
من ضبط السلاح إلى تحصين الاقتصاد.. الحكومة العراقية أمام اختبار السلطة في بيئة إقليمية مضطربة
الحالة العراقية الأسبوعية | 16–22 تشرين الأول 2026
فترة الرصد: 16–22 تشرين الأول 2026
إعداد: قسم الرصد – مركز العراق للدراسات الاستشرافية
المشهد في دقيقة
شهد العراق هذا الأسبوع أول اختبار فعلي للحكومة بعد اكتمال تشكيلتها. فبعد أشهر من التفاوض على الحقائب، انتقل مركز الثقل من سؤال «من يشارك في الحكم؟» إلى سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع حكومة قائمة على التوافق بين قوى متباينة أن تتخذ قرارات تمس مصالح شركائها ونفوذهم؟
ظهر الاختبار أولاً في ملف السلاح، بعدما لوّحت الحكومة باستخدام أدوات قانونية وقضائية ضد التحريض على العنف أو عرقلة قرارات حصر السلاح. غير أن هذا التصعيد القانوني يتزامن مع توسيع التمثيل التنفيذي لقوى لها امتدادات مسلحة، ما يكشف طبيعة المقاربة الحكومية: استيعاب الفصائل سياسياً، والضغط عليها قانونياً، وتجنب الصدام العسكري معها.
اقتصادياً، اتجهت القرارات الحكومية إلى امتصاص الصدمة الناجمة عن تخفيض قيمة الدينار وارتفاع كلفة الاستيراد؛ ففُتح استيراد المحاصيل، وخُفضت كلف إدخال الأدوية، وألغيت الرسوم الجمركية على منظومات الطاقة الشمسية. وهي إجراءات قد تخفف ضغط الأسعار والنقص، لكنها لا تعالج أصل المشكلة المتمثل في ضعف الإنتاج المحلي واعتماد السوق على الخارج.
وفي قطاع الطاقة، عادت شركة «إكسون موبيل» عبر مشروع حيوي لتوفير مياه الحقن لحقول الجنوب، بالتزامن مع إطلاق مجلس الأعمال العراقي–الأميركي. ويشير الحدثان إلى انتقال العلاقة مع واشنطن من الوجود العسكري المباشر إلى شراكة اقتصادية تحمل معها نفوذاً استثمارياً ومالياً طويل الأمد.
إقليمياً، أعادت الهجمات في الخليج والسعودية وتحذيرات إيران من توسيع المواجهة رفع النفط إلى أكثر من 112 دولاراً. إلا أن العراق لا يحصل على منفعة كاملة من ارتفاع السعر، لأن كلف التأمين والنقل والخصومات ومخاطر تعطّل التصدير تستنزف جانباً من العائد. وبذلك أصبح أمن الملاحة جزءاً مباشراً من أمن الموازنة والعملة والرواتب في العراق.
أولاً: أبرز التطورات المحلية
1. حصر السلاح ينتقل إلى مرحلة الضغط القانوني
ما حدث: أصدرت الحكومة بياناً أكدت فيه حماية حرية الرأي والعمل الإعلامي، لكنها حذرت من استخدامهما للتحريض على العنف أو الاقتتال أو دعم السلاح خارج الدولة. وألزمت المؤسسات المختصة بتحريك الشكاوى الجزائية ضد المشاركين في التحريض الإعلامي أو عرقلة القرارات الخاصة بحصر السلاح، مستندة إلى قانوني مكافحة الإرهاب والعقوبات.
الدلالة والانعكاس: يمثل البيان تحولاً من إدارة الملف بالتفاهمات المغلقة إلى رفع كلفة معارضته في المجال العام. لكنه يستهدف البيئة السياسية والإعلامية المحيطة بالسلاح أكثر مما يستهدف بنيته المادية؛ فلا تزال الصواريخ والمسيّرات والمخازن والتمويل والاتصالات والقيادات العملياتية هي المعيار الحقيقي لمدى تقدم الدولة. كما أن التوسع في تفسير «العرقلة» قد يخلط بين التحريض على العنف والنقد المشروع للسياسة الحكومية، ما يجعل دقة التطبيق وعدالته اختباراً موازياً لاختبار حصر السلاح نفسه.
2. احتواء الفصائل داخل الحكومة يواجه تناقضه الأول
ما حدث: بدأت الحكومة المكتملة عملها بمشاركة شخصيات وقوى سياسية ترتبط بتشكيلات مسلحة، في الوقت الذي تؤكد فيه التزامها بإنهاء أي قرار عسكري خارج المؤسسات الرسمية. وبذلك أصبحت بعض القوى المشمولة سياسياً بعملية حصر السلاح شريكاً مباشراً في السلطة التنفيذية.
الدلالة والانعكاس: تعتمد الحكومة نموذج الاحتواء السياسي، أي منح القوى المسلحة حصة في استقرار الدولة مقابل دفعها تدريجياً نحو التخلي عن استقلالها العسكري. وقد يخفف هذا النموذج احتمالات الصدام، لكنه لا يضمن بناء سلطة أمنية موحدة. فالتمثيل الحكومي ليس دليلاً على الاندماج المؤسسي؛ إذ يمكن لجماعة أن تشارك في الحكومة والحشد والبرلمان، مع احتفاظها بقيادة وتمويل ومخازن وقرار عملياتي مستقل. لذلك سيكون المسار الأقرب هو التنظيم والاحتواء التدريجي، لا نزع السلاح بالقوة، مع بقاء خطر أن يتحول الدمج إلى تغيير في الغطاء القانوني من دون تغيير فعلي في بنية القوة.
3. الحكومة تبدأ بمعالجة أعراض تخفيض الدينار
ما حدث: قرر مجلس الوزراء فتح استيراد المحاصيل الزراعية حتى نهاية عام 2026، وتصفير الرسوم الجمركية على منظومات الطاقة الشمسية، وتسهيل إخراج شحنات الأدوية واللقاحات من المنافذ مع تأجيل بعض الرسوم والغرامات. وجاءت القرارات وسط ارتفاع كلف الاستيراد وتراجع القوة الشرائية بعد تعديل سعر صرف الدينار.
الدلالة والانعكاس: تحاول الحكومة زيادة المعروض من الغذاء والدواء والطاقة البديلة لمنع تحوّل تخفيض الدينار إلى نقص حاد أو موجة أسعار أكبر. لكن فتح الاستيراد يمثل علاجاً سريعاً للتضخم، لا سياسة إنتاجية؛ فقد يخفض الأسعار مؤقتاً، لكنه يضغط على المزارعين والمنتجين المحليين الذين ارتفعت عليهم أيضاً كلف الوقود والأسمدة والمعدات. أما إعفاء الطاقة الشمسية، فيعكس توجهاً نحو تحميل المنازل والقطاع الخاص جزءاً من مسؤولية معالجة نقص الكهرباء، بدلاً من انتظار إصلاح الشبكة العامة وحدها.
4. ملف المياه ينتقل من الخطاب الخارجي إلى إدارة الأزمة داخلياً
ما حدث: ناقشت لجنة الأقاليم والمحافظات مع وزير الموارد المائية خطط التعامل مع الجفاف والشح، ومتابعة 92 مشروعاً، وتأسيس قاعدة وطنية للحصص المائية، ومراقبة التجاوزات، ورفع الخزين الاستراتيجي. كما جرت مراجعة التفاهمات المائية مع تركيا والاستعدادات للموسم المقبل.
الدلالة والانعكاس: تبقى الإطلاقات القادمة من تركيا وإيران عنصراً أساسياً في الأزمة، لكنها ليست تفسيراً كاملاً لها. فالعراق يعاني أيضاً من الهدر، وضعف تقنيات الري، والتجاوز على الحصص، وتداخل صلاحيات المؤسسات، وعدم وجود بيانات تشغيلية موحدة. ومع استمرار تراجع الموارد، لن تبقى الأزمة زراعية فقط؛ بل ستنشأ منافسة أشد بين مياه الشرب والزراعة والصناعة والطاقة، وقد تتحول الخلافات الفنية بين المحافظات إلى احتكاكات سياسية واجتماعية. لذلك أصبحت إدارة الطلب داخل العراق بأهمية التفاوض على الإطلاقات مع دول المنبع.
5. «إكسون موبيل» تعود عبر البنية التحتية لحقول الجنوب
ما حدث: وقعت شركة نفط البصرة مذكرة تفاهم مع «إكسون موبيل» لتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع استخدام مياه البحر لدعم الضغط المكمني في الحقول الجنوبية، بطاقة تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً. وتزامن ذلك مع إطلاق مجلس الأعمال العراقي–الأميركي في بغداد، بمشاركة حكومية وتجارية من البلدين.
الدلالة والانعكاس: لا يرتبط المشروع بزيادة إنتاج فورية، بل بتأمين أحد الشروط الفنية لاستدامة الحقول ومنع تراجع إنتاجها مع مرور الزمن. ولذلك فإن أهميته تكمن في حماية قاعدة الإيرادات، لا في إضافة رقم سريع إلى الصادرات. أما سياسياً، فتظهر عودة شركة أميركية كبرى وإطلاق مجلس الأعمال أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء النفوذ الأميركي؛ بل انتقاله من المجال العسكري إلى الاستثمار والطاقة والتمويل. نجاح هذا المسار يتوقف على استقرار العقود، وحماية الشركات، ومنع إخضاع المشاريع لصراع المحاور أو توزيع النفوذ الحزبي.
ثانياً: أبرز التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق
6. اتهامات بتمويل الفصائل لإيران تفتح جبهة مالية جديدة
ما حدث: قال قائد القيادة المركزية الأميركية إن جماعات حليفة لإيران، بينها فصائل عراقية، بدأت بتحويل موارد مالية إلى الحرس الثوري بعد تراجع الإيرادات الإيرانية بفعل الحرب والعقوبات. ولم تقدم واشنطن علناً أدلة تفصيلية مستقلة تحدد الجماعات العراقية أو حجم التحويلات ومساراتها.
الدلالة والانعكاس على العراق: ينبغي التعامل مع التصريح بوصفه اتهاماً أميركياً يحتاج إلى إثبات، لكنه يكشف طبيعة المرحلة المقبلة من الضغط. فواشنطن قد تنتقل من استهداف القدرات العسكرية إلى ملاحقة الشركات والمصارف والواجهات التجارية والتحويلات المرتبطة بالفصائل. وهذا يعني أن انتهاء الوجود العسكري لا يقلص بالضرورة قدرة الولايات المتحدة على التأثير في العراق؛ لأن اعتماد البلاد على الدولار ونظام التحويلات الخارجية يمنحها أدوات أشد تأثيراً في الاقتصاد. وإذا لم تتولَّ المؤسسات العراقية التحقيق والرقابة بنفسها، فقد تُفرض إجراءات خارجية تطال مؤسسات أوسع من الجهات المستهدفة وتزيد الضغط على سعر الصرف والتجارة.
7. بغداد تعيد تثبيت قاعدة عدم استخدام أراضي العراق
ما حدث: جددت وزارة الخارجية موقف العراق الرافض لاستخدام أراضيه في نشاط مسلح يستهدف دولاً أخرى، في وقت تصاعدت فيه الهجمات الحوثية على السعودية والتهديدات المتبادلة في الخليج. ويأتي هذا الموقف بعد سوابق أثارت شكوكاً بشأن إمكان انطلاق هجمات أو إسنادها من الأراضي العراقية.
الدلالة والانعكاس على العراق: لا يكفي إعلان الحياد ما لم يقترن بالسيطرة على منصات الإطلاق والحدود والتمويل والقرار العملياتي للفصائل. وتحتاج بغداد إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع السعودية ودول الخليج، خصوصاً في ظل أزمتها المالية وحاجتها إلى الاستثمار ومنافذ الطاقة البديلة. لذلك يتحول ضبط السلاح من شأن داخلي إلى شرط لحماية السياسة الخارجية؛ فأي هجوم يثبت انطلاقه من العراق قد يعرض البلاد لضغط دبلوماسي أو عقوبات أو رد أمني لا تملك الحكومة السيطرة على حجمه.
8. التصعيد في هرمز يرفع قيمة البرميل ويخفض يقين الإيراد
ما حدث: تجاوز خام برنت 112 دولاراً للبرميل بعد تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية ووقوع حوادث جديدة استهدفت سفناً في الخليج ومحيط مضيق هرمز، بالتزامن مع تحذيرات إيرانية من توسيع الرد. واستمرت صادرات المنطقة عبر ترتيبات حماية وتغيير المسارات، لكن بكلف مرتفعة للنقل والتأمين.
الدلالة والانعكاس على العراق: ارتفاع السعر لا يعني تلقائياً زيادة صافية في إيرادات بغداد. فالعائد يتحدد بعدد البراميل التي تصل فعلياً إلى السوق، وسعر بيعها الحقيقي بعد الخصومات، وكلف نقلها وتأمينها. وقد يؤدي استمرار الخطر إلى ارتفاع السعر العالمي مع انخفاض الإيراد العراقي إذا تعطلت الشحنات أو ارتفعت الكلف أكثر. ولهذا لم يعد تنويع طرق التصدير مشروعاً بعيد المدى، بل ضرورة مالية؛ إلا أن خطوط الشمال أو المتوسط تحتاج إلى تأهيل واتفاقات مستقرة، ولا تستطيع تعويض صادرات الجنوب سريعاً.
الصورة الكلية
كشف الأسبوع الأول للحكومة المكتملة أن استكمال المناصب لم ينهِ تعدد مراكز القوة، بل نقل تناقضاتها إلى داخل السلطة التنفيذية. وتواجه الحكومة مهمة إدارة شركاء يمتلك بعضهم نفوذاً حزبياً وبرلمانياً ومسلحاً في الوقت نفسه، ما يجعل القرارات المرتبطة بالسلاح والتمويل والعقود اختباراً لتماسكها الحقيقي.
وفي ملف السلاح، انتقلت الحكومة إلى رفع الضغط القانوني، لكنها لم تنتقل بعد إلى مرحلة يمكن قياسها مادياً. فحصر السلاح لا يعني تسجيل الأسلحة المدنية، ولا إدخال المقاتلين في جداول الرواتب، ولا منح التشكيلات أسماء رسمية جديدة. المعيار هو إنهاء قدرة أي جهة على اتخاذ قرار الحرب أو الاحتفاظ بسلاح نوعي ومخازن واتصالات خارج القيادة الحكومية. وما يجري حتى الآن أقرب إلى الاحتواء وإعادة التنظيم منه إلى النزع الكامل.
اقتصادياً، تعمل الحكومة على توزيع آثار الأزمة ومنعها من التحول إلى نقص واسع في السلع. فتح الاستيراد وإعفاء الطاقة الشمسية وتسهيل دخول الأدوية أدوات احتواء ضرورية، لكنها قد تضعف الإنتاج المحلي إذا تحولت إلى سياسة دائمة. كما أن تخفيض الدينار يمنح الخزينة دنانير أكثر مقابل الإيرادات النفطية، لكنه ينقل جانباً من العجز إلى المواطن من خلال الأسعار.
في قطاع الطاقة، تكشف عودة «إكسون موبيل» وتوسيع التعاون التجاري مع الولايات المتحدة أن مرحلة ما بعد التحالف لن تكون مرحلة انكفاء أميركي كامل. فالنفوذ يعاد تشكيله حول النفط والدولار والاستثمار والعقوبات، بينما يحتفظ الجانب الإيراني بأدواته السياسية والفصائلية والتجارية. وبهذا يبقى العراق مساحة توازن بين الطرفين، حتى بعد انتهاء الشكل العسكري المباشر للعلاقة مع واشنطن.
أما إقليمياً، فقد أصبح أمن الخليج عاملاً يومياً في الحسابات العراقية. فالمواجهة تهدد الناقلات والإيرادات، وترفع كلف الواردات، وتضغط على بغداد لضمان عدم استخدام أراضيها أو مؤسساتها المالية في الصراع. لذلك لم تعد ملفات السلاح والنفط والعلاقات الخليجية منفصلة؛ بل أصبحت أجزاء من معادلة واحدة تتعلق بقدرة الدولة على حماية قرارها ومواردها.
وتظهر حصيلة الأسبوع أن الحكومة لا تواجه نقصاً في القرارات بقدر ما تواجه صعوبة في تطبيقها على قوى غير متساوية في النفوذ. الاتجاه الأقرب ليس مواجهة شاملة مع الفصائل ولا نزعاً سريعاً لسلاحها، بل عملية طويلة من الاحتواء والتنظيم والضغط المالي والقانوني. وسيكون الفارق بين بناء الدولة وإعادة تدوير الأزمة مرتبطاً بما إذا كانت هذه العملية ستنتهي إلى قيادة واحدة، أم تمنح التشكيلات المستقلة وقتاً وغطاءً جديدين لإعادة ترتيب مواقعها.



