تقدير موقفالأوراق التحليلية
إصدار حديث

توازنات البيت السياسي الشيعي: مآلات الصراع الصامت بين جيل التأسيس وقوى الظل الصاعدة

ملخص تنفيذي

تسلط هذه الورقة التحليلية الضوء على التحولات البنيوية العميقة داخل البيت السياسي الشيعي في العراق، راصدة ملامح الصراع الصامت بين جيل التأسيس الحاكم منذ عام 2003 والمستند إلى شرعية المعارضة التاريخية والرمزية الحزبية، وبين قوى الظل الصاعدة المتمثلة في قيادات تنفيذية وشبكات نفوذ ناشئة تستمد قوتها من إدارة الموارد التنفيذية، والدولة الريعية، والزبائنية الخدمية، تفكك الورقة ديناميكيات هذا التدافع المكتوم، إذ يسعى الجيل الصاعد إلى تجاوز وصاية القيادات التقليدية عبر توظيف أدوات الحكم وتكوين قواعد انتخابية جديدة ومستقلة، في مقابل استماتة الحرس القديم للحفاظ على احتكار القرار الاستراتيجي وضبط توازنات الإطار التنسيقي.

وتستشرف الورقة ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمآلات هذا التنافس: أولها، الانتقال التوافقي البراغماتي عبر تقاسم هادئ للنفوذ ودمج القيادات الجديدة تدريجياً لضمان وحدة البيت السياسي، وثانيها، الانشطار الانتخابي والتنافس المكشوف ببروز قوائم انتخابية متضادة تتصارع علناً على رئاسة الحكومة وإدارة الدولة، مما يضعف التماسك الكتلي، وثالثها، الاحتواء المؤسسي بنجاح الحرس القديم في تقييد الفواعل الصاعدة عبر كوابح تشريعية وقضائية تعيد ضبط موازين القوة لصالحه، وتخلص الورقة إلى أن نتائج هذا التدافع لن تعيد رسم خارطة الزعامة الشيعية فحسب، بل ستحدد نمط الاستقرار السياسي وشكل التحالفات الحاكمة في العراق خلال المرحلة القادمة.

  – الكلمات المفتاحية: البيت السياسي الشيعي، الإطار التنسيقي، جيل التأسيس، قوى الظل، الشرعية الإنجازية، الزبائنية السياسية، إدارة الموارد، الاستقرار السياسي.

أولاً: مدخل تأطيري: تحولات بنية القوة وتآكل الشرعيات التأسيسية
شهدت بنية النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 نشوء معادلة حكم ارتبطت عضوياً بنخبة سياسية محددة شكلت ما اصطلح على توصيفه بـ(جيل التأسيس)، مثل هذا الجيل قيادات المعارضة العراقية السابقة في المنفى والداخل، التي تسنمت مقاليد السلطة استناداً إلى ثلاثية شرعيات كبرى: شرعية -المظلومية التاريخية ومناهضة النظام السابق-، والشرعية -الفقهية والأيديولوجية- المنبثقة من حركات الإسلام السياسي، والشرعية –التأسيسية- الناتجة عن تنظيم العملية السياسية الدستورية وتثبيت صيغة التوافق والمحاصصة المكوناتية كآلية ناظمة لإدارة الدولة وتقاسم الموارد العامة.

على مدى عقدين كاملين فرضت هذه النخبة احتكاراً نخبوياً ضيقاً على القرار السياسي والمالي داخل المكون الأكبر، حيث ظل التنافس الحزبي يدور تحت سقف الحفاظ على الكتلة التاريخية المهيمنة، وتوزيع الوزارات والهيئات المستقلة كإقطاعيات تمويل حزبي تضمن إعادة إنتاج السلطة وتأمين الولاءات الانتخابية، غير أن الاستقرار الهيكلي لهذه المنظومة واجه مأزقاً تاريخياً حرجاً بفعل عوامل مجتمعية واقتصادية متراكمة، تمثلت في التراجع الحاد لجاذبية الخطاب الأيديولوجي الإسلامي لدى جيل عراقي شاب بات يشكل الأغلبية الديموغرافية الحاسمة في البلاد، والانفجار الاحتجاجي المتمثل في حركة تشرين عام 2019 وما عكسته من قطيعة مع الطبقة الحاكمة، فضلاً عن التغير الجوهري في معادلات التوازن الحزبي إثر انسحاب التيار الصدري من البرلمان عام 2022، وهو الانسحاب الذي أتاح لقوى الإطار التنسيقي إدارة الدولة منفردة، لكنه حملها في الوقت عينه عبء الإنجاز التنفيذي المباشر أمام مجتمع استنزفته وعود التغيير المؤجلة.

في خضم هذا التحول الاستثنائي برز فاعل جديد تمثله -قوى الظل الصاعدة-، لا تعد هذه القوى تنظيماً انقلابياً على النظام السياسي، بل هي نتاج طبيعي ومخرجات للأجهزة البيروقراطية والتنفيذية التي أقامها الحرس القديم نفسه، تتشكل هذه القوى من قيادات تنفيذية تشغل صدارة العمل الحكومي، وشبكات من التكنوقراط، والمستشارين، والمديرين العامين، إلى جانب محافظين محليين تمكنوا من بناء مسارات ولاء خاصة عبر إدارة عجلة الإعمار والخدمات، لقد أسس هذا المشهد لافتراق جوهري في طبيعة الشرعية ومصادر القوة، فبينما يستند جيل التأسيس إلى شرعية التاريخ والرمزية الحزبية المحمية بالتوافقات الكبرى، تسعى قوى الظل إلى بناء شرعية إنجاز مادي قائمة على الفاعلية الخدمية والواقعية الإدارية، مما أطلق شرارة صراع صامت، ومكتوم الأبعاد، حول زعامة القرار الاستراتيجي وإعادة هيكلة موازين القوة في الدولة العراقية.

ثانياً: ثنائية الفواعل: تفكيك الرؤى وأدوات التمكين السياسي

لا يقتصر التباين بين جيل التأسيس وقوى الظل الصاعدة على عامل الفارق الجيلي أو التنافس الشخصي، بل يمتد إلى المنطلقات الفكرية، وتصور مفهوم الدولة، وآليات تدوير الموارد العامة، وكيفية بناء القواعد الانتخابية والحشد الجماهيري:

1- جيل التأسيس: الشرعية الرمزية ومأزق الأبوية السياسية
– يضم هذا الجيل زعامات الخط الأول للأحزاب الشيعية التقليدية (كحزب الدعوة الإسلامية بفصائله، ومنظمة بدر، والمجلس الأعلى، وتيارات الإسلام السياسي الكلاسيكية)، يستند هذا المحور في الدفاع عن حصونه القيادية إلى دعامات هيكلية عميقة:

  – احتكار الحوار الاستراتيجي الإقليمي والدولي: ينظر الحرس القديم إلى نفسه باعتباره الضامن التأسيسي لمعادلة التوازن الهش في العراق، فهو الممسك بروابط التحالف العضوي مع طهران وحلفائها الإقليميين، والمفاوض التاريخي المباشر مع واشنطن والمجتمع الدولي، وانطلاقاً من ذلك، تخشى هذه القيادات أن يؤدي انتقال مركز الثقل إلى نخب تنفيذية شابة تفتقر إلى العمق الأيديولوجي إلى تفكيك شبكة الأمان الجيوسياسية التي تحمي النظام.

  – النزعة الأبوية في إدارة الحكم: يرى الحرس القديم أن رئاسة الحكومة، والوزارات التنفيذية، ليست مواقع لصناعة الزعامات المستقلة، بل هي أدوات وظيفية أُنشئت لتنفيذ الرؤية العامة ل(القيادة الجمعية) المجتمعة في الإطار التنسيقي، وتبعاً لذلك ينظر إلى أي محاولة من قبل الفاعل التنفيذي لتكوين مشروع سياسي ذاتي أو بناء تيار انتخابي موازٍ بوصفها خروجاً غير مأمون على وصاية الحاضنة الحزبية الأم.

  – الهيمنة على مفاصل الدولة العميقة: يتمتع جيل التأسيس بحضور متجذر داخل المؤسسات الدستورية والرقابية، ومفاصل الجهاز القضائي، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، ويمتلك كتل برلمانية متراصة، وهو ما يتيح له استخدام -كوابح التعطيل- الدستورية والسياسية ضد أي اندفاعة تصدر عن النخب التنفيذية الناشئة.

2-قوى الظل الصاعدة: واقعية ما بعد الأيديولوجيا والزبائنية الخدمية
– تمثل قوى الظل الجيل الجديد من الفاعلين المتموضعين في قلب الجهاز التنفيذي والبيروقراطي، بدءاً من الطاقم العامل في رئاسة الوزراء، مروراً بالوزارات المعنية بالبنى التحتية والتنمية، وصولاً إلى المحافظين ورؤساء الهيئات الاقتصادية، تتحدد ملامح هذا النموذج في جملة من الخصائص الميدانية:

  – استبدال السرديات العقائدية بالخطاب الإنجازي: استوعبت هذه القيادات مبكراً  حقيقة انصراف المزاج الشعبي عن السرديات التاريخية، فلجأت إلى تكريس شعار حكومة الإنجاز الملموس. لقد تحولت الجسور، والأنفاق، وتعبيد الطرق، وإكمال مشاريع المستشفيات المتلكئة، وحملات الرعاية الاجتماعية، إلى أيديولوجيا بديلة تعيد ترميم الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسة الحاكمة على أسس وظيفية واضحة.

  – توظيف فوائض الدولة الريعية: تتقن قوى الظل فنون توجيه الموازنات التشغيلية والاستثمارية نحو مشاريع تحقق عوائد سياسية سريعة، حيث تترجم المشاريع الميدانية وعقود العمل والتحسينات البيروقراطية إلى أدوات زبائنية حديثة تصب رصيدها مباشرة في خانة المسؤول التنفيذي، وتخلق قواعد تصويت جديدة تدين بالولاء للأداء الخدمي لا للهوية الحزبية التقليدية.

  – التحالف مع رأس المال الناشئ والإعلام الحديث: سعت هذه القوى إلى تجاوز الماكينات التمويلية التابعة للحرس القديم من خلال بناء تحالفات استراتيجية مع المقاولين، ورجال الأعمال، وشركات القطاع الخاص الصاعدة في قطاعات الإنشاءات والتجارة، يواكب ذلك حضور رقمي مكثف ومنظم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتكريس صورة -المسؤول الميداني المنجز-، في مقابل صورة -الزعيم الحزبي المنعزل داخل المنطقة الخضراء-.

ثالثاً: مساحات التنافر والتقاطع: المقاربة التحليلية لعلاقة القوى إن دراسة الفوارق الجوهرية بين الفريقين تكشف عن محددات أساسية تحكم طبيعة هذا التدافع وتمنعه من التحول إلى مواجهة انتحارية مكشوفة:

1-  التعاطي مع مفهوم السلطة والدولة:
ينطلق جيل التأسيس من مقاربة تقدم الحزب والكتلة النيابية على مؤسسة الدولة الرسمية، حيث تظل الحكومة مجرد لجنة تنفيذية خاضعة لرقابة الزعامات الحزبية المجتمعة في الغرف المغلقة، وفي المقابل، ترى قوى الظل أن رئاسة الوزراء والجهاز التنفيذي هما الرافعة الحقيقية للتغيير والزعامة، وأن نجاح المسؤول في ضبط إيقاع الشارع وتوفير الخدمات يمنحه الشرعية الأخلاقية لتجاوز الهياكل الحزبية التقليدية.

2-  إدارة العلاقات الإقليمية والدولية:
تستند بوصلة الحرس القديم في السياسة الخارجية إلى محددات ترتبط بمحاور الصراع التاريخي والتحالف المذهبي مع الجوار الإقليمي، بالمقابل، تتحرك قوى الظل وفق دافع برغماتي واقتصادي منفتح، فهي تركز على -تصفير الأزمات-، والانفتاح على الاستثمارات الخليجية والعربية والدولية الكبرى، مع الحرص التام على عدم استعداء طهران، إيماناً منها بأن إنجاح المشاريع الاقتصادية الوطنية يتطلب تأمين بيئة إقليمية خالية من التصعيد العسكري.

3-  آليات الحشد وإدارة الرأي العام:
يتحرك جيل التأسيس عبر القنوات التنظيمية التاريخية، والمناسبات الدينية، والروابط العشائرية والوقفية المتوارثة، أما قوى الظل فتعتمد على أدوات قياس الرأي العام الحديثة، والتسويق الرقمي الفعال، والنزول الميداني المباشر لمواقع العمل، مستهدفة كسب كتلة -الأغلبية الصامتة- التي لا تلتزم بالتصويت الأيديولوجي، بل تمنح صوتها لمن يغير واقع الخدمات في منطقتها السكنية.

رابعاً: حلبات التدافع المكتوم وميكانيزمات الصراع البيني
لا يأخذ التنافس بين الحرس القديم والقيادات الصاعدة طابع الانقلابات المفاجئة، بل ينساب عبر ممارسات بيروقراطية وقرارات سياسية هادئة في ثلاث حلبات مركزية:

1-حلبة الموازنة وإعادة توجيه التدفقات المالية

تعد الموازنة الاتحادية ساحة الاشتباك الأشد حساسية، إذ يتوجس جيل التأسيس من تركيز التخصيصات المالية الضخمة في مشاريع الجهد الخدمي والهندسي والمبادرات التنموية الملحقة برئاسة الحكومة، لما ينتجه ذلك من نفوذ انتخابي كاسح لصالح الفريق التنفيذي الحاكم يضعف جاذبية مرشحي الأحزاب التقليدي، لذلك تعمل الكتل البرلمانية التابعة للحرس القديم على تشديد قبضتها الرقابية عبر استجواب الوزراء، وتجميد الصرف لبعض المشاريع الاستثمارية المباشرة، وتحريك لجان النزاهة والرقابة المالية لملاحقة أي توسع في صلاحيات الفريق الحكومي، مما يعطل ماكينة الحشد الجماهيري التابعة للجيل الصاعد قبل حلول المواعيد الانتخابية.

2-حلبة اللامركزية وتنامي نفوذ المحافظين

أظهرت نتائج انتخابات مجالس المحافظات لعام 2023 انزياحاً كبيراً في الجغرافيا الانتخابية لوسط وجنوب العراق، حيث حصد محافظون تنفيذيون، مستقلون نسبياً عن الأحزاب المركزية، أصواتاً قياسية في مدن كبرى مثل البصرة، وواسط، وكربلاء، استثمر هؤلاء نجاحهم الإداري ومشاريع الإعمار لتشكيل كتل محلية تفوقت انتخابياً على قوائم الأحزاب الشيعية التقليدية مجتمع، مثل هذا التحول مؤشراً خطيراً لدى جيل التأسيس على بدء تآكل نفوذه المحلي، خصوصاً مع وجود تفاهمات عملية تربط هؤلاء المحافظين برئيس مجلس الوزراء وإدارته التنفيذية.

دفع هذا التحول قوى الإطار التنسيقي إلى استنزاف طاقاتها في مفاوضات عسيرة لتطويق المحافظين الفائزين، وفرض قيود عليهم داخل مجالس المحافظات لضمان عدم تحول هذه الظاهرة إلى منصة تقوض الحصص الحزبية في الانتخابات النيابية المقبلة.

3- حلبة القرار داخل الإطار التنسيقي ومعضلة الدرجات الخاصة
تدور مواجهة مكتومة في كواليس الإدارة العليا للدولة حول ملف تثبيت وتوزيع الدرجات الخاصة، والتي تشمل رؤساء الهيئات المستقلة، ووكلاء الوزارات، والمديرين العامين، ورؤساء الأجهزة الاستخبارية والأمنية، يتمسك الحرس القديم بتوزيع هذه المواقع وفق مبدأ المحاصصة الحزبية المغلقة لحماية تغلغله العريق داخل مفاصل الدولة العميقة، في المقابل تمارس القيادات التنفيذية سياسة الإحلال التدريجي، مستفيدة من صلاحيات التكليف بالوكالة ونقل المديرين، لتعيين قيادات شابة ترتبط وظيفياً بالقرار الحكومي وتتجاوز التوصيات الحزبية، يثير هذا السلوك حفيظة الزعامات التقليدية التي ترى في هذه الإجراءات مسعى لتقويض قواعد سيطرتها التاريخية وتهميش ثقلها في مركز صنع القرار.

خامساً: استشراف المستقبل: ثلاثة سيناريوهات لمآلات الصراع
تؤسس طبيعة التدافع الراهن لمرحلة سياسية مختلفة في مسار الحكم العراقي، وفي ضوء تحليل الفواعل والإمكانيات الواقعية، ترسم هذه الورقة ثلاثة مسارات وسيناريوهات محتملة تحكم مآلات هذا الصراع:

السيناريو الأول: الانتقال التوافقي البراغماتي
  – محددات المسار: ينطلق هذا السيناريو من غلبة العقلانية البراغماتية لدى الفواعل السياسية العراقية، التي اعتادت تغليب منطق التسوية واقتسام الغنائم كلما لاحت في الأفق مخاطر وجودية تهدد استقرار النظام برمته.

  – الآلية الإجرائية: التوصل إلى تسوية تاريخية هادئة تعترف بموجبها قيادات جيل التأسيس بحق قوى الظل في الحصول على تمثيل سياسي يناسب حضورها التنفيذي والشعبي، يتم ذلك بالسماح للجيل الصاعد بتشكيل قوائم انتخابية خاصة تخوض الانتخابات التشريعية تحت لافتات تنموية دون مهاجمة الأحزاب الشيعية التقليدية، ليعود الطرفان بعد فرز النتائج للالتئام داخل مظلة تحالف برلماني عريض (إطار تنسيقي مجدد)، يدار بشراكة متوازنة تحفظ للحرس القديم مكانته التوجيهية وتمنح القيادات الشابة حرية الحركة الاقتصادية.

  – النتائج والتداعيات: يعد هذا المسار الأكثر قدرة على صيانة استقرار الدولة والعملية السياسية، فهو يؤمن عملية انتقال وتجديد جيلي سلس، ويجنب البلاد صدمات تفكك التحالفات البرلمانية، ويحافظ على قنوات التهدئة الإقليمية دون كسر عظام  أقطاب الحكم التقليديين.

السيناريو الثاني: الانشطار الانتخابي والتنافس المكشوف
  – محددات المسار: يفترض هذا السيناريو وصول قنوات التفاوض إلى طريق مسدود جراء تعنت قيادات جيل التأسيس في احتكار التسميات العليا ومحاصرة الفريق الحكومي، يقابله إصرار قوى الظل على استثمار تفوقها التنفيذي للانفصال التام عن وصاية الإطار التنسيقي.

  – الآلية الإجرائية: إقدام قوى الظل والمسؤولين التنفيذيين على خوض الانتخابات عبر تحالف انتخابي عريض ومستقل يرفع شعارات الدولانية والإعمار وحكومة الخدمات، في منافسة ندية ومباشرة ضد قوائم الأحزاب التاريخية، يتحول الصراع في هذه الحالة إلى مواجهة علنية تستخدم فيها وسائل التسقيط السياسي، والملفات الرقابية، وحملات التشهير المتبادلة.

  – النتائج والتداعيات: يؤدي هذا السيناريو إلى تشتيت الحصة التصويتية الشيعية، وإنتاج برلمان مفكك تغيب عنه الأغلبية الواضحة، مما يعقد مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة ويُدخل البلاد في فراغ دستوري طويل، كما يفتح هذا الانقسام الباب لعودة التيار الصدري بقوة إلى المسرح السياسي، إما كطرف مرجح أو كقائد لحراك شعبي يستثمر تصدع البيت الحاكم لإعادة فرض معادلات جديدة.

السيناريو الثالث: الاحتواء المؤسسي وتقليم الأظافر
– محددات المسار: ينبني هذا السيناريو على نجاح جيل التأسيس في توظيف كتلته البرلمانية المتماسكة وسطوته داخل المنظومة القضائية والرقابية لتحجيم صعود قوى الظل قبل بلوغ الاستحقاقات الانتخابية العامة.

  – الآلية الإجرائية: إقدام الحرس القديم على إقرار تعديلات تشريعية للقوانين الانتخابية تحول دون قدرة التيارات التنفيذية الفردية على حصد المقاعد، وفرض رقابة برلمانية خانقة تعطل صرف أموال مشاريع الجهد الحكومي، والتلويح باستجواب أو إقالة وزراء ومسؤولين نافذين في الإدارة الحكومية بتهم تتعلق باستغلال مقدرات الدولة في الدعاية السياسية، مما يجبر القيادات الصاعدة على الانكفاء والعودة إلى موقع المنفذ الملتزم.

  – النتائج والتداعيات: يُحكم الحرس القديم سيطرته على مقاليد الحكم، لكن هذا الانتصار سيكون مؤقتاً ومكلفاً جداً، إذ سيعمق عزلة النظام عن الجماهير، ويقضي على مصادر -الشرعية الإنجازية-، مما يرفع منسوب الاحتقان الشعبي ويهيئ المناخ لموجات غضب مجتمعية قد تهدد أركان الدولة برمتها.

سادساً: الانعكاسات الاستراتيجية على بنية النظام واستقرار الدولة تمتد تداعيات هذا التدافع الصامت لتطال بنية النظام السياسي واستقرار الدولة العراقية في جوانب محورية:

1-  التحول التدريجي نحو واقعية الأداء السياسي:
يسهم الصراع القائم في تحويل الاهتمام السياسي والمجتمعي تدريجياً من الهوياتية الطائفية والشعاراتية العقائدية إلى معايير الكفاءة والقدرة على توفير الخدمات وتحسين البنى التحتية، يمثل هذا التطور خطوة إيجابية نحو عقلنة السياسة العراقية إذا تم ضبطه ضمن أطر دستورية نزيهة، بدلاً من انزلاقه إلى مجرد منافسة زبائنية ريعية لشراء الولاءات المؤقتة.

2-  إعادة تشكيل شبكة التحالفات الوطنية العابرة للمكونات:
تتعامل القوى السياسية السنية والكردية مع هذا التدافع بوعي ومصلحية، حيث تجد  النخب في اربيل والأنبار مرونة أكبر وتفاهماً أسرع مع قيادات تنفيذية تؤمن بالمشاريع المشتركة والموازنات التنموية، وتفضل هذا النمط على الزعامات الأيديولوجية للحرس القديم، قد يمهد هذا التقارب لنشوء تحالفات حكم وطنية واقعية تركز على تقاسم المصالح الاقتصادية وتجاوز الخلافات التاريخية.

3-  مستقبل الفصائل المسلحة والاندماج الاقتصادي يفرض صعود منطق الدولة الخدمية استحقاقاً معقداً على الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة، إذ باتت تجد صعوبة متزايدة في الاكتفاء بالخطاب الثوري في ظل المطالب المجتمعية بالاستقرار، وقد دفع هذا الواقع بعض التيارات الفصائلية إلى الانخراط في النشاط الاقتصادي والتنفيذي وتبني أدوات قوى الظل، مما بدأ يفرز تمايزاً داخلياً بين تيار يتمسك بالأدوار الميدانية وتيار يسعى للتحول إلى حزب سياسي واقتصادي يندمج كلياً في بنية السلطة والمجتمع.

سابعاً: خلاصات واستنتاجات تقدير الموقف

يخلص التحليل المكثف لمسارات التدافع داخل البيت السياسي الشيعي إلى جملة من الحقائق الاستراتيجية الحاكمة:

  – أولاً: إن بروز قوى الظل وتمددها ليس طفرة عابرة، بل هو تحول بنيوي وديموغرافي فرضه تقادم جيل التأسيس، وتآكل شرعياته التاريخية، وحاجة النظام الماسة إلى تقديم واجهات جديدة قادرة على التحدث بلغة الإنجاز التي يطلبها الشارع العراقي اليوم.

  – ثانياً: يمتلك جيل التأسيس أوراق قوة هيكلية مانعة (قضائية، وتشريعية، وعلاقات إقليمية راسخة)، تجعل أي محاولة من قوى الظل للانقلاب الكامل عليه مساراً بالغ الخطورة يهدد بانهيار المنظومة ككل، وهو ما يفرض على الطرفين البحث عن مساحات التقاء بدلاً من الصدام الصفري.

  – ثالثاً: يظل سيناريو الانتقال التوافقي البراغماتي هو الخيار الأكثر ترجيحاً وأماناً، إذ يتيح استيعاب الدماء الجديدة ضمن مؤسسات الدولة دون إقصاء الحرس القديم، بما يحافظ على استقرار المشهد السياسي ويوفر الغطاء المطلوب لاستكمال المشاريع الاقتصادية ومسارات التنمية الوطنية.

  – رابعاً: ستكون الانتخابات التشريعية القادمة بمثابة -المؤتمر التأسيسي الثاني- للنظام السياسي العراقي بعد عام 2003، فنتائج هذا الاستحقاق لن تقتصر على إعادة توزيع المقاعد النيابية، بل سترسم الملامح النهائية لمعادلة السلطة القادمة، معلنةً انتقال مركز الثقل من سلطة الأيديولوجيا والرمزية الحزبية إلى سلطة الواقعية والإنجاز التنفيذي في إدارة شؤون الدولة العراقية.

المصادر والمراجع المعتمدة

أولاً: الوثائق والتشريعات الرسمية العراقية

  1. جمهورية العراق، دستور جمهورية العراق لعام 2005، جريدة الوقائع العراقية،
    العدد 4012، 28 كانون الأول/ديسمبر 2005. متاح عبر قاعدة التشريعات العراقية: https://moj.gov.iq/iraqis_laws/
  2. مجلس النواب العراقي، قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنوات
    المالية (2023، 2024، 2025) رقم (13) لسنة 2023، جريدة الوقائع العراقية،
    العدد 4726، 26 حزيران/يونيو 2023. متاح عبر: https://iq.parliament.iq/
  3. مجلس النواب العراقي، قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب ومجالس
    المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة 2018 المعدل رقم (4) لسنة 2023، جريدة
    الوقائع العراقية، العدد 4714، نيسان/أبريل 2023.
  4. المفوضية العليا المستقلة للانتخابات (IHEC)، التقرير التحليلي لنتائج انتخابات
    مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم 2023، بغداد، كانون الثاني/يناير 2024. متاح عبر: https://ihec.iq/
  5. مجلس الوزراء العراقي، التقرير السنوي لإنجازات البرنامج الحكومي (2022–2023)،
    بغداد: هيئة المستشارين في رئاسة الوزراء، تشرين الثاني/نوفمبر 2023. متاح عبر: https://gss.gov.iq/

ثانياً: الدراسات والكتب الأكاديمية المحكمة
1- دودج، توبي ، العراق: من الحرب إلى السلطوية الجديدة، روتليدج / المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، لندن، 2012. https://iraqicenter-fdec.org/archives/7849
2- عبد الجبار، فالح ، حركة الاحتجاج في العراق: من سياسات الهوية
إلى سياسات المطالب، أوراق بحثية لمركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد
، العدد 25حزيران، لندن، 2018.
https://researchonline.lse.ac.uk/id/eprint/88294/11/Faleh_Iraqi%20Protest%20Movement_Published_Arabic.pdf

3- د. حارث حسن، الشيعة والدولة في عراق ما بعد 2003، بغداد: دار سطور للنشر والتوزيع، 2023
4- د. عبد الحسين شعبان، الهوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة في العراق، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018.
5- د. علي يوسف الشكري، شيعة العراق: من المعارضة إلى السلطة، بيروت/بغداد: دار الرافدين، 2017

ثالثاً: أوراق السياسات وتقديرات الموقف في مراكز الفكر

1- منصور، ريناد ، معالجة الدولة غير الخاضعة للمساءلة في العراق:
الشبكات والفساد واحتكار النفوذ، برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، معهد
تشاتام هاوس (المعهد الملكي للشؤون الدولية)، لندن، كانون الأول/ديسمبر 2023.
رابط التحقق بالعربي: https://www.chathamhouse.org/2023/12/tackling-iraqs-unaccountable-state
2- جياد سجاد ، الفرز الداخلي في الإطار التنسيقي ومستقبل زعامة
الدولة في بغداد، تقرير تحليلي، شبكة القرن للسياسات الدولية، 2023.
رابط الوصول:https://researchonline.lse.ac.uk/id/eprint/120883/5/Corruption_lifeblood_arabic_web.pdf
3. مركز البيان للدراسات والتخطيط، قراءة في التحولات الانتخابية وتداعيات
انتخابات مجالس المحافظات لعام 2023 على الاستقرار السياسي، تقرير تقدير موقف،
بغداد، شباط/فبراير 2024. متاح عبر: https://www.bayancenter.org/2024/01/10733/

أحمد فاتح محمد

حاصل على درجة الدكتوراه في القانون العام، بتخصص القانون الدستوري، وباحث في القانون وعلم الاجتماع القانوني، يعمل في مهنة المحاماة بدرجة مستشار، وهو عضو في نقابة المحامين بإقليم كردستان العراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى