
الدولة تختبر حدود سيطرتها: إعادة ترتيب السلاح والاقتصاد في بيئة إقليمية مضطربة
الحالة العراقية الأسبوعية
فترة الرصد: 24–30 تشرين الأول 2026
إعداد: قسم الرصد – مركز العراق للدراسات الاستشرافية ICFS
المشهد في دقيقة
تركزت تحولات الأسبوع حول سؤالين مترابطين: إلى أي مدى تستطيع الدولة فرض سلسلة قيادة واحدة على القوى المسلحة؟ وهل تستطيع تقليل اعتماد الاقتصاد العراقي على مورد واحد وممر تصدير واحد؟
في سنجار، بدأت الحكومة إنهاء الوضع العسكري المستقل لوحدات مقاومة سنجار ووحدات المرأة الإيزيدية، ودمج 4,165 عنصراً في وزارتي الدفاع والداخلية، بالتزامن مع تسلّم القوات الاتحادية مواقع كانت خاضعة لهذه التشكيلات. تمثل الخطوة أول تطبيق ملموس لمفهوم حصر السلاح خلال المرحلة الجديدة، لكنها لا تعني انتقال الملف تلقائياً إلى الفصائل الأكبر؛ فميزان القوة في سنجار يختلف جذرياً عن بغداد، حيث تمتلك الجماعات المسلحة النافذة تمثيلاً سياسياً وموارد اقتصادية وامتدادات مؤسسية وقدرات نوعية.
وفي العاصمة، كشف اعتراض طائرات مسيّرة مجهولة قرب المنطقة الخضراء أن الدولة قد تستعيد المواقع من جماعة معلومة في الأطراف، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في تحديد الجهات القادرة على تشغيل أدوات استطلاع جوي في قلب مركز الحكم. ولم تثبت التحقيقات مسؤولية جهة بعينها، إلا أن الحادث أعاد طرح قضية السيطرة على المجال الجوي ومنظومات الطائرات المسيّرة بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي.
اقتصادياً، تجاوزت صادرات النفط 3.4 ملايين برميل يومياً، وتحسنت الاحتياطيات الأجنبية إلى قرابة 80 مليار دولار. لكن التعافي بقي مرتبطاً بأسعار النفط واستمرار الملاحة عبر الخليج، بينما ظل الدولار في السوق الموازية أعلى من السعر الرسمي. ولهذا لم تكن خطط شراء ناقلات عراقية وإحياء النقل البحري والبحث في تأهيل خط كركوك–بانياس مشروعات منفصلة، بل أجزاء من محاولة لتقليل هشاشة منظومة التصدير.
إقليمياً، اتجهت بغداد نحو دمشق وعمّان لبناء عمق أمني وتجاري غربي. غير أن المسافة ما تزال كبيرة بين الاتفاق السياسي والقدرة التشغيلية؛ فخط بانياس يحتاج إلى تأهيل وتمويل وضمانات أمنية، واتفاقات الأردن تحتاج إلى مشروعات وربط فعلي. وبذلك شهد الأسبوع تحسناً في إدارة المخاطر، من دون حدوث تغيير حاسم في مصادرها.
أولاً: أبرز التطورات المحلية
1. دمج وحدات سنجار: انتقال من التفاهم إلى التنفيذ
ما حدث: بدأت الحكومة تنفيذ اتفاق يقضي بإنهاء الصفة العسكرية المستقلة لوحدات مقاومة سنجار ووحدات المرأة الإيزيدية، ودمج 4,165 عنصراً في وزارتي الدفاع والداخلية. وتسلّمت القوات الاتحادية مواقع في جبل سنجار، بينها مواقع ذات أهمية ميدانية، فيما شُكلت لجان لتوزيع الأفراد والأسلحة والواجبات.
الدلالة والانعكاس: تختلف هذه الخطوة عن إجراءات الاحتواء السابقة؛ لأنها تتناول المواقع والقيادة والمسؤولية الأمنية، وليس تسجيل الأفراد أو تبديل أسماء التشكيلات فقط. لكنها تظل أقرب إلى الدمج المنظم منها إلى نزع السلاح، ويتوقف أثرها الحقيقي على طريقة التنفيذ: توزيع العناصر داخل تشكيلات اتحادية وسلسلة أوامر موحدة يعني تفكيك الوضع السابق، أما إبقاؤهم ضمن وحدات متماسكة وبقياداتهم القديمة فيعني إعادة تغليف البنية نفسها بصفة رسمية.
2. نموذج سنجار لا يحسم ملف الفصائل النافذة
ما حدث: تزامن تنفيذ اتفاق سنجار مع استمرار النقاش بشأن حصر سلاح الفصائل الأخرى، من دون إعلان برنامج تنفيذي شامل يتناول السلاح النوعي والمخازن والتمويل والاتصالات والقرار العملياتي. ولا تزال القوى السياسية الأقرب إلى الفصائل تميل إلى مفردات «التنظيم» و«الاحتواء» بدلاً من النزع المباشر.
الدلالة والانعكاس: تمكنت الحكومة من التحرك في سنجار لأن التشكيلات المعنية محدودة النفوذ في بغداد، وتواجه ضغوطاً عراقية وإقليمية، ولا تمتلك كتلاً برلمانية أو شبكات اقتصادية تضاهي الفصائل الكبرى. أما الجماعات النافذة فتعمل داخل الدولة وخارجها في الوقت نفسه، ما يجعل التعامل معها تفاوضاً على النفوذ لا إجراءً أمنياً صرفاً. والمسار الأرجح هو تقليص المظاهر المسلحة وإعادة تنظيم بعض التشكيلات مع تأجيل السلاح النوعي؛ وهو مسار قد ينتج احتواءً تدريجياً، لكنه قد ينتهي أيضاً إلى دمج شكلي إذا بقيت القيادة والتمويل والقرار العسكري مستقلة.
3. مسيّرات المنطقة الخضراء: الاختبار في مصدر الإطلاق لا الاعتراض
ما حدث: اعترضت الدفاعات طائرات مسيّرة مجهولة اقتربت من المنطقة الخضراء ومحيط السفارة الأميركية. وأظهرت المعاينة الأولية أنها لم تكن محملة بمتفجرات، فيما لم تعلن السلطات نتائج نهائية تحدد جهة الإطلاق أو الغرض من العملية.
الدلالة والانعكاس: يرجح عدم وجود متفجرات أن تكون المهمة استطلاعية أو اختباراً لمنظومات الرصد والاستجابة، لكن ذلك لا يقلل من خطورتها. فالمنطقة الخضراء تضم مؤسسات الحكم والبعثات الدبلوماسية، والوصول إلى محيطها يكشف قدرة على تشغيل مسيّرات داخل العاصمة أو بالقرب منها. كما أن الغموض بشأن الجهة المنفذة يضع الدولة أمام اختبارين: تحديد شبكة التشغيل، وإثبات قدرتها على المحاسبة إذا كانت الجهة تتمتع بغطاء سياسي أو مؤسسي.
4. ما بعد التحالف: استمرار التعاون يعيد تعريف النزاع
ما حدث: جاء حادث المسيّرات بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول، مع استمرار أشكال من التعاون الأمني الثنائي في التدريب والاستشارة والتسليح وتبادل المعلومات. ولم يعنِ انتهاء المهمة انتهاء جميع صور الوجود الأجنبي أو العلاقة العسكرية بين بغداد وواشنطن.
الدلالة والانعكاس: انتقل الخلاف من السؤال عن بقاء التحالف إلى تعريف طبيعة التعاون المتبقي. فالحكومة تعد العلاقة الثنائية مختلفة قانونياً ووظيفياً عن مهمة التحالف، بينما تنظر فصائل رافضة للوجود الأميركي إلى طبيعة النشاط وعدد العاملين ومواقعهم، لا إلى المسمى القانوني فقط. وسيبقى هذا الغموض مصدراً للتوتر ما لم تحدد بغداد علناً حدود المهام والصلاحيات، لأن الفجوة بين «انتهاء المهمة» و«انتهاء الوجود» تسمح لكل طرف بتقديم تفسيره السياسي الخاص.
5. إجازة الخمس سنوات: تخفيف الإنفاق من دون إعادة بناء الوظيفة العامة
ما حدث: أقر مجلس النواب قانوناً يتيح للموظف المثبت، بعد خدمة فعلية لا تقل عن سنتين، الحصول على إجازة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، مع السماح له بالعمل في القطاع الخاص خلال مدة الإجازة.
الدلالة والانعكاس: يعكس القانون اعترافاً بأن الدولة لم تعد قادرة على توسيع التوظيف العام بالمعدلات السابقة، ويحاول إنشاء مسار اختياري لنقل جزء من القوى العاملة إلى السوق. لكنه لا يعالج أسباب التضخم الوظيفي أو تفاوت الرواتب والمخصصات، ولا يضمن خفضاً دائماً للنفقات؛ لأن الموظف يبقى مرتبطاً قانونياً بالدولة. كما يُرجح أن يجذب أصحاب المهارات ورؤوس الأموال أكثر من الموظفين محدودي الخيارات، ما قد يؤدي إلى خروج الكفاءات وبقاء البطالة المقنعة داخل المؤسسات.
6. تعافي النفط والاحتياطيات: الأزمة انحسرت ولم تنتهِ
ما حدث: تجاوزت صادرات النفط 3.4 ملايين برميل يومياً خلال تشرين الأول، بالتزامن مع ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية من نحو 73 مليار دولار إلى قرابة 80 ملياراً. وتراجع سعر الدولار في السوق الموازية نسبياً، لكنه ظل أعلى من السعر الرسمي.
الدلالة والانعكاس: أعاد تحسن الصادرات والأسعار بناء جزء من الغطاء المالي الذي فقده العراق خلال اضطراب الأشهر الماضية، ومنح البنك المركزي قدرة أفضل على تمويل التجارة وتوفير الدولار. لكن استمرار الفجوة السعرية يدل على أن المشكلة ليست نقص العملة وحده؛ بل تشمل القيود على التحويلات، والتجارة غير الموثقة، وشبكات الطلب التي تعمل خارج المنصة المصرفية. لذلك يمثل ارتفاع الاحتياطيات استعادة لهامش التدخل، وليس إصلاحاً لنظام التجارة والتحويل المالي.
7. الناقلات العراقية: سيطرة أكبر على الشحن لا على الممرات
ما حدث: تدرس وزارة النفط شراء عشر ناقلات عملاقة بكلفة تقدر بنحو ملياري دولار، بالتزامن مع إحياء خط الشحن البحري العراقي ووصول السفينة «البصرة» إلى أم قصر. ويأتي ذلك ضمن مسعى لتوسيع الحضور الوطني في نقل النفط والبضائع وتقليل الاعتماد على الناقلات الأجنبية.
الدلالة والانعكاس: يمنح امتلاك أسطول وطني العراق مرونة في توقيت الشحن والتعاقد ويحتفظ بجزء من عوائد النقل، لكنه لا يعالج وحده مشكلة أمن الممرات البحرية. فالناقلة العراقية ستخضع لمخاطر هرمز وكلف التأمين والتهديدات نفسها التي تواجهها السفن الأجنبية. كما يجب قياس جدوى الشراء مقابل الاستئجار وتكاليف الصيانة والإدارة، لأن امتلاك أصول مرتفعة الكلفة لا يعني تلقائياً تحقيق عائد أعلى، خصوصاً عند تقلب الأسعار والطلب.
ثانياً: أبرز التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق
8. دمشق وعمّان: بناء منفذ غربي للأمن والطاقة
ما حدث: بحثت بغداد مع دمشق أمن الحدود وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب والتهريب وملف المعتقلين السوريين الموجودين في العراق، إلى جانب إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس بطاقة مستهدفة تصل مستقبلاً إلى مليوني برميل يومياً. وفي عمّان، وقّع العراق والأردن تسع وثائق تعاون، بالتوازي مع مباحثات الطاقة والنقل والربط التجاري.
الدلالة والانعكاس على العراق: تجمع التحركات بين ضرورة أمنية عاجلة وخيار اقتصادي طويل الأمد. فالتنسيق مع سوريا مطلوب لضبط حدود تتجاوز 600 كيلومتر وإدارة تداعيات معتقلي تنظيم داعش، بينما يوفر بانياس منفذاً محتملاً إلى المتوسط بعيداً عن هرمز. لكن الطاقة المعلنة هدف سياسي وليست قدرة متاحة؛ فالخط يحتاج إلى تقييم فني وتأهيل واسع وتمويل وضمانات أمنية واتفاق مستقر بشأن الإدارة والرسوم. وينطبق الأمر نفسه على التعاون مع الأردن: كثرة الوثائق توسع الإطار السياسي، لكن قيمة المسار ستُقاس بحركة التجارة والربط الفعلي، لا بعدد الاتفاقات الموقعة.
9. تصعيد الخليج: علاوة النفط تحمل كلفة سياسية وأمنية
ما حدث: أعاد إعلان الحوثيين استهداف منشأة نفطية سعودية المخاوف بشأن أمن الطاقة، وارتفع خام برنت إلى قرابة 115 دولاراً للبرميل، في ظل استمرار التوتر مع إيران واضطراب الملاحة في الخليج.
الدلالة والانعكاس على العراق: يستفيد العراق من ارتفاع السعر إذا استمرت صادراته بالحجم الحالي، لكن الزيادة ناتجة جزئياً عن علاوة مخاطر قد تتحول إلى خسارة عند تعطل الممرات أو ارتفاع التأمين والشحن. كما يزيد استهداف السعودية حساسية دول الخليج تجاه نشاط الجماعات المرتبطة بإيران في العراق، حتى في غياب دليل على صلتها بالهجوم الأخير. وبذلك يرتبط المكسب النفطي بضغط أكبر على بغداد لضبط السلاح والحفاظ على أمن الصادرات ومنع استخدام أراضيها أو مؤسساتها في المواجهة الإقليمية.
الصورة الكلية
كشف الأسبوع تفاوت قدرة الدولة على فرض سلطتها بحسب طبيعة الطرف المقابل وموقعه داخل ميزان القوة. ففي سنجار، اجتمع الضغط الاتحادي والإقليمي مع ضعف التمثيل السياسي للتشكيلات المحلية، ما أتاح نقل المواقع والأفراد إلى المؤسسات الرسمية. وفي بغداد، لم يكن التحدي استعادة أرض، بل كشف جهة مجهولة قادرة على تشغيل مسيّرات قرب مركز الحكم. وهذا الفارق يفسر لماذا يمكن إنجاز الدمج في منطقة طرفية، بينما يبقى حصر سلاح الفصائل الكبرى عملية سياسية طويلة ومعقدة.
ولا ينبغي قياس نجاح حصر السلاح بعدد المقرات المغلقة أو الأفراد المسجلين، بل بأربعة مؤشرات: انتقال القيادة إلى الدولة، ووضع السلاح النوعي تحت سيطرتها، وإخضاع التمويل للموازنة والرقابة، ومنع اتخاذ قرار عسكري مستقل. وأي معالجة لا تمس هذه المستويات ستكون تنظيماً للمظاهر أو احتواءً مؤقتاً، لا احتكاراً فعلياً للقوة.
وفي المقابل، أظهر انتهاء مهمة التحالف أن السيادة لا تتحقق بتغيير الصيغة القانونية للوجود الأجنبي وحده. فاستمرار التعاون الثنائي قد يكون ضرورياً لتلبية احتياجات التدريب والاستخبارات والتسليح، لكنه يحتاج إلى إطار معلن يمنع تحوله إلى مادة دائمة للتجاذب. وإذا بقيت التفاصيل غامضة، فسوف تستخدمها الفصائل لتبرير الاحتفاظ بسلاحها، بينما ستستخدمها الحكومة للموازنة بين احتياجاتها الأمنية وضغوط القوى المسلحة.
اقتصادياً، يرتبط تحسن الصادرات بارتفاع الاحتياطيات وانخفاض الضغط النسبي على الدولار، لكن هذه السلسلة تبدأ وتنتهي عند النفط. ولهذا تحمل مشاريع الناقلات وبانياس والتعاون مع الأردن وسوريا معنى استراتيجياً يتجاوز النقل؛ فهي محاولة لتقليل قدرة أي أزمة في الخليج على شل المالية العامة. غير أن العراق لا يمتلك بعد بديلاً يستطيع تعويض صادرات الجنوب، وما يزال تنويع المنافذ مشروعاً قيد البناء لا شبكة تشغيلية مكتملة.
أما قانون الإجازة الطويلة، فيكشف أن الدولة بدأت البحث عن أدوات لتقليل العبء الوظيفي من دون الدخول في مواجهة اجتماعية مع ملايين المستفيدين من الموازنة. وقد يخفف القانون جانباً من النفقات، لكنه لن ينتج اقتصاداً خاصاً ما لم يصاحبه ائتمان وحماية اجتماعية وبيئة أعمال قادرة على استيعاب المغادرين.
إقليمياً، تحاول بغداد بناء عمق غربي عبر سوريا والأردن، مع الحفاظ على علاقاتها بإيران وتركيا والخليج. هذه السياسة تمنح العراق هامشاً للمناورة، لكنها تظل معرضة للاهتزاز إذا تصاعدت المواجهة الإيرانية–الخليجية أو استخدمت جماعات عراقية السلاح خارج قرار الحكومة. فالسياسة الخارجية المتوازنة تحتاج في الداخل إلى مركز قرار أمني واحد؛ وإلا بقيت الدولة تفاوض جيرانها على الاستقرار فيما تستطيع جهات داخلية تقويضه بعملية واحدة.
خلاصة الأسبوع أن العراق حسّن أدوات إدارة أزماته، لكنه لم يغيّر بعد موازينها الأساسية. توسعت سلطة الدولة في سنجار، وتعافت الصادرات والاحتياطيات، وتعددت مشاريع المنافذ؛ لكن قرار السلاح لم يُحسم، وفجوة الدولار لم تُغلق، والبدائل النفطية لم تدخل الخدمة. لذلك فإن المسار الأقرب ليس انتقالاً سريعاً نحو سيادة مكتملة، بل عملية تدريجية تتقدم في الملفات الأقل كلفة وتتباطأ كلما اقتربت من مراكز النفوذ السياسي والعسكري.



