
التاريخ: 1 تشرين الأول 2026
فترة الرصد: 26 أيلول–1 تشرين الأول 2026
إعداد: قسم الرصد – مركز العراق للدراسات الاستشرافية ICFS
المشهد في دقيقة
انتهت مهمة التحالف الدولي وغادرت آخر القوات الأميركية العراق في 30 أيلول، لكن «يوم السيادة» كشف أن الانتقال إلى السيادة الفعلية أكثر تعقيداً من إنهاء وجود عسكري أجنبي.
فالحكومة تسلّمت المسؤولية الكاملة عن مكافحة الإرهاب، ونقلت مهام قيادة العمليات المشتركة إلى مكتب القائد العام، لكنها دخلت المرحلة الجديدة من دون حسم ملف السلاح خارج الدولة، كما امتد مسار معالجة الفصائل إلى منتصف عام 2027، بما يفصل عملياً بين نجاح الحكومة في تنفيذ الانسحاب وقدرتها على توحيد القرار العسكري.
وفي الأسبوع نفسه، صوّت مجلس الوزراء على مشروع قانون جديد للحشد الشعبي، ما يشير إلى أن الاستراتيجية الحكومية تتجه نحو استيعاب القوة المسلحة داخل إطار مؤسسي، لا نزعها بصورة شاملة، وستتوقف قيمة القانون على قدرته على إخضاع التشكيلات للقيادة الرسمية، بدلاً من منحها غطاءً قانونياً مع بقاء استقلالها العملياتي.
اقتصادياً، حققت صادرات المنطقة تعافياً نسبياً، لكن العراق بقي مكشوفاً أمام كلف الشحن واضطراب هرمز والنفوذ المالي الأميركي على عائداته النفطية، وفي ملف الطيران الإيراني، حصلت بغداد على إعفاء أميركي محدود يسمح باستئناف رحلات من النجف، في نموذج يعكس طبيعة التوازن العراقي: الامتثال للضغط الأميركي ثم التفاوض على استثناءات تقلل كلفته الداخلية.
اتجاه الأسبوع هو انتقال العراق من مرحلة الوجود الأجنبي المباشر إلى مرحلة تعمل فيها أدوات النفوذ عبر التسليح والمعلومات والعقوبات والنظام المالي، فيما ينتقل ملف الفصائل من الوعد بنزع السلاح إلى محاولة تنظيمه واحتوائه داخل مؤسسات الدولة.
أولاً: أبرز التطورات المحلية
1. انتهاء مهمة التحالف وانتقال المسؤولية الأمنية
ما حدث: أعلنت الحكومة العراقية في 30 أيلول الانتهاء الرسمي لمهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وأكدت الولايات المتحدة مغادرة آخر قواتها من قاعدة في إقليم كردستان، كما أعلنت بغداد انتقال مهام قيادة العمليات المشتركة إلى مكتب القائد العام للقوات المسلحة، مع استمرار أشكال من التعاون في التدريب وتبادل المعلومات ضمن ترتيبات تختلف عن مهمة التحالف.
الدلالة والانعكاس: حققت الحكومة الإنجاز القانوني والسياسي المرتبط بإنهاء المهمة، لكن الانسحاب لا يعني انتهاء العلاقة الأمنية مع واشنطن أو زوال نفوذها، فالولايات المتحدة تنتقل من الوجود العسكري المباشر إلى أدوات أقل ظهوراً، تشمل المعلومات والتدريب والتسليح والصيانة والضغط المالي، أما نقل قيادة العمليات إلى مكتب القائد العام فيزيد مركزية القرار نظرياً، لكنه يجعل الحكومة مسؤولة بصورة مباشرة عن سد الفجوات الأمنية ومنع عودة داعش، وبذلك لن يُقاس نجاح الانسحاب بخلو القواعد من القوات الأجنبية، بل بقدرة المؤسسات العراقية على العمل من دون اعتماد عملياتي دائم على الخارج.
2. مهلة السلاح تنتهي من دون نزع الفصائل
ما حدث: مرّ موعد 30 أيلول من دون تنفيذ الالتزام السابق بإنهاء السلاح خارج الدولة، وامتد المسار الحكومي لمعالجة الفصائل إلى منتصف عام 2027، فيما بقيت التشكيلات الأقوى متمسكة بقدراتها، مع استعداد بعضها لمناقشة التنظيم وإعادة الارتباط بالمؤسسات الرسمية بدلاً من النزع الشامل.
الدلالة والانعكاس: فصلت الحكومة بين ملفين كانا مرتبطين في خطابها السابق: انسحاب التحالف الذي أمكن تنفيذه باتفاق عراقي–أميركي، وحصر السلاح الذي يحتاج إلى توافق سياسي شيعي وقدرة تنفيذية داخلية، وتكشف المهلة الجديدة أن الدولة تتجه إلى الاحتواء المرحلي وليس إلى نزع السلاح بالقوة، وقد يمنع ذلك صداماً داخلياً، لكنه يمنح الفصائل وقتاً لإعادة توزيع مخازنها وتحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ مؤسسي واقتصادي، وسيكون الفارق حاسماً بين دمج حقيقي ينقل القيادة والتمويل والسلاح النوعي إلى الدولة، ودمج شكلي يغير الصفة القانونية ويبقي القرار العملياتي مستقلاً.
3. قانون الحشد: بناء مؤسسة أم تحصين التشكيلات؟
ما حدث: صوّت مجلس الوزراء على مشروع قانون الحشد الشعبي وأحاله إلى مجلس النواب، وسط دعم من الكتل المرتبطة بالحشد، بالتزامن مع الجدل بشأن مستقبل الفصائل بعد انتهاء مهمة التحالف.
الدلالة والانعكاس: يعكس القانون اختيار الحكومة للمسار المؤسسي بدلاً من الحل الأمني المباشر، فمن الناحية النظرية، يستطيع التشريع توحيد الرواتب والترقيات والتقاعد وسلسلة القيادة، ووضع جميع التشكيلات تحت مرجعية القائد العام، لكن الخطر يكمن في تحويل البنية الحالية، بما تتضمنه من ولاءات وشبكات اقتصادية وقيادات ميدانية، إلى وضع قانوني دائم من دون إعادة هيكلتها، ولذلك لا تُقاس قوة القانون بعدد المواد التنظيمية، بل بقدرته على منع أي لواء من تلقي أوامر أو تمويل أو توجيه خارج القيادة العراقية، وإذا لم يحسم ذلك، فقد يصبح القانون أداة لتنظيم التعدد المسلح لا لإنهائه.
4. إعفاء محدود يعيد الرحلات الإيرانية عبر النجف
ما حدث: حصل العراق على إعفاء أميركي لمدة شهر يسمح للخطوط الجوية العراقية باستئناف رحلات محدودة إلى إيران انطلاقاً من مطار النجف خلال تشرين الأول، بعد تعليق الرحلات الإيرانية في بغداد والنجف وأربيل والسليمانية، واشترطت الترتيبات تدقيق المسافرين وتبادل المعلومات ومنع نقل الأسلحة والأموال والأشخاص الخاضعين للعقوبات.
الدلالة والانعكاس: يظهر الإعفاء أن بغداد لا تستطيع رفض العقوبات الأميركية، لكنها تستطيع التفاوض لتقليل آثارها الداخلية، كما يكشف اختيار النجف حساسية الملف الدينية والاجتماعية، لأن وقف حركة الزائرين والطلاب والمرضى كان سيولد اعتراضاً لا يقتصر على القوى الموالية لإيران، وفي المقابل، منحت شروط الرقابة واشنطن حضوراً غير مباشر في إدارة جزء من حركة الطيران العراقية، وإذا التزمت بغداد بالضوابط، فقد يتحول الإعفاء إلى ترتيب أطول؛ أما إذا استُخدمت الرحلات لنقل أموال أو أفراد خاضعين للعقوبات، فقد يمتد الضغط إلى المطارات والشركات العراقية نفسها.
5. كركوك تختبر الجاهزية بعد الانسحاب
ما حدث: شهد شمال كركوك اشتباكات وعمليات أمنية ضد خلايا لتنظيم داعش، إلى جانب اعتقال جهاز مكافحة الإرهاب ثلاثة متهمين بالانتماء إلى التنظيم في السليمانية، وجاءت هذه العمليات في الأيام الأخيرة قبل انتقال المسؤولية الأمنية الكاملة إلى القوات العراقية.
الدلالة والانعكاس: لا يمتلك داعش حالياً القدرة التي ظهر بها عام 2014، لكنه يحتفظ بخلايا ومسارات حركة في مناطق الفراغ بين القوات الاتحادية والبيشمركة، وتكمن الخطورة بعد انسحاب التحالف في احتمال تراجع سرعة الدعم الجوي والاستخباري، لا في نقص أعداد القوات العراقية، ولهذا يتوقف نجاح المرحلة الجديدة على تبادل المعلومات بين بغداد وأربيل وإغلاق الفراغات في المناطق المتنازع عليها، وإذا استمر التنافس المؤسسي بين الطرفين، فستظل الجغرافيا الفاصلة بينهما البيئة الأكثر ملاءمة لإعادة تنظيم الخلايا.
ثانياً: أبرز التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق
6. تعافي صادرات النفط لا يلغي هشاشة المالية العراقية
ما حدث: ارتفعت صادرات النفط من المنتجين الرئيسيين في الشرق الأوسط خلال أيلول إلى نحو 16.3 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب في شباط، مع تحسن نسبي في حركة الملاحة وزيادة الشحنات السعودية والإماراتية، ومع ذلك بقيت الصادرات الإقليمية أقل بنحو 3.2 ملايين برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب.
الدلالة والانعكاس على العراق: يمنح التعافي العراق متنفساً مالياً، لكنه لا يعيد وضعه النفطي إلى طبيعته، فاستمرار التصدير يعتمد على ناقلات مكلفة وتأمين مرتفع وخصومات تجارية، فيما يبقى الاقتصاد معرضاً للانكماش بسبب اعتماده شبه الكامل على النفط، وقد يبيع العراق كميات أكبر بسعر عالمي مرتفع، لكنه يحصل على صافي عائد أقل بعد احتساب كلفة الوصول إلى الأسواق، لذلك لا ينبغي قياس التحسن بحجم الشحنات وحده، بل بقيمة البرميل التي تصل فعلياً إلى الخزينة وقدرة الحكومة على حماية الإنفاق الاستثماري بعد تأمين الرواتب.
7. خروج القوات لا ينهي النفوذ الأميركي على أموال النفط
ما حدث: تزامن الانسحاب مع تجدد النقاش بشأن الآلية التي تمر عبرها عائدات النفط العراقية بالدولار، والدور الذي يؤديه الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في إدارة التحويلات والسيولة وتدقيق التعاملات، وتمنح هذه الآلية واشنطن نفوذاً مهماً على النظام المالي العراقي رغم انتهاء وجودها العسكري.
الدلالة والانعكاس على العراق: انتقل مركز الثقل الأميركي من القاعدة العسكرية إلى القناة المالية، فالعراق يملك عائداته قانونياً، لكن حاجته إلى الدولار واستقرار سعر الصرف واستمرار التحويلات تجعله شديد التأثر بالقرارات الأميركية، وهذا يفسر امتثاله لعقوبات الطيران والمصارف، ثم تفاوضه على استثناءات محدودة، ولا تعني السيادة الاقتصادية الانفصال عن النظام المالي الدولي، بل تقليل قدرة أي طرف على تحويل الوصول إلى أموال العراق إلى أداة ضغط، غير أن تحقيق ذلك يحتاج إلى إصلاح مصرفي وزيادة الإيرادات غير النفطية وتنويع أدوات التسوية، لا إلى قرارات رمزية قد تهدد الاستقرار النقدي.
8. واشنطن وطهران تتبادلان الردود والعراق ينتظر هرمز
ما حدث: أكدت إيران تلقي رد أميركي رسمي على مقترحها لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، من دون إعلان تفاصيله، وجاء ذلك بعد اتصالات غير مباشرة ووساطات قطرية، فيما بقيت أسعار النفط مرتفعة رغم التعافي الجزئي لحركة الصادرات.
الدلالة والانعكاس على العراق: يمثل فتح هرمز أهم مصلحة اقتصادية عراقية عاجلة، لكن بغداد ليست طرفاً مقرراً في المفاوضات التي تتحكم بإيراداتها، تريد إيران الاحتفاظ بالمضيق ورقة ضغط، بينما تسعى واشنطن إلى استعادة الملاحة من دون منح طهران مكسباً استراتيجياً، ويعني استمرار الفتح الجزئي أن العراق سيتجنب انهيار صادراته، لكنه سيواصل دفع كلفة عالية للنقل والتأمين، أما التوصل إلى تسوية، فسيوفر للحكومة مساحة مالية وأمنية أوسع لمعالجة ملف السلاح، في حين قد يدفع فشلها إيران إلى زيادة اعتمادها على الشبكات العراقية لمواجهة الضغط.
الصورة الكلية
حسم العراق هذا الأسبوع الجزء الأسهل نسبياً من معادلة السيادة: إنهاء مهمة عسكرية أجنبية وفق اتفاق وجدول زمني، لكنه دخل مباشرة في الجزء الأصعب، وهو إثبات أن الدولة أصبحت الجهة الوحيدة التي تملك قرار استخدام القوة وتتحمل مسؤولية الأمن والحدود والعلاقات مع الجوار.
وتكشف التطورات أن الحكومة اختارت تجنب الصدام مع الفصائل واعتماد التنظيم القانوني والاحتواء التدريجي، وقد يكون هذا الخيار واقعياً في ضوء موازين القوى، لكنه يحمل خطر تثبيت الجماعات داخل مؤسسات الدولة من دون تفكيك استقلالها، وسيصبح قانون الحشد والمهلة الممتدة إلى 2027 معيارين للحكم على المسار: هل يؤديان إلى قيادة واحدة، أم يمنحان الوقت والشرعية لإعادة إنتاج التعدد المسلح؟
أما الولايات المتحدة، فلم تخرج من العراق بمعنى فقدان التأثير، لقد أغلقت مرحلة القواعد والقوات، لكنها احتفظت بأدوات التدريب والمعلومات والتسليح والعقوبات والنظام المالي، وهذا يجعل علاقة ما بعد التحالف أقل عسكرية في مظهرها، لكنها قد تكون أكثر اتصالاً بالقرار الاقتصادي والمؤسسي.
إقليمياً، يبقى استقرار العراق مرتبطاً بمسار الحرب الأميركية–الإيرانية، فنجاح التسوية حول هرمز سيخفف الضغط على الموازنة ويضعف مبررات الاحتفاظ بالسلاح تحت عنوان الخطر الإقليمي، بينما سيؤدي استمرار الحرب إلى إبقاء العراق ساحة عبور اقتصادي ومالي وربما عسكري.
والنتيجة أن 30 أيلول لم يكن اكتمالاً للسيادة، بل انتقالاً من سيادة تُقاس بخروج القوات الأجنبية إلى سيادة تُقاس بقدرة الدولة على السيطرة على السلاح والمال والحدود والقرار.



