ترجمات

كيف يتكيّف العراق مع تداعيات الحرب على إيران؟

📄 ترجمات | مركز العراق للدراسات الاستشرافية

بقلم: إميل أفدالياني، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأوروبية بمدينة تبليسي في جورجيا، وباحث متخصص في تاريخ ومسارات طريق الحرير
المصدر: معهد ربدان للأمن والدفاع (RSDI)
ترجمة: مركز العراق للدراسات الاستشرافية
تاريخ النشر الأصلي: 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026

وجد العراق نفسه، خلال العام الماضي، في وضع أمني ولوجستي بالغ الصعوبة، في ظل حالة عدم الاستقرار التي تحيط بمعظم حدوده تقريباً. فمن جهة الغرب، تكافح الحكومة السورية، برئاسة أحمد الشرع، لاستعادة السيطرة على كامل أراضي البلاد. أما على الحدود الشرقية والجنوبية، فيواجه العراق تداعيات الحرب المستمرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز. كما تصاعد التوتر مع السعودية على خلفية إطلاق طائرات مسيّرة استهدفت منشآت داخل المملكة.

وبالنظر إلى الاضطرابات التي تشهدها دول مجاورة عدة، وجد العراق نفسه مضطراً إلى إعادة النظر في موقعه الجيوسياسي داخل المنطقة. ومع الحصار المفروض على مضيق هرمز، الذي يمثل المنفذ الرئيسي لصادرات النفط العراقية، بات على بغداد البحث عن مسارات بديلة لتصدير نفطها. وفي هذا السياق، برز مساران محتملان عبر سوريا وتركيا. وتعكس سرعة المفاوضات التي أجرتها بغداد مع دمشق وأنقرة مدى إلحاح هذه المسألة.

في آب/أغسطس، وقّع العراق وسوريا مذكرة تفاهم لإعادة إنشاء خط أنابيب النفط الخام العراقي–السوري. وكان الخط الأصلي قد أُنشئ خلال ثمانينيات القرن الماضي، لكنه تعرض لأضرار جسيمة جراء الحروب التي شهدها البلدان خلال العقدين الأول والثاني من الألفية الجديدة. ومن المقرر أن يمتد الخط الجديد من منطقة كركوك الغنية بالنفط إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط.

وفي الشهر نفسه، وقّعت شركة خطوط الأنابيب التركية «بوتاش» اتفاقاً لمدة عام واحد لنقل النفط الخام مع شركة تسويق النفط العراقية «سومو» وشركة نفط الشمال. ويخصص الاتفاق للشركتين العراقيتين طاقة نقل تبلغ 750 ألف برميل يومياً، بالتزامن مع تفاوض الحكومتين على إطار طاقة أكثر شمولاً وأطول أمداً.

وكان منظومة خطوط الأنابيب العراقية–التركية، التي تربط شمال العراق بميناء جيهان على البحر المتوسط، قائمة قبل الحرب الحالية بمدة طويلة، إلا أن أهميتها تغيرت جذرياً. فقد ارتبط هذا المسار سابقاً بصورة رئيسية بإنتاج كركوك وصادرات إقليم كردستان، فيما تنظر بغداد إليه اليوم، على نحو متزايد، بوصفه منفذاً استراتيجياً وطنياً يمكن أن ينقل مستقبلاً النفط الخام المنتج في نطاق أوسع بكثير من الأراضي العراقية.

ولا تقتصر النقاشات على البنية التحتية الخاصة بتصدير النفط، بل تشمل أيضاً مشاريع كبرى أخرى. فقد تحقق تقدم مهم في مشروع «طريق التنمية»، الذي يُفترض أن يمتد من منطقة الخليج إلى تركيا عبر الأراضي العراقية. وتُقدّر كلفة المشروع بنحو 17 مليار دولار، ولا يقتصر هدفه على تحويل العراق إلى مركز إقليمي للعبور، بل يتطلع إلى نقله من دولة شديدة الاعتماد على صادرات النفط ومثقلة بعدم الاستقرار الداخلي إلى جسر لوجستي يربط آسيا والخليج بأوروبا.

تعثرت المحاولات السابقة لتنفيذ طريق التنمية، غير أن الظروف الجيوسياسية المختلفة التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم قد تجعل المحاولة الحالية أكثر قابلية للنجاح. فمع ظهور طرق تجارية جديدة في المنطقة، تخشى أنقرة أن تجد نفسها خارج منظومات الربط الآخذة في التشكل، وهو ما يدفعها إلى العمل بقوة أكبر لإنجاز المشروع.

ومن الأمثلة على ذلك «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا»، الذي طُرح في أيلول/سبتمبر 2023 بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الرئيسية في الشرق الأوسط، فيما استُبعدت تركيا من إطاره الأولي.

ونتيجة لذلك، وقّع العراق وتركيا وقطر والإمارات، في نيسان/أبريل 2024، مذكرة تفاهم رباعية بشأن مشروع طريق التنمية، خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العراق. وفي تموز/يوليو الماضي، اتفق الجانبان العراقي والتركي، خلال زيارة رفيعة المستوى أجراها مسؤولون عراقيون إلى أنقرة، على بدء العمل في المشروع، ووقّعا مجموعة من الاتفاقيات شملت التجارة والتمويل والبنية التحتية.

وعلى الرغم من تسارع الزخم المحيط بتحول موقع العراق الجيوسياسي، فإن التكيف الفعلي مع الواقع الجديد سيحتاج إلى وقت، لأن إنشاء البنى التحتية البديلة ليس عملية سريعة. فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن إعادة إنشاء خط الأنابيب المتجه إلى سوريا قد تستغرق ما يصل إلى أربعة أعوام، كما ستعتمد على استقرار الوضع الأمني واستمرار تدفق التمويل إلى المشروع من دون انقطاع.

وتزداد المسألة تعقيداً لأن المشروع يتطلب إنشاء خط أنابيب جديد بالكامل، إذ إن أجزاءً من الخط القديم لم تعد متوافقة مع معايير السلامة الحديثة. وحتى إذا أُنجز الخط، تبقى هناك مشكلة تفرضها جغرافيا الإنتاج العراقي؛ إذ تتركز إمكانات النمو الرئيسية في الحقول الجنوبية المحيطة بالبصرة، بينما تقع طرق التصدير عبر سوريا وتركيا في شمال البلاد. ومن ثم، تتمثل المعضلة في كيفية نقل نفط الجنوب إلى الشمال.

وقد بدأت بغداد بالفعل اختبار حلول لهذه المشكلة. ففي أيلول/سبتمبر، أجرت تجربة لنقل النفط الخام بالشاحنات من الحقول الجنوبية إلى منشآت التخزين في كركوك، تمهيداً لتصدير كميات إضافية عبر تركيا. ونقلت التجربة نحو 38 ألف برميل خلال يومين.

في المقابل، بقيت التدفقات عبر ميناء جيهان في حدود 200 ألف برميل يومياً، وهو ما يكشف في الوقت نفسه إمكانات هذا المسار والفجوة الواسعة بين مستوى التشغيل الحالي والطموحات الاستراتيجية لبغداد.

ويواجه مشروع طريق التنمية هو الآخر مجموعة من العقبات. فقد تكيفت دول الخليج مع الواقع الإقليمي الجديد الذي أعقب الحرب على إيران، وبدأت الاستثمار في خطوط أنابيب ومسارات تجارية بديلة تقلل اعتمادها على مضيق هرمز. كما يواجه المشروع العراقي تحديات جيوسياسية أوسع.

وعلى الرغم من محاولة بغداد تقديم طريق التنمية بوصفه مشروعاً شاملاً لا يستبعد أي طرف، بما في ذلك من خلال خط السكك الحديد المقترح بين البصرة والشلامجة مع إيران، فإن تنفيذه سيتطلب إدارة دقيقة لعلاقات العراق مع جيرانه.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء هشاشة العلاقات الحالية بين إيران وعدد من دول الخليج، فضلاً عن التنافس بين مشاريع الربط الإقليمي المختلفة. وتوضح المبادرات التركية في جنوب القوقاز، على سبيل المثال، كيف يمكن لأولويات البنية التحتية المتنافسة أن تزيد تعقيد شبكات الترابط الإقليمي. ومن ثم، ستظل إدارة هذه المصالح المتداخلة تحدياً مهماً أمام بغداد.

وخلاصة القول إن الحرب على إيران جعلت تنويع طرق التصدير أولوية من أولويات الأمن القومي العراقي. وأصبحت استجابة بغداد أكثر وضوحاً: فبدلاً من تعليق آمالها على إعادة فتح مضيق هرمز، تسعى إلى بناء شبكة من المسارات البديلة تقلل اعتمادها على هذا الممر البحري الحيوي.

وبذلك، يتحول تنويع طرق التجارة والتصدير إلى سمة رئيسية في مقاربة العراق للبنية التحتية والتنمية الاقتصادية. ورغم أن استكمال طريق التنمية سيستغرق أعواماً، فإن المبررات الاستراتيجية التي تقف خلفه ستظل قائمة على الأرجح بعد انتهاء الأزمة الحالية.

المصدر الأصلي:
How Iraq Is Adjusting to the Effects of the Iran War – RSDI

مقال تحليلي مترجم؛ الآراء والاستنتاجات والتقديرات الواردة فيه تعود إلى الكاتب، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف المركز. ترتبط الإشارات الزمنية في النص بتاريخ نشر المقال الأصلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى