
مهلة السلاح تتغير والضغط الإقليمي يتسع.. العراق يعيد ترتيب موقعه قبل نهاية التحالف
الحالة العراقية الأسبوعية
التاريخ: 26 أيلول 2026
فترة الرصد: 19–25 أيلول 2026
إعداد: قسم البيانات والمعلومات – مركز العراق للدراسات الاستشرافية ICFS
المشهد في دقيقة
شهد العراق هذا الأسبوع انتقالاً مهماً من مرحلة الوعود العامة إلى مرحلة إعادة التفاوض على الالتزامات. فقبل أيام من انتهاء مهمة التحالف الدولي، بحث رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو ملف الفصائل ومنع الهجمات المنطلقة من العراق، بالتزامن مع تداول خطة تمنح الحكومة وقتاً إضافياً لتنفيذ حصر السلاح حتى منتصف عام 2027.
هذا التطور لا يعني تراجع الدولة عن هدفها، لكنه يكشف أن مهلة 30 أيلول لم تكن قابلة للتطبيق بصيغتها الأولى. كما يشير إلى تفاهم عراقي–أميركي على الفصل بين انسحاب القوات والمدة اللازمة لمعالجة الفصائل: تنهي واشنطن وجودها العسكري المباشر، وتحصل في المقابل على التزام عراقي ممتد بتقليص قدرات الجماعات المسلحة.
وفي الاتجاه المقابل، تحاول بغداد منع تحول هذا التفاهم إلى مواجهة شيعية داخلية. لذلك يُرجح أن يبدأ المسار بتنظيم المقرات والتمويل والانتشار، مع تأجيل ملف الصواريخ والمسيّرات والقيادات العملياتية إلى مراحل لاحقة.
وبعيداً عن السلاح، فتح لقاء الزيدي بالرئيس السوري أحمد الشرع قناة جديدة لمعالجة الحدود وداعش والتجارة، فيما أظهرت قيود الطيران الإيراني وارتفاع كلفة نقل النفط وتمويل رواتب أيلول مقدار تعرض العراق لتداعيات الحرب الأميركية–الإيرانية.
خلاصة الأسبوع أن العراق لم يعد يتعامل مع 30 أيلول بوصفه موعداً لحسم الملفات، بل بوصفه نقطة انتقال: من التحالف إلى العلاقات الثنائية، ومن مهلة نزع السلاح إلى برنامج احتواء طويل، ومن التوازن بين واشنطن وطهران إلى إدارة ضغوط اقتصادية وأمنية أكثر مباشرة.
أولاً: أبرز التطورات المحلية
1. لقاء الزيدي وترمب يعيد ضبط مهلة السلاح
التقى رئيس الوزراء علي فالح الزيدي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك، بحضور مسؤولين أميركيين بارزين، بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت. وتركز الاجتماع على مستقبل العلاقة العراقية–الأميركية، وحصر السلاح، ومنع استخدام الأراضي العراقية في الهجمات الإقليمية.
وتزامن اللقاء مع تداول خطة عراقية مرحلية تبدأ بعد 30 أيلول وتمتد حتى منتصف عام 2027، بدلاً من التعامل مع موعد انسحاب التحالف بوصفه نهاية فورية لملف الفصائل.
القراءة
تكشف طبيعة الحضور الأميركي أن الملف لم يعد أمنياً فقط. وجود وزير الخزانة إلى جانب وزير الخارجية يعني أن واشنطن تجمع بين الضغط السياسي والأدوات المالية، وأن عدم إحراز تقدم قد ينعكس على المصارف والتحويلات والأشخاص والشركات المرتبطة بالفصائل.
في المقابل، ظهر الزيدي منفرداً من الجانب العراقي في الاجتماع الموسع، وهو ما يمنحه مساحة تفاوض مباشرة، لكنه يحمّله أيضاً مسؤولية شخصية عن الالتزامات المقدمة. وسيحتاج عند عودته إلى تحويل التفاهم الأميركي إلى توافق داخلي مع القوى الشيعية، لأن الموافقة الخارجية لا تمنحه تلقائياً قدرة التنفيذ.
أما تمديد المهلة، فيمثل اعترافاً واقعياً بأن تفكيك القدرات المسلحة لا يمكن إنجازه بقرار سريع. لكنه يمنح الفصائل أيضاً وقتاً لإعادة توزيع السلاح والمخازن وتحويل جزء من نفوذها العسكري إلى نفوذ مؤسسي واقتصادي.
الاتجاه
الأرجح أن تتبنى الحكومة مساراً تدريجياً يركز أولاً على منع الهجمات الخارجية وضبط المسيّرات، ثم ينتقل إلى التمويل والمقرات والقيادة. ولن تتجه إلى حل شامل للفصائل، بل إلى تفكيك استقلالها العملياتي مع الإبقاء على جزء من وجودها داخل الحشد أو المؤسسات الرسمية.
2. المالكي ينقل 30 أيلول من نهاية للملف إلى بدايته
قال نوري المالكي إن برنامجاً وسقفاً زمنياً لحصر السلاح سيُعلنان في 30 أيلول. ويختلف هذا الموقف عن الخطاب السابق الذي ربط الموعد بحسم الملف، ويعكس توافقاً سياسياً على أن العملية ستبدأ بعد خروج التحالف ولا تنتهي معه.
القراءة
لا يمثل موقف المالكي اعتراضاً على حصر السلاح، بل إعادة تعريف له بما يتناسب مع موازين القوى. فالرجل يدرك أن محاولة نزع سلاح الفصائل بالقوة قد تفكك الإطار السياسي الشيعي وتفتح مواجهة يصعب على الحكومة ضبطها.
وفي الوقت نفسه، يوفر إعلان البرنامج غطاءً للحكومة أمام واشنطن، لأنه يحول التأخير من تراجع مفتوح إلى عملية محددة رسمياً. وبذلك يصبح المالكي وسيطاً بين سقف الحكومة المطلوب أميركياً وسقف الفصائل التي ترفض تسليم قدراتها من دون معالجة ما تسميه مصادر التهديد الأخرى.
لكن الفرق سيظل كبيراً بين التنظيم والحصر. فتنظيم السلاح يمكن أن يعني تسجيل العناصر والمقرات أو دمجها في الحشد، بينما يفترض الحصر إنهاء أي قدرة على تنفيذ عملية من دون أمر حكومي.
الاتجاه
سيركز البرنامج على توحيد القيادة والحد من المظاهر المسلحة، لكنه سيواجه مقاومة عند وصوله إلى الصواريخ والمسيّرات والمخازن السرية. وستكون النتيجة الأرجح احتواءً تدريجياً للفصائل، لا نزعاً كاملاً لسلاحها خلال مدة قصيرة.
3. نهاية التحالف تفصل الانسحاب عن السيادة الفعلية
واصلت القوات المتبقية ضمن التحالف استعداداتها للمغادرة قبل 30 أيلول، وسط تأكيد عراقي وأميركي أن الانسحاب يسير وفق الجدول المحدد. ويتزامن ذلك مع اقتراب انتهاء ترتيبات الدعم الأميركي المباشر لقوات البيشمركة.
القراءة
ينهي الانسحاب الوجود العسكري المنظم تحت مظلة التحالف، لكنه لا ينهي الشراكة مع الولايات المتحدة. وستنتقل العلاقة إلى التعاون الثنائي والاستثمارات والتسليح والتدريب والصيانة وتبادل المعلومات.
هذا الفصل يخدم الطرفين: تستطيع الحكومة إعلان انتهاء المهمة، وتحتفظ واشنطن بنفوذها الاقتصادي والأمني من دون تحمل كلفة انتشار عسكري مباشر. لكن الفصائل قد تعتبر التعاون الثنائي تغييراً للتسمية، خصوصاً إذا بقي مستشارون أو خبراء أميركيون في مواقع عسكرية.
كما يكشف الملف الكردي أن الانسحاب لا يؤثر في جميع أجزاء العراق بالطريقة نفسها. ففي بغداد يُقدم بوصفه مكسباً سيادياً، بينما يُنظر إليه في أربيل من زاوية فقدان الحماية والدعم في بيئة تعرضت لهجمات متكررة.
الاتجاه
سيكتمل الانسحاب المعلن، لكن الولايات المتحدة لن تخرج من معادلة الأمن العراقي. ستتحول أدواتها من القوات إلى التدريب والتسليح والعقوبات والاستثمار، وهو ما يجعل النفوذ الأميركي أقل ظهوراً، لكنه لا يجعله أقل تأثيراً.
4. لقاء الزيدي والشرع يفتح البوابة السورية
التقى الزيدي الرئيس السوري أحمد الشرع في نيويورك، في أول لقاء مباشر بينهما، وبحثا التنسيق الأمني والسياسي والتعاون الاقتصادي والتجاري، إضافة إلى الملفات المرتبطة بالحدود وتنظيم داعش وطرق نقل الطاقة.
القراءة
جاء اللقاء نتيجة حاجة متبادلة. فالشرع يريد اعترافاً إقليمياً وتخفيف التحفظ العراقي، بينما تحتاج بغداد إلى شريك رسمي قادر على معالجة الحدود والسجون والمخيمات ومسارات التهريب.
ولا يمكن فصل الانفتاح على دمشق عن أزمة تصدير النفط. فكلما ازدادت مخاطر الخليج، ارتفعت قيمة المسار السوري بوصفه منفذاً محتملاً إلى البحر المتوسط. لكن هذا الخيار ما يزال سياسياً أكثر منه اقتصادياً، لأن الأنابيب تحتاج إلى إعادة تأهيل، والطريق يمر بمناطق معقدة أمنياً.
أما داخلياً، فستحرص الحكومة على عدم تقديم اللقاء بوصفه اصطفافاً مع الشرع، بسبب اعتراض قوى عراقية على خلفيته وعلاقات السلطة السورية الجديدة. ولذلك سيبدأ التعاون من الملفات الأقل حساسية سياسياً: الحدود وداعش والتجارة.
الاتجاه
ستتقدم العلاقة وظيفياً قبل أن تتقدم سياسياً. فإذا تشكلت لجان أمنية مشتركة وبدأ تنسيق فعلي حول المعتقلين والمعابر، فسيصبح اللقاء بداية تحول. أما ملف النفط، فسيبقى ورقة استراتيجية تحتاج إلى سنوات وليس حلاً قريباً لاختناق الصادرات.
5. تقييد الطيران الإيراني ينقل العقوبات إلى الداخل العراقي
دخلت العقوبات الأميركية المشددة على قطاع الطيران الإيراني مرحلة التنفيذ، وانعكست على الرحلات المرتبطة بالمطارات العراقية. وهددت واشنطن الجهات التي تقدم الوقود والمناولة والخدمات الأرضية والمالية للطائرات الإيرانية بالعزل عن النظام المالي الدولي.
القراءة
يهدف الضغط إلى تقليص قدرة إيران على نقل الأموال والمعدات والأشخاص، وليس تعطيل سفر المدنيين فقط. والعراق يمثل حلقة حساسة بسبب اتساع العلاقات الدينية والتجارية والجغرافية بين البلدين.
عملياً، لا تمتلك المطارات العراقية مساحة واسعة للمناورة. فالاستمرار في خدمة الشركات المستهدفة قد يعرض مؤسسات عراقية للعقوبات، بينما يثير وقف الرحلات اعتراض القوى القريبة من إيران ويظهر بغداد وكأنها تنفذ السياسة الأميركية.
كما أن تحويل السفر والشحن إلى المنافذ البرية لا يلغي الحركة، بل يجعلها أقل قابلية للتتبع، ويزيد الضغط على الحدود وشركات النقل ويمنح الوسطاء وشبكات التهريب دوراً أكبر.
الاتجاه
ستلتزم المؤسسات الرسمية بالقيود، مع البحث عن استثناءات أو بدائل محدودة. لكن واشنطن ستراقب محاولات الالتفاف عبر المطارات الثانوية والمنافذ البرية، وقد يصبح قطاع الطيران مقدمة لضغط أوسع على الشحن والمصارف والتجارة العراقية مع إيران.
ثانياً: الاقتصاد والطاقة
6. تمويل الرواتب يكشف حساسية المالية العامة
أعلنت وزارة المالية بدء تمويل رواتب موظفي الدولة لشهر أيلول، بعد فترة من القلق المرتبط باضطراب الصادرات النفطية وارتفاع تكاليف النقل.
القراءة
لا يمثل تمويل الرواتب حدثاً استثنائياً في الظروف العادية، لكنه اكتسب أهمية هذا الأسبوع لأنه جاء في ظل تراجع قدرة العراق على تصدير نفطه بالكميات والكلف المعتادة.
تعتمد الدولة بأكثر من 90% من إيراداتها العامة على النفط، ما يجعل اضطراب الملاحة ينتقل سريعاً من البحر إلى الموازنة. وتستطيع الحكومة تمويل الرواتب حالياً بالاعتماد على الاحتياطيات والإيرادات المتراكمة، لكنها لا تستطيع تحمل انخفاض طويل في صافي العائد من دون خفض الإنفاق الاستثماري أو زيادة الاقتراض.
وهنا تظهر المفارقة: قد تبقى أسعار النفط فوق مستويات مرتفعة، بينما تواجه الخزينة ضغطاً بسبب تراجع الكميات وارتفاع الشحن والتأمين والخصومات.
الاتجاه
لا توجد أزمة رواتب فورية، لكن الأولوية الحكومية ستتحول تدريجياً من تمويل المشروعات إلى حماية النفقات التشغيلية. وإذا استمر اضطراب التصدير، ستكون مستحقات المقاولين والمشروعات والمحافظات أول المتأثرين قبل الرواتب.
7. ارتفاع كلفة الشحن يبدد مكاسب سعر النفط
قال وزير النفط إن كلفة نقل البرميل العراقي ارتفعت من 26 إلى 37 دولاراً، وربط ذلك بشراء السعودية ناقلات إضافية. ونفت الرياض هذه الرواية، وأرجعت الزيادة إلى الحرب ونقص السفن واضطراب هرمز.
وفي الوقت نفسه، استمر استخدام عمليات نقل الخام العراقي من ناقلة إلى أخرى خارج المضيق، فيما ارتفعت مشتريات الهند من النفط العراقي مستفيدة من تغير خريطة الإمدادات والأسعار.
القراءة
يكشف الخلاف أن العراق لا يسيطر على الحلقة الواقعة بين الميناء والمشتري. فهو يمتلك النفط، لكنه لا يمتلك عدداً كافياً من الناقلات ولا طرقاً متعددة للتصدير، ما يمنح المشترين وشركات الشحن قدرة أكبر على تحديد الشروط.
أما زيادة المبيعات للهند فلا تعني بالضرورة تحسن الإيرادات. فقد يرتفع الطلب على النفط العراقي لأن الخصومات تجعله أكثر جاذبية، وليس لأن موقع العراق التجاري تحسن.
والنتيجة أن مؤشر نجاح التصدير يجب ألا يكون عدد البراميل وحده، بل صافي قيمة البرميل بعد أجور النقل والتأمين والخصومات. وهذه القيمة هي التي تحدد قدرة الدولة على تمويل التزاماتها.
الاتجاه
سيحافظ العراق على المشترين الآسيويين، لكنه سيدفع ثمناً أكبر للوصول إليهم. وستزداد الحاجة إلى اتفاقات طويلة الأمد مع دول وشركات تمتلك ناقلات، ما قد يضمن استمرار التصدير لكنه يرفع اعتماد العراق على أطراف خارجية جديدة.
ثالثاً: التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق
8. عودة الخط السعودي لا تنهي أزمة الهجوم المنطلق من العراق
استأنفت السعودية تشغيل خط «شرق–غرب» جزئياً بعد إصابة ثلاث محطات ضخ في هجوم بالمسيّرات انطلق من الأراضي العراقية. وفي المقابل، لم تعلن بغداد النتائج الكاملة للتحقيق أو الجهة التي أصدرت قرار التنفيذ.
القراءة
تخفف عودة الخط الضرر الاقتصادي، لكنها لا تعالج الأزمة السياسية. فالسعودية لا تنتظر من بغداد إثبات مكان الإطلاق فقط، بل تحديد البنية التي نقلت المسيّرات وجهزتها وأصدرت أوامر استخدامها.
ويضع الحادث الحكومة أمام احتمالين كلاهما صعب: فإذا كانت تعرف الجهة ولا تستطيع محاسبتها، فالمشكلة في ميزان القوة السياسي؛ وإذا لم تعرفها، فالمشكلة في قدرة الأجهزة على مراقبة الأراضي والسلاح النوعي.
وقد منحت الرياض بغداد وقتاً لأنها لا تريد فتح جبهة إضافية بالتزامن مع صراعها مع الحوثيين. إلا أن هذه المهلة غير مفتوحة، وسيؤدي تكرار الهجوم إلى إسقاط سياسة الاحتواء.
الاتجاه
سيبقى الرد السعودي مؤجلاً ما دام العراق يمنع عملية جديدة. أما تكرار الإطلاق، فسيجعل الرد الخارجي أكثر احتمالاً، وقد يحول خطة حصر السلاح من عملية تفاوضية إلى أزمة أمنية مفتوحة.
9. تفاوض هرمز يضع إيرادات العراق ضمن صفقة أميركية–إيرانية
أبدت إيران استعداداً لإعادة فتح مضيق هرمز إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية. وفي المقابل، واصلت واشنطن الدعوة إلى عزل إيران اقتصادياً، رغم بقاء قنوات اتصال غير مباشرة بين الطرفين.
القراءة
يمثل فتح المضيق المصلحة الاقتصادية العراقية الأكثر إلحاحاً، لكنه أصبح جزءاً من تفاوض لا تشارك بغداد في تحديد شروطه. وهذا يعني أن العنصر الأكثر تأثيراً في إيرادات العراق موجود خارج قدرته على القرار.
وتملك إيران حافزاً لإبقاء المرور محدوداً كي تستخدمه ورقة تفاوض، لكنها لا تستطيع إغلاقه بالكامل مدة طويلة من دون الإضرار بحلفائها وشركائها الاقتصاديين. أما واشنطن فتريد حرية الملاحة من دون تقديم مكاسب تسمح لطهران بإعلان انتصار سياسي.
ويقع العراق بين الموقفين: يعتمد مالياً على مرور النفط، ويرتبط تجارياً بإيران، ويعتمد مصرفياً على النظام الأميركي.
الاتجاه
الأقرب استمرار فتح جزئي وغير مستقر للمضيق، بما يسمح بمرور كميات محدودة ويحافظ على الضغط التفاوضي. وهذا السيناريو يمنع الانهيار الكامل للصادرات العراقية، لكنه يبقي النقل مرتفع الكلفة ويؤخر عودة الإيرادات إلى مستوياتها الطبيعية.
الصورة الكلية
تكشف أحداث الأسبوع أن العراق يعيد ترتيب التزاماته، لا أنه حسم أزماته. فقد تحول 30 أيلول من موعد لإنهاء مهمة التحالف وحصر السلاح معاً إلى نقطة فصل بين مسارين: انسحاب عسكري يمكن تنفيذه في موعده، ومعالجة داخلية للسلاح تحتاج إلى أشهر وربما إلى ما بعد منتصف 2027.
هذا الفصل يمنح الحكومة فرصة واقعية لتجنب المواجهة، لكنه ينطوي على مخاطرة واضحة: أن تستخدم الفصائل المهلة لإعادة التموضع والاندماج الشكلي، بدلاً من نقل قرارها وقدراتها إلى الدولة. ولهذا فإن جوهر العملية لا يتعلق بعدد الفصائل أو المقرات، بل بمن يملك الصواريخ والمسيّرات والتمويل وأوامر التنفيذ.
وفي السياسة الخارجية، يحاول الزيدي بناء شبكة توازن جديدة: تفاهم مع واشنطن على مرحلة ما بعد التحالف، وانفتاح وظيفي على سوريا، واحتواء التوتر مع السعودية، مع تجنب القطيعة مع إيران. لكن نجاح هذه السياسة يتوقف على قدرة الحكومة في الداخل؛ فكل تفاهم خارجي يصبح هشاً إذا بقيت جهات مسلحة قادرة على اتخاذ قرارات عابرة للحدود.
اقتصادياً، دخل العراق مرحلة حماية التدفقات لا تعظيم العوائد. فالأولوية أصبحت إبقاء النفط متحركاً وتمويل الرواتب، حتى لو ارتفعت كلفة النقل وتراجعت قيمة البرميل الصافية. وهذا حل قابل للاستمرار لفترة محدودة، لكنه لا يصلح بديلاً عن منافذ تصدير متعددة وأسطول وطني وسياسة مالية أقل اعتماداً على النفط.
الخلاصة الاستشرافية
المسار الأكثر واقعية هو انتقال العراق إلى احتواء منظم للسلاح بدلاً من نزعه سريعاً، وإلى شراكة أميركية غير عسكرية ظاهرياً لكنها مؤثرة مالياً وأمنياً، وإلى توسيع علاقاته الإقليمية بحثاً عن الحدود الآمنة ومنافذ الطاقة.
لكن نجاح هذا المسار ليس حتمياً. فإذا شمل التنظيم القيادة والتمويل والسلاح النوعي، يمكن أن يتحول تدريجياً إلى حصر فعلي. أما إذا اقتصر على الهياكل والمقرات والتسميات، فسينتج دولة تتحمل المسؤولية الخارجية عن جماعات لا تسيطر بالكامل على قراراتها.
والاحتمال الأخطر ليس اندلاع مواجهة داخلية فورية، بل تكريس تسوية تمنح العراق هدوءاً مؤقتاً وتؤجل انفجار التناقض الأساسي: وجود حكومة تُطالب دولياً بضمان أمن المنطقة، بينما لا تزال سلطتها على أدوات الحرب داخل حدودها موضع تفاوض.



