
إعادة السياسة تجاه إيران إلى مسارها الصحيح
رغم النتائج المحدودة للحرب، أظهرت المواجهة أن عدداً من شركاء الولايات المتحدة في المنطقة قادرون ومستعدون لتحمل حصة أكبر من عبء حماية المصالح المشتركة، لكن ذلك يتطلب تخطيطاً أميركياً أكثر دقة وتعاوناً
بقلم: مايكل سينغ
المصدر: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
التصنيف: تحليل سياسات – مقالات وآراء.
تاريخ النشر الأصلي: صيف – 2026.
نُشر أيضاً في: معهد رونالد ريغان.
ترجمة: مركز العراق للدراسات الاستشرافية.
شهد النصف الأول من عام 2026 تحولاً حاداً في مقاربة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وإن كان ربما تحولاً قصير الأمد. ففي أعقاب حربي العراق وأفغانستان، اللتين اعتبرهما الأميركيون باهظتي الكلفة وغير ناجحتين، تردد الرئيسان دونالد ترامب وجو بايدن في تكرار أخطاء تلك التجارب، لكن هذا التردد ظهر لدى كل منهما بطريقة مختلفة.
احتفظ بايدن بالنزعة الأخلاقية التي طبعت الحقبة السابقة، لكنه ابتعد عن اعتمادها على القوة العسكرية. أما ترامب فرفض هذه النزعة لمصلحة تصور أضيق للمصلحة الذاتية الأميركية، مع مواصلته استخدام القوة بصورة محدودة، كما حدث في اليمن مطلع عام 2025 أو في إيران في حزيران/يونيو من العام نفسه.
ولم تكن هذه التحولات مدفوعة فقط بالخوف من تكرار أخطاء الإدارات السابقة، بل استندت أيضاً إلى تصور مفاده أن للولايات المتحدة مصالح أقل في الشرق الأوسط، وأن المنطقة أصبحت أكثر هدوءاً وأقل عرضة للصراع مما كانت عليه في السابق.
وفي عام 2023، وقبل هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر، كتب مستشار الأمن القومي الأميركي آنذاك جيك سوليفان أن الشرق الأوسط، رغم استمرار تحدياته المزمنة، أصبح «أكثر هدوءاً مما كان عليه منذ عقود».
وبالمثل، أكدت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب لعام 2025 أن الصراع لا يزال الديناميكية الأكثر إشكالية في الشرق الأوسط، لكنها أضافت أن حجم هذه المشكلة أصبح أقل مما قد توحي به عناوين الأخبار.
مجتمعةً، أنتجت هذه الدوافع والتقديرات سياسة أميركية أكثر تحفظاً وعلى مدى أطول تجاه المنطقة مقارنة بالعقود السابقة.
شهد العقد بين عامي 2016 و2026، بحسب الكاتب، تطبيقاً ناجحاً للدبلوماسية أسفر عن اتفاقات أبراهام، واستخداماً محسوباً للقوة أسهم في الدفاع عن إسرائيل وشركاء أميركيين آخرين بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفي إضعاف البرنامج النووي الإيراني عام 2025، إلى جانب ممارسة قدر من الصبر الاستراتيجي ساهم في نهاية المطاف في سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
كما شهدت هذه السنوات جهوداً من الحزبين الأميركيين لإشراك دول الخليج في العمل مع الولايات المتحدة ضمن مبادرات عالمية تخدم المصالح المشتركة، مثل تأمين الاستثمارات التكنولوجية وسلاسل التوريد وتطوير مصادر الطاقة المتجددة.
ورغم تعرض المصالح الأميركية لانتكاسات، بدأت واشنطن تنظر تدريجياً إلى الشرق الأوسط بوصفه مصدراً للفرص، لا للمشكلات وحدها، وإلى دول المنطقة باعتبارها شركاء، لا مجرد موضوعات للسياسة الأميركية.
الحرب مع إيران
يرى الكاتب أن هذه النجاحات جعلت قرار الرئيس ترامب شن حرب ضد إيران في شباط/فبراير 2026 أكثر إثارة للاستغراب.
فمن خلال ذلك، اقترب ترامب من إعادة إنتاج مراحل سابقة من السياسة الأميركية في المنطقة، ارتبطت بأفكار المحافظين الجدد بشأن نشر الديمقراطية عبر التدخل العسكري، كما حدث في العراق وأفغانستان، أو بمبدأ «مسؤولية الحماية» للمدنيين من الأنظمة القمعية، كما حدث في ليبيا.
ويرى الكاتب أن تلك الحروب افتقرت أساساً إلى المنطق الاستراتيجي، إذ لم يكن من الممكن التوفيق بين أهدافها والوسائل التي كانت الولايات المتحدة مستعدة أو قادرة على تخصيصها لتحقيقها.
وفي محاولة تحقيق طموحات واسعة بكلفة محدودة، ولّدت هذه الحروب مشكلات إضافية، مثل التمرد في العراق أو تفكك ليبيا.
وربما مع استحضار هذه النماذج، سعت إدارة ترامب إلى إنهاء الصراع مع إيران بسرعة. لكن ترامب، على غرار أسلافه، واجه معضلتين: الأولى مشكلة غير متوقعة أوجدتها الحرب نفسها، وهي إغلاق إيران لمضيق هرمز؛ والثانية الحاجة السياسية إلى تبرير التكاليف التي تكبدتها الولايات المتحدة بالفعل، خصوصاً استنزاف الموارد العسكرية وارتفاع أسعار الطاقة والتكاليف الأخرى.
ويرجح الكاتب أن إدارة ترامب اعتبرت مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية الموقعة في 17 حزيران/يونيو الخيار الأقل كلفة لمعالجة هاتين المعضلتين.
وكانت المذكرة، في جوهرها، صفقة تبادلية: بدت إيران موافقة على إعادة فتح مضيق هرمز، مع احتفاظها بحق فرض رسوم على المرور مستقبلاً، مقابل حوافز اقتصادية من الولايات المتحدة شملت تخفيف العقوبات والتعهد بالإفراج عن جزء على الأقل من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
وأُضيف إلى ذلك اتفاق على السعي، خلال مهلة طموحة مدتها 60 يوماً، إلى التوصل إلى «اتفاق نهائي» يتضمن تخفيفاً اقتصادياً شاملاً مقابل تنازلات نووية من إيران.
ويرى الكاتب أن هذا الجزء ربما كان غطاءً سياسياً يسمح لكل طرف بتقديم مذكرة التفاهم والحرب إلى جمهوره الداخلي بوصفهما انتصاراً. لكن النتيجة في الولايات المتحدة جاءت عكس ذلك، إذ بدا الاتفاق منحازاً إلى إيران بدرجة جعلت مذكرة التفاهم تُقدَّم داخلياً باعتبارها تنازلاً أميركياً.
ومع ذلك، سرعان ما انتهكت إيران الاتفاق، ربما لأنها أدركت، بحسب تفسير الكاتب، رغبة واشنطن في طي صفحة الحرب.
تحديات وفرص ما بعد الحرب
يرى الكاتب أن الصراع مع إيران بين آذار/مارس وحزيران/يونيو 2026 لم يحقق الكثير للولايات المتحدة، خصوصاً عند مقارنته بالتكاليف التي ترتبت عليه.
وشملت تلك التكاليف الخسائر البشرية لدى الطرفين، والاستنزاف الكبير للذخائر التي يصعب تعويضها، وتراجع الضغط على روسيا، وإضعاف حلف الناتو نتيجة غضب ترامب من الحلفاء الأميركيين بسبب فتور دعمهم للحرب، إضافة إلى تراجع المصداقية الأميركية في المنطقة وخارجها.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن الإنجاز الأبرز لولاية ترامب الثانية، والذي تحقق إلى حد كبير في حزيران/يونيو 2025، تمثل في إضعاف البرنامج النووي الإيراني وخفض مستوى التهديد الذي يمثله إلى أدنى مستوى له خلال القرن الحادي والعشرين.
ولهذا يعتبر استعداد إدارة ترامب لمقايضة ما تبقى من العقوبات الأميركية على إيران مقابل تنازلات نووية محدودة أمراً مثيراً للتساؤل، ولا سيما أن الصراع الأخير، بحسب تقديره، أظهر أن الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكة الوكلاء الإيرانيين أصبحت تمثل حالياً تهديداً أكبر للمصالح الأميركية والاستقرار الإقليمي.
نظام إيراني متشدد ومنهك
ألحقت الضربات الأميركية والإسرائيلية أضراراً كبيرة بقيادة النظام الإيراني، وقد لا يتضح إلا بعد الحرب من يقود إيران فعلياً، ومدى رسوخ سيطرته، والموقف الذي سيتخذه تجاه الولايات المتحدة.
ولا يستبعد الكاتب أن ينزلق النظام إلى صراعات داخلية، أو أن يعود الإيرانيون إلى الشارع لتحدي سلطته. لكنه يرى أنه من المعقول الافتراض، على الأقل لبعض الوقت، أن أعضاء النظام الذين نجوا من الحرب سيكونون أكثر ميلاً إلى استخدام القوة من أسلافهم.
ويتوقع أن يسعوا إلى إعادة بناء عناصر أساسية من القوة الإيرانية، وفي مقدمتها شبكة الوكلاء، والقوة الصاروخية، والقدرات النووية.
ومن ثم، فإن انتهاء الحرب لن يعني انتهاء الحاجة إلى تركيز أميركي مكثف على إيران، بما يشمل ممارسة الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على النظام، والمراقبة الدقيقة للمواقع والأنشطة النووية والصاروخية، وتقديم دعم أكبر للشعب الإيراني.
ويرى الكاتب أن مواجهة هذه التهديدات تستوجب تجنب اتفاق نووي تتخلى فيه الولايات المتحدة عن أقوى أدواتها للضغط مقابل تنازلات نووية محدودة نسبياً من طهران.
استمرار التهديد لحرية الملاحة
بعد أن نجح النظام الإيراني، وفق تقدير الكاتب، في إغلاق مضيق هرمز عبر الردع، قد يستمر في تهديد السفن التجارية والقطع البحرية التي تحاول المرور عبر هذا الممر.
وقد يلجأ الحوثيون في اليمن بصورة دورية إلى النهج نفسه في مضيق باب المندب.
ويرى الكاتب أن القضاء بصورة كاملة على التهديد الهجومي الذي يمثله الطرفان أمر غير عملي، بسبب الانتشار الواسع للصواريخ والطائرات المسيّرة التي يستخدمانها لتحقيق الردع.
ولذلك، يرى أن التعامل مع هذه التهديدات يحتاج إلى مزيج من الوجود العسكري، وتحسين الدفاعات المضادة للصواريخ والطائرات المسيّرة، والعمل الدبلوماسي.
كما يدعو الولايات المتحدة إلى التمسك بمبدأ حرية الملاحة عبر هذه الممرات البحرية، بصرف النظر عن أي اتفاق قد تبرمه دول الخليج العربية مع طهران، وإلى نشر تحالف بحري متعدد الأطراف في المنطقة لإظهار وجود دعم دولي واسع لهذا المبدأ.
شراكات متصدعة
يتوقع الكاتب أن تسهم ثلاثة عوامل في زيادة صعوبة إدارة منظومة الشراكات الأميركية في الشرق الأوسط: الاستياء من الطريقة التي أدارت بها الولايات المتحدة الحرب مع إيران، وتصاعد التنافس بين دول الخليج، وتزايد الاستياء الشعبي داخل الولايات المتحدة من إسرائيل.
ولا يرى وجود مقاربة واحدة قادرة على معالجة جميع هذه المشكلات، لكنه يعتبر أن اتباع نهج أميركي أكثر ثباتاً وتعاوناً في التعامل مع الشركاء بشأن المصالح المشتركة، إلى جانب توضيح فوائد هذا الانخراط للرأي العام الأميركي، يمثل نقطة بداية مهمة.
وعلى الرغم من النتائج المحدودة للحرب، فإنها، في نظر الكاتب، أعادت إظهار الأهمية المستمرة للشرق الأوسط بالنسبة إلى المصالح الأميركية، وأثبتت أن الشركاء الأميركيين في المنطقة قادرون، وفي كثير من الحالات مستعدون، لتحمل نصيب أكبر من عبء حماية تلك المصالح.
ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والسعودية شاركت في عمليات هجومية مهمة داخل إيران، فيما شارك عدد أكبر من الدول في جهود الدفاع ضد الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
فرص المرحلة المقبلة
يرى الكاتب أن المنطقة لا تزال توفر فرصاً واضحة أمام الولايات المتحدة، من بينها بناء أو تعزيز حكومات في لبنان وسوريا تكون أكثر تقارباً مع واشنطن، ومواصلة تطوير قدرات الشركاء الأميركيين وتعزيز التعاون بينهم.
لكن اغتنام هذه الفرص يتطلب، بحسب سينغ، قيادة أميركية متزنة، واستعداداً لأخذ مصالح الشركاء ووجهات نظرهم في الاعتبار، وقبل كل شيء عملية أكثر دقة في تخطيط السياسات، تضمن التوافق بين الأهداف والوسائل المتاحة لتحقيقها.
عن الكاتب: مايكل سينغ هو المدير التنفيذي وزميل ستيفن دي. ليفي الأول في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وقد نُشرت المقالة في الأصل ضمن المجلد السابع من سلسلة «مستقبل الأممية المحافظة» الصادرة عن معهد ريغان.
المصدر الأصلي:
Getting Iran Policy Back on Track
Michael Singh – The Washington Institute for Near East Policy
تنويه تحريري: هذه المادة ترجمة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وتعكس توصيفات الكاتب وتحليلاته وتقديراته، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف مركز العراق للدراسات الاستشرافية.


