جميع هذه التطورات إلى خطة حكومية واحدة، فتوحيد البيشمركة، على سبيل المثال، مسار إصلاحي سبق حكومة الزيدي بسنوات، وكذلك العلاقة التركية مع حزب العمال الكردستاني شهدت تحولات تتجاوز الحسابات العراقية الداخلية. لكن حتى إذا لم تكن الحكومة قد صنعت جميع هذه المتغيرات، فإنها تبدو مستفيدة من تزامنها وتعمل على ربطها سياسياً بمفهوم السيادة وحصر السلاح، وهنا تكمن أهمية مفهوم “نزع الذرائع قبل نزع السلاح”، فبدل وضع الدولة أمام خيارين تقليديين، إما قبول استمرار السلاح أو محاولة نزعه بالقوة، تظهر إمكانية ثالثة: تغيير البيئة السياسية التي تمنح استمرار السلاح قابلية للتبرير.

فإذا كان سبب السلاح هو الوجود الأميركي، فيجري ترتيب إخراجه، وإذا كان الوجود التركي، تبدأ معالجة أسبابه ومسار خروجه، وإذا كانت المشكلة حزب العمال الكردستاني، تستعيد الدولة سنجار وتعالج وجود التشكيلات الأجنبية، وإذا كان الاعتراض على القوات الحزبية الكردية، تتحرك عملية توحيد البيشمركة.

عندها لا تكون الدولة قد نزعت السلاح بعد، لكنها تكون قد حاولت نزع الحجج التي تجعل الاحتفاظ به مقبولاً لدى جمهور أوسع من حامليه أنفسهم، وهذا التحول مهم؛ لأن حصر السلاح ليس عملية تقنية لجمع البنادق والصواريخ فقط، وإنما عملية سياسية تتعلق بشرعية من يمتلك حق استخدام القوة.

خامساً: الخطر الكامن: سرعة الحل لا تعني متانته

لكن نقطة قوة المقاربة قد تكون هي نفسها مصدر ضعفها، فالأزمات التي تتحرك الحكومة لمعالجتها ليست ملفات إجرائية يمكن إغلاقها بقرارات إدارية، سنجار والوجود التركي وحزب العمال الكردستاني، والبيشمركة والعلاقة الأمنية بين بغداد وأربيل، كلها ملفات ذات جذور تاريخية وسياسية واجتماعية وإقليمية.

سنجار مثال واضح، فتسليم التشكيلات المسلحة أسلحتها يعالج ازدواج القرار الأمني، لكنه لا يحل تلقائياً أسئلة الإدارة المحلية، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وضمانات المجتمع الإيزيدي، والتنافس بين بغداد وأربيل، أو قدرة المؤسسات الرسمية على ملء الفراغ الأمني بصورة مستدامة، وحتى الإعلان الحكومي عن تسليم سلاح وحدات مقاومة سنجار جاء ضمن نقاش أوسع حول الاستقرار والإعمار ومستقبل السكان.

أما تركيا، فالاتفاق الحالي يتعلق صراحة بمعسكر بعشيقة–زليكان وتسليمه التدريجي، ويربط ذلك بالتقدم الأمني العراقي، ولذلك لا ينبغي توسيع دلالته إلى انسحاب تركي شامل من جميع نقاط الانتشار قبل وجود اتفاقات موثقة بذلك، وهذا يعني أن استمرار نجاح التفاهم سيعتمد على قدرة بغداد على الوفاء بالجزء المقابل من المعادلة: بسط السلطة وإنهاء وجود العناصر المسلحة الأجنبية المحظورة.

وفي ملف البيشمركة فإن إنهاء استقلال الوحدتين 70 و80 عن وزارة البيشمركة يمثل تحولاً مؤسساتياً مهماً، لكنه لا يلغي دفعة واحدة تعقيدات العلاقة الدفاعية بين الإقليم والمركز، بل إن تصريحات مسؤولي الإقليم أنفسهم تصف التوحيد بوصفه أساساً لتعزيز التعاون مع بغداد، وليس نهاية لهذا المسار، إذن، هناك فارق جوهري بين إسقاط المبرر سياسياً وحل المشكلة التي أنتجته استراتيجياً.

سادساً: مفارقة الحكومة: إغلاق جبهة وفتح عدة جبهات

هنا تظهر أخطر مفارقات استراتيجية “نزع الذرائع”؛ تريد بغداد خفض كلفة حصر سلاح الفصائل، لكنها لكي تفعل ذلك تدخل في شبكة التزامات متعددة: مع تركيا، عليها إثبات قدرتها على منع تحول شمال العراق إلى قاعدة لتهديد الأمن التركي، وفي سنجار، عليها ضمان ألا يؤدي تفكيك القوى المسلحة إلى فراغ أمني أو إلى شعور السكان المحليين بفقدان الحماية، ومع إقليم كردستان، عليها إيجاد صيغة تجعل الإصلاح المؤسسي للبيشمركة متوافقاً مع النظام الاتحادي، من دون تحويل حصر السلاح إلى صراع جديد حول صلاحيات الإقليم، ومع الفصائل، عليها إثبات أن إزالة الوجود الأجنبي لا تُنتج فراغاً في الردع أو الدفاع الجوي أو حماية الحدود يمكن استخدامه لتجديد الحاجة إلى السلاح المستقل. وهكذا قد تنتقل الحكومة من مشكلة مركزة هي سلاح الفصائل إلى مجموعة التزامات موزعة جغرافياً وسياسياً.

ولا يعني ذلك أن هذه المعالجات خاطئة، فبسط سلطة الدولة، وتوحيد المؤسسات العسكرية، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي غير المرغوب فيه، كلها ملفات قائمة بذاتها، لكن الخطر يكمن في أن تتحول السرعة المطلوبة لإنجاح ملف السلاح إلى عامل يضغط باتجاه تسويات أقل عمقاً مما تحتاجه الأزمات الأصلية، وعندها تصبح المعادلة معكوسة: بدل “نزع الذرائع قبل نزع السلاح”، قد تنتج الدولة “أزمات مؤجلة مقابل تهدئة عاجلة”.

سابعاً: ما بعد 30 أيلول: اختبار “فجوة التبرير”

يمكن استخدام مفهوم “فجوة التبرير” لفهم المرحلة التالية، هذه الفجوة هي المسافة بين ما تستطيع الدولة توفيره من أمن وسيادة، وبين الوظيفة التي يقول الفاعل المسلح إن سلاحه يؤديها بسبب عجز الدولة، كلما كان الوجود الأجنبي واسعاً، والحدود غير منضبطة، والأجواء مكشوفة، والجماعات الأجنبية المسلحة حاضرة، وتعدد مراكز القيادة واضحاً، كانت مساحة التبرير أكبر. وكلما عالجت الدولة هذه الاختلالات، تقلصت الفجوة.

لكن اختفاء الفجوة لا يعني بالضرورة اختفاء السلاح؛ وهنا تكمن قيمة الاختبار، فإذا عولجت المبررات المحددة، ثم انتقلت شروط الاحتفاظ بالسلاح إلى مبررات جديدة باستمرار، فإن مركز النقاش سيتحول تدريجياً من الأسباب الخارجية للسلاح إلى وظيفته الداخلية في بنية القوة والنفوذ السياسي.

أما إذا بدأت الفصائل بالتخلي عن قدراتها المستقلة أو إدماجها فعلياً في المؤسسات الرسمية مع تحقق الشروط، فإن ذلك سيشير إلى أن معالجة المبررات كانت بالفعل مدخلاً واقعياً لحصر السلاح، لذلك فإن الفترة التالية لـ 30 أيلول ستكون أهم من الموعد نفسه.

ثامناً: ثلاثة مسارات محتملة

المسار الأول: الاحتواء التدريجي، تنجح الحكومة في تحويل التفاهمات الحالية إلى ترتيبات مستدامة؛ يكتمل إنهاء مهمة التحالف، تتقدم ترتيبات سنجار، يبدأ تسليم بعشيقة–زليكان، ويتعزز توحيد المؤسسات الأمنية، عندها تتراجع المبررات المعلنة للسلاح ويصبح دمج القدرات المسلحة أو تسليمها أكثر قابلية للتفاوض، وفي هذا المسار تتجنب الدولة مواجهة مباشرة وتحوّل حصر السلاح إلى عملية سياسية ومؤسساتية طويلة.

المسار الثاني: تدوير المبررات، تتحقق بعض الشروط، لكن النقاش ينتقل إلى شروط أكثر اتساعاً وأقل قابلية للقياس، مثل “السيادة الكاملة”، أو الدفاع الجوي، أو النفوذ السياسي والاقتصادي الخارجي، وهذه الإمكانية موجودة أصلاً في الخطاب المعلن لبعض الفصائل، إذ تتجاوز قائمة الشروط مسألة القوات الأجنبية إلى منظومة واسعة من قضايا السيادة، وفي هذه الحالة لا ينتهي ملف السلاح بزوال مبررات بعينها، بل يتغير الإطار الذي يُبرَّر من خلاله.

المسار الثالث: ارتداد التسويات، ففي حال تتعثر إحدى حلقات المقاربة؛ سواء عودة التوتر في سنجار، أو تباطؤ تنفيذ الاتفاق التركي، أو تظهر صعوبات فعلية في مأسسة البيشمركة، أو تعجز الدولة عن سد فجوات الدفاع والأمن بعد خروج التحالف، عندها تستطيع المبررات القديمة العودة بصورة أقوى، وقد تجد الحكومة نفسها أمام ملف السلاح بالتزامن مع أزمات كانت تعتقد أنها وضعتها على طريق الحل.

طلحة الدوسري

المدير التنفيذي لمركز العراق للدراسات الاستشرافية، وباحث مقيم متخصص في الشؤون الإقليمية والدولية المرتبطة بالعراق. حاصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى