
انقسام الحزبين الكرديين في العراق يهدد بتقويض الحكم الذاتي لإقليم كردستان
📄 ترجمات | مركز العراق للدراسات الاستشرافية
بقلم: وينثروب إم. رودجرز, باحث مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
المصدر: تشاتام هاوس
ترجمة: مركز العراق للدراسات الاستشرافية
تاريخ النشر الأصلي: 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026
يتفق الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى حد بعيد بشأن القضايا الكردية في تركيا وإيران وسوريا، لكن خلافهما على إدارة الإقليم قد يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية ويقوض تجربة الحكم الذاتي التي تحققت بعد مسار طويل.
بعد مرور عامين على توجه سكان إقليم كردستان العراق إلى صناديق الاقتراع لانتخاب حكومة جديدة، لم يتمكن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وهما أكبر حزبين في الإقليم، من التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل الحكومة. ونتيجة لذلك، ما تزال حكومة تصريف الأعمال، التي انتُخبت في الأصل في أيلول/سبتمبر 2018، تتولى إدارة الإقليم.
يدفع هذا الوضع إقليم كردستان نحو انقسام عميق، وربما دائم. فقد أصيب شركاؤه التقليديون في أوروبا والولايات المتحدة بالإحباط من اختلالاته المزمنة، ولم يعودوا راغبين في أداء دور الحكم بين الحزبين. ويجعل ذلك الإقليم أكثر عرضة لتدخل القوى الإقليمية، التي تمتلك قدرة أكبر على التكيف والعمل وفق حسابات طويلة الأمد.
ولا تتمثل العقبة الرئيسية أمام إحراز تقدم في الخلافات الثانوية بين الحزبين على الحقائب الوزارية، كما يُقال أحياناً، بل تعود الأزمة إلى انهيار الاتفاق الاستراتيجي الذي أبرماه عام 2006.
لم يعد الحزبان يتبنيان الرؤية الأساسية نفسها بشأن الكيفية التي ينبغي أن يُدار بها إقليم كردستان. كما أن الأطر الرسمية وغير الرسمية التي ربطت بينهما خلال العقدين الماضيين لم تعد قادرة على أداء وظيفتها.
وبدلاً من ذلك، أصبح الإقليم منقسماً فعلياً إلى منطقتين جغرافيتين تخضع كل منهما لسيطرة أحد الحزبين. فالحزب الديمقراطي الكردستاني يسيطر على محافظتي أربيل ودهوك، فيما يهيمن الاتحاد الوطني الكردستاني على السليمانية وحلبجة.
ولا تنفصل المنطقتان بصورة كاملة، كما كان الحال خلال حقبة الإدارتين المنقسمتين بين عامي 1998 و2005، لكن الترتيب القائم بالغ التعقيد. فمؤسسات الدولة والقوات الأمنية تتلقى توجيهاتها من زعماء حزبيين غير منتخبين، بدلاً من وزارات حكومة إقليم كردستان. وتشير تقارير إلى فرض إتاوات على سائقي الشاحنات والتجار عند نقاط التفتيش الواقعة على الحدود بين مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني.
حتى الآن، حافظ الحزبان على خطاب يؤكد أن إقليم كردستان ما يزال كياناً متماسكاً على الرغم من الانقسام الحزبي. وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر، دعا رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني الحزبين إلى إعادة تفعيل برلمان كردستان، الذي لم يعقد جلسة فعلية ذات مضمون منذ أكثر من أربعة أعوام، قائلاً: «لا أعرف ممَّ يخافون».
غير أن تغييرات أكبر قد تكون قيد التشكل تحت السطح.
طرح قادة سياسيون في الاتحاد الوطني الكردستاني مقترحاً أكثر جذرية، يقوم على نقل الصلاحيات الإدارية والمالية إلى المحافظات ورؤساء البلديات والقائممقامين. وستبقى بعض الصلاحيات لدى حكومة الإقليم وبرلمان كردستان، لكن معظم القرارات المهمة المتصلة بالشؤون اليومية ستُنقل إلى المستويات المحلية من الحكم.
ويستشهد مؤيدو الخطة بالكانتونات السويسرية والإمارات المكوّنة لدولة الإمارات العربية المتحدة بوصفهما نموذجين يمكن الاستفادة منهما. وتقوم حجتهم على أن الأفضل للحزبين الابتعاد عن طريق بعضهما بعضاً وتوزيع السلطة التنفيذية بين مستويات ومراكز متعددة.
وبالنظر إلى النفوذ الواسع الذي يمارسه الحزبان، كل على حدة، في المحافظات وعلى المستوى المحلي، فإن هذا التغيير سيضفي طابعاً رسمياً على السيطرة الحزبية على الحكم داخل منطقتي النفوذ في إقليم كردستان. وسيشكّل ذلك أكبر تحول دستوري يشهده الإقليم منذ جيل كامل.
كما أنه سينقض إحدى الفرضيات الرئيسية التي استند إليها بناء السلام بعد الحرب الأهلية الكردية، ومفادها أن وجود مؤسسات قوية وموحدة ومشتركة يمثل شرطاً لتعزيز الحكم الذاتي الكردي. ويكشف مجرد التفكير في هذا المقترح مدى التدهور الذي بلغته العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
وما تزال جوانب كثيرة من الخطة غامضة. فكيف ستغيّر العلاقة بين السلطات المحلية والحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان؟ وكيف ستُوزع الإيرادات، إن كان هناك توزيع مشترك لها أصلاً؟ وكيف ستُتخذ القرارات المتعلقة بقطاعات رئيسية مثل النفط والغاز والكهرباء والتجارة؟
وفي الوقت الراهن، تظل الخطة مقترحاً يتبناه الاتحاد الوطني الكردستاني، فيما تبقى فرص تطبيقها غير مؤكدة. ويعارضها الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو ما يمثل أحد أسباب تعثر المفاوضات الخاصة بتشكيل الحكومة.
ومن المرجح أن يعارض كثير من الناخبين الأكراد أي خطوة تعزز سلطة الحزبين الحاكمين من دون إقامة آليات رقابة ومساءلة حقيقية. وعلى الرغم من شعورهم بالإحباط من الأوضاع الراهنة، فإنهم يدركون جيداً المخاطر التي قد تشكلها خطة الاتحاد الوطني على الموقع الدستوري الهش لإقليم كردستان داخل العراق.
وخلال الأعوام الخمسة الماضية، قلّصت الحكومة الاتحادية العراقية تدريجياً قدرة حكومة إقليم كردستان على إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية بصورة مستقلة، مستفيدةً من الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
توقيت سيئ للانقسام
يأتي احتمال حدوث تصدع داخل إقليم كردستان في توقيت جيوسياسي غير ملائم. فقد ولّدت الحرب الأميركية–الإيرانية قدراً كبيراً من عدم الاستقرار، فيما ينشغل الشركاء الخارجيون بمشكلاتهم الداخلية، وتدفع التحولات الإقليمية الدول ذات السيادة إلى إعادة تأكيد نفوذها على حساب الفاعلين من غير الدول.
وأصبح الوجود الأميركي في إقليم كردستان أقل تأثيراً مما كان عليه خلال الأعوام السابقة. فقد أنهت الولايات المتحدة وجودها العسكري في نهاية أيلول/سبتمبر، بعد اثني عشر عاماً من المشاركة ضمن التحالف الدولي الذي حارب تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».
كما تعرقل النشاط الدبلوماسي في أربيل، مقر حكومة الإقليم، خلال معظم هذا العام بسبب المخاوف الأمنية الناجمة عن الحرب الأميركية–الإيرانية.
ويشعر الدبلوماسيون الأميركيون والأوروبيون بالإحباط نتيجة عجزهم عن جمع الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني حول اتفاق، على الرغم من حثهما المتواصل على تشكيل الحكومة. ويشير هذا العجز إلى تراجع نفوذ الغرب لدى كبار القادة الأكراد.
وسيصبح الوضع أكثر تعقيداً إذا اضطر الدبلوماسيون إلى التعامل مع مسؤولين محليين يتمتعون بصلاحيات أوسع، لكن ولاءهم الأساسي يعود إلى قيادتي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
في المقابل، تبدو دول الجوار المباشر لإقليم كردستان، ولا سيما تركيا وإيران، أكثر قدرة على التكيف مع إقليم منقسم ومجزأ. فهذه الدول تستطيع العمل وفق منظور طويل الأمد، وممارسة نفوذها على المستوى المحلي من خلال الروابط الاقتصادية والاجتماعية والدينية، بدلاً من المقاربة العسكرية والسياسية المركزية التي تتبعها الولايات المتحدة وأوروبا.
ولا تمثل وحدة الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني عاملاً مهماً في حسابات تركيا وإيران بالقدر الذي تمثله لدى القوى الغربية.
ويتمثل الهدف التركي المباشر في إقليم كردستان في ضمان استمرار المسار السياسي الكردي داخل تركيا، الذي يشهد عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني. وقد دعم الحزبان الكرديان العراقيان هذا المسار بقوة، وأديا أدواراً مهمة في تسهيله.
كما أيدا عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية، ذات القيادة الكردية، في مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
يتمثل الهدف الأول لإيران في ضمان عدم دخول الجماعات الكردية في حربها مع الولايات المتحدة.
وعلى المدى القريب، من غير المرجح أن يختلف موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني كثيراً عن هذا المسار. لكن الخطر يكمن في أن يؤدي تعمق الانقسام الداخلي إلى تفكك مواقفهما تجاه القضايا الواقعة خارج حدود إقليم كردستان.
وإذا حدث ذلك، فقد تنحاز أنقرة إلى أحد الحزبين، بما يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.
أما الهدف الإيراني الأول، فهو ضمان عدم دخول الجماعات الكردية في حرب طهران مع الولايات المتحدة. وحتى الآن، يتفق الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني على ضرورة تجنب أي انطباع بأنهما قد يتدخلان ضد إيران.
ويتمثل الهدف الإيراني الثاني في تقييد نشاط الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة، وصولاً إلى مطالبة طهران بطردها من إقليم كردستان العراق. غير أن ضعف مؤسسات حكومة الإقليم وانقسامها يجعلان تحقيق ذلك أكثر صعوبة، وهو ما يزيد احتمال أن تتصرف إيران من جانب واحد.
وفي ظل غياب الوجود الأمني الأميركي، قد تدفع تدخلات دول الجوار القادة العراقيين في بغداد إلى ممارسة دور أكثر مباشرة في التعامل مع قضايا إقليم كردستان. وستكون هذه نتيجة سلبية للحكم الذاتي الكردي، وقد تؤدي إلى تأجيج التوترات السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
وقد ازداد المزاج المتشائم الذي ساد إقليم كردستان خلال الانتخابات التي جرت قبل عامين عمقاً. ويُطرح نقل قرارات الحكم إلى المستوى المحلي بوصفه وسيلة لتجاوز الانسداد الحزبي المستعصي في قمة السلطة، لكن هذه الخطوة قد تخلّف سلسلة واسعة من التداعيات.
ويهدد استمرار الانسداد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بإطلاق مسار تراجع يصعب عكسه في الأطر التي أتاحت للأكراد ممارسة الحكم الذاتي خلال العقدين الماضيين.
ولتجاوز هذا الانسداد، يتعين على قادة الحزبين النظر في حلول مبتكرة، شرط ألا تؤدي إلى مزيد من الانقسام، أو إضعاف المؤسسات المشتركة، أو تقويض المبادئ الديمقراطية.
وإذا لم يحدث ذلك، فقد يتحول إقليم كردستان إلى ساحة تتقاسم القوى الأخرى النفوذ فيها وتفكك مؤسساتها، على حساب الحكم الذاتي الكردي.
المصدر الأصلي:
مقال وينثروب إم. رودجرز في تشاتام هاوس
مقال تحليلي مترجم؛ الآراء والاستنتاجات والتقديرات الواردة فيه تعود إلى الكاتب، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف المركز. ترتبط الإشارات الزمنية في النص بتاريخ نشر المقال الأصلي.



