التقارير

السليمانية تعيد رسم الخرائط السياسية في إقليم كُردستان العراق

ملخص تنفيذي

شهدت مدينة السليمانية بتاريخ 08/07/2021، حدثاً من شأنه أن يغير طبيعة التوازنات السياسية والأمنية في إقليم كُردستان، وحتى ضمن ملفات عراقية وطنية وإقليمية، ويتمثل هذا الحدث بقيام بافل طالباني، نجل الرئيس العراقي الأسبق “جلال طالباني” بإنقلابٍ ناعم بحق، إبن عمه ” لاهور شيخ جنكي”، وكانت البداية عبر قيام بافل طالباني بتغيير كل من رئيس مؤسسة المعلومات ومكافحة الإرهاب في السليمانية، محمد تحسين طالباني ومستشاره ” رنج شيخ علي”، ومن المعلوم أن مؤسسة المعلومات تتبع للاهور شيخ جنكي، وكانت ذراعه الأمنية وحتى العسكرية. وتطور الأمر لاحقاً لإعلان بافل نفسه رئيساً وحيداً لحزب الاتحاد الوطني الكُردستاني، في خطوة متقدمة لإنهاء دور لاهور السياسي أيضاً، وفي إتجاه الاستفراد بوديعة ” جلال طالباني “. فمنذ وفاة طالباني، لم يستطع حزب الإتحاد الوطني تجاوز عقدة اختيار قائدٍ جديد. وفي هذا الخصوص حاولت زوجة الرئيس جلال ” هيرو إبراهيم” القيام بدور قائد الحزب، وصولاً لشباط عام 2020، حيث توافقت أجهزة الحزب السياسية والأمنية على تغيير نظام الحزب بحيث يسمح لتولي شخصين قيادة الحزب، في محاولة لردم شرخ صراع القوة بين ” لاهور وورثة جلال طالباني ومثلهم بافل”. 

ولا يمكن حصر هذا الخلاف الحاصل بين لاهور وبافل بمجرد القتال على وديعة مؤسس الحزب جلال طالباني، إلا إنها كانت أيضاً نتيجة طبيعية لإنخراط قادة الحزب في ملفاتٍ وطنية (عراقية) وإقليمية حساسة، فالشخصيتان وبالأخص لاهور شيخ جنكي كان لهما دور محوري في التوافق مع الجيش والحشد الشعبي لإفشال نتائج استفتاء استقلال إقليم كُردستان عبر السماح بعبور قوات الحشد والجيش لكركوك والمناطق المتنازع عليها، كما إن الجهاز الأمني للحزب بدأ بالانخراط في في مهامٍ أمنية وعسكرية عابرة للحدود وبالأخص فيما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية وتقديم الدعم لها واستقبال قادتها. دفع هذا الانخراط اللامتوازن من قبل قيادة الحزب في ملفاتٍ حساسة لحدوث حالة من الاضطراب والضغوط المحلية والإقليمية على محافظة السليمانية، فمن جهة تم توجيه أصابع الاتهام شعبياً لقيادة الحزب بوئد الحلم الكُردي في اقليم كُردستان، ومن جهة وضعت علاقة لاهور المقربة من حزب العمال الكٌردستاني، وتعاونه مع قوات سوريا الديمقراطية حزب الاتحاد الوطني في مواجهة ضغوط تركيا، وهو ما أدى لتوتر العلاقة بين السليمانية وأنقرة خلال السنوات الماضية بشكلٍ كبير. 

طبيعة وبنية النظام في السليمانية 

تعتبر محافظة السليمانية العاصمة الثقافية لإقليم كردستان العراق، ومركزاً للعديد من الثورات الشعبية طوال التاريخ، واليوم تحولت إلى ساحة للصراعات السياسية بين الأحزاب الكُردية وتشهد العديد من الاضطرابات والمشاكل السياسية بخلاف المحافظات الأخرى داخل إقليم كردستان العراق، وهذا التنافس الحزبي قد أثر سلبياً على مسار الإعمار والتطوير داخل المحافظة بشكل ملحوظ مقارنة بباقي المناطق.

بعد انتهاء الحرب الأهلية بين الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني عام 1998، أصبحت السليمانية المعقل الرئيسي للاتحاد الوطني الكردستاني ويسيطر الحزب على الجانب الأمني والاقتصادي في المحافظة، أما الجانب الإداري فأصبح من نصيب حركة التغيير التي تأسست في عام (2009) بعد الانشقاق عن الاتحاد الوطني الكردستاني، ونجحت في الاستحواذ على منصب المحافظ منذ عام 2016 وحتى اليوم.

يحتكر الاتحاد الوطني الكردستاني الجانب الأمني والعسكري في محافظة السليمانية، حيث يمتلك الحزب عدة منظومات أمنية وعسكرية أبرزها:.

1_ قوات وحدة (70) التابعة لوزارة البيشمركة والتي تُقدر أعدادها بأكثر من (56) ألف من البيشمركة

2_ قوات الدفاع والإنقاذ (10) ألف بيشمركة          3_ القوة السوداء التابعة لوزارة الداخلية وتقدر بألفي مقاتل.

4_ قوات جهاز مكافحة الإرهاب 2000 مقاتل.      5_ قوات سوات .    6_ جهاز المعلومات (زانياري) الاستخباري.

7_ قوات الأمن (الأسايش)

قيادات الصراع في السليمانية و خلفياتهم

بعد وفاة الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني (جلال طالباني) في تشرين الأول من عام 2017، تفاقمت مشاكل الاذرع والخلافات داخل الحزب بصورة أكبر، حيث كان مام جلال قادراً على إدارة الخلافات بين الأطراف المتعارضة داخل الحزب ويمنع انفجار وتفاقم الخلافات دائماً، وبغيابه تعرض الحزب إلى المزيد من المشاكل والأزمات التي عمقت الصراعات بصورة أكبر.

أبرز قيادات الصراع داخل الاتحاد الوطني الكردستاني :

بافل طالباني، الرئيس المشترك للاتحاد الوطني الكردستاني، وهو نجل الرئيس العراقي الأسبق الراحل (جلال طالباني) ، يقود اليوم محور ما يُسمى محور (بيت المام) ويمثل الذراع الأقوى المسيطر على اغلبية القوات الأمنية والعسكرية والإيرادات المالية داخل الحزب، يسانده شقيقه قباد طالباني الذي يعمل نائباً رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان العراق، ويلجأ الشقيق الأكبر إلى القوة والتهديد في التعامل مع باقي القيادات داخل الحزب، ويعتبر هذا التيار الطرف المعتمد للجانب الإيراني في إقليم كردستان بسبب العلاقات التاريخية بين طهران وعائلة جلال طالباني.

لاهور شيخ جنكي، ابن اخ الزعيم الراحل (جلال الطالباني)، وهو الزعيم المشترك للاتحاد الوطني الكردستاني، وكان الوجه الأبرز داخل الحزب ويقود جهازين حساسين داخل الإقليم (جهاز مكافحة الإرهاب) و (جهاز الزانياري) قبل تجريده من جميع سلطاته في الثامن من تموز من قبل بافل طالباني.

كوسرت رسول علي، الذي كان نائباً للأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني سابقا، قيادي عسكري ومن ابرز القيادات التقليدية التي قاتلت في الجبال وانتقلت الى المعترك السياسي ويستند على شرعية الثورة ، مدعوم من قبل الكثير من القيادات العسكرية داخل الحزب، وهو يطمح في ضمان مستقبل أبنائه داخل الحزب خلال الفترة القادمة وخاصة مع تراجع نشاطاته الحزبية بسبب وضعه الصحي الذي تدهور مرات عديدة خلال الفترة السابقة.

شاناز ابراهيم احمد، إبنة المفكر الكُردي المعروف إبراهيم أحمد، وشقيقة هيرو زوجة الرئيس الراحل جلال طالباني، وهي تمثل ذراعاً صاعداً داخل الاتحاد الوطني، تعتبر شاناز شخصية عنيدة وقوية وتحاول أن تجسد أفكار مام جلال في التيار الذي تقوده داخل الحزب بمساندة بعض القيادات المقربة منها.

برهم صالح، الرئيس العراقي الحالي والقريب كوسرت رسول، على الرغم من انشغاله في بغداد وتراجع شعبيته داخل الاتحاد الوطني، إلا انه يحظى بدعم بعض القادة العسكريين داخل الحزب مثل (عدنان محمد مينا) و (محمود سنكاوي)، ويمتلك برهم صالح رصيداً مالياً جيداً وعلاقات ودية مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية ، يؤهله لإعادة ترتيب نفسه داخل الحزب.

حاول بافل طالباني استعادة المركزية داخل الحزب بعد حركة الثامن من تموز وإعادة الاعتبار إلى محور عائلة مام جلال، حيث عمل على إرسال رسائل داخلية وخارجية بأن عائلة مام جلال تمثل الاتحاد الوطني الكردستاني ومن الصعب على أي طرف آخر أن يحيد أو يضعف هذه العائلة ويحاول تصدير المشهد، وبحسب قيادي كبير داخل الاتحاد الوطني فضل عدم الكشف عن اسمه، فإنه حتى الطرف الإيراني أرسل رسائل واضحة لكافة الأطراف الموجودة في السليمانية بأن عائلة طالباني خط أحمر وأن طهران لن تتخلى عن هذا الذراع لصالح باقي الاذرع والقيادات الأخرى.

وبحسب ذات المصدر فإن الكثير من الأطراف الإقليمية والدولية كانت ممتعضة من غياب مركزية في القرار داخل الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يقود السليمانية، وهذا ما دفع هذه الجهات إلى خفض مستوى العلاقات مع الاتحاد الوطني وتوجيه الكثير من النصائح بضرورة إنهاء الانقسامات التي على الرغم من آثارها السياسية السلبية ، فإنها تؤثر أيضاً على الوضع الأمني وتؤدي الى صدامات أحياناً كما حصل في 22 من حزيران 2021 عندما وقع صدام مسلح بين قوة عسكرية تابعة لنائب رئيس الإقليم (الشيخ جعفر) وقوات الأسايش وأدى إلى مقتل وإصابة أكثر من 10 عناصر مسلحة واستمرت المعارك لأكثر من ساعة بين الطرفين.

.

 مقدمات الصراع: خلافات المصالح ضمن جيل القيادة الجديد، وانخراط في ملفات حساسة

تتعدد العوامل والدوافع التي أدت لانفجار الصراع حالياً بين هذين الجناحين ضمن حزب الإتحاد، فالحزب تاريخياً يعرف عنه بإنه أشبه لتكتل قوى يسارية وليبرالية ضمن مظلة الحزب، ولا تزال الكثير من هذه القوى بشكلٍ أو بآخر تحافظ على كتلها الفعلية ضمن الحزب، إلا إنها لا تستطيع تجاوز الإحتكار العائلي ضمن الحزب وهو ما يبقي ضمن صفوف الصراع الخلفية، لكن هذه الطبيعة الائتلافية المشكلة لبنية الحزب تحافظ على نفسها كأحد العوامل الفعالة في إحداث الخلافات والانشقاقات ضمنه، وهو ما تفاعل بشكلٍ كبير بعد وفاة الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني، ففقد الحزب الشخصية التي كانت تربط كافة أطرافه، ولم يستطع ورثته سواءً لاهور أو بافل لا التنازل أو إقصاء بعضهم البعض بشكلٍ يؤدي إلى تشكيل قيادة مركزية مرة أخرى ضمن الحزب، وكان التوافق على إنشاء الرئاسة المشتركة ضمن الحزب عام 2020، فعلياً إعلاناً للإنشقاق الحاصل ضمن الحزب ولكن على شكل توافق على الرئاسة. وهو الأمر الذي لم يتمكن من الصمود نتيجة عوامل عدة، منها فشل محاولات بعض الشخصيات من الحزب قطع السليمانية عن أربيل وربطها بالحكومة المركزية بالأخص في موضوع الحصة من الموازنة المالية، كما أدى إنخراط لاهور في الملفات الأمنية المحلية والإقليمية لزيادة الضغط على الحزب وأدت لإفساد العلاقة الجيدة التي كانت تربط الحزب بتركيا منذ سنوات الصراع ضد نظام صدام حسين. هذه العوامل بالإضافة إلى أخرى مثل الإنتخابات العراقية القادمة والتي ستحدد مصير جزء من التحالفات السياسية داخل اقليم كُردستان، وعوامل تتمثل بالصراع الشخصي ضمن أطراف العائلة أدت إلى انفجار الخلاف في الوقت الحالي. 

المؤسسات الشيعية الولائية وعلاقتها بأطراف السليمانية

بعد إجراء الاستفتاء على الاستقلال وتهديد بغداد للإقليم بضرورة الانسحاب من المناطق المتنازع عليها، اتفقت الأطراف الولائية وبإشراف من إيران مع قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية على الانسحاب من كركوك وباقي المناطق، ونتيجة لهذا الاتفاق وفي 16 من أكتوبر 2017 نجحت الميليشيات في طرد قوات البيشمركة من المناطق المتنازع عليها وافشلت عملياً الاستفتاء الذي أجراه حزب الديمقراطي الكردستاني .

دفعت الأطراف الولائية باتجاه فصل السليمانية عن أربيل من خلال ذراع لاهور شيخ جنكي، حيث تعهدت أطراف شيعية في بغداد بدفع رواتب موظفي السليمانية وحرضت بعض السياسيين داخل الاتحاد الوطني على التوجه نحو المطالبة باللامركزية الإدارية للسليمانية، لإضعاف كيان الإقليم وضرب الديمقراطي الكردستاني، وعلى الرغم من فشل هذا المشروع إلا ان الأطراف الشيعية تدفع باتجاه الصدام دائماً ومن مصلحتها الإبقاء على الخلافات وإضعاف القيادات القريبة من البارزاني في السليمانية مثل كوسرت رسول.

مع الأيام الأولى لنشوء الصراع بين عائلة طالباني و عائلة شيخ جنكي، وصل زعيم ائتلاف دولة القانون (نوري المالكي) إلى السليمانية لإجراء وساطة بين الطرفين، وأظهرت الكثير من الأوساط الشيعية عن قلقها مما يجري في السليمانية وخاصة أنها تعتبر الاتحاد الوطني حليفاً لها في مقابل الديمقراطي الكردستاني وتعمل على تقوية الاتحاد بكل الوسائل

أربيل وبغداد: تدخل حذر، ومحاولات لردم الصدع

 تناولت أربيل ملف الصراع الحاصل في صفوف الاتحاد الوطني بحذرٍ كبير، ولم ينخرط الإعلام المحسوب على الحزب الديمقراطي الكُردستاني في المعركة الحاصلة بين لاهور وبافل بشكلٍ بارز، وهذا الأمر يمكن تصنيفه ضمن عدم رغبة أربيل في أن تقوم بالمساعدة في تصوير ما يحدث في السليمانية على إنه نتيجة تخطيط منها، رغم ذلك كان وجود ” قوباد طالباني” وهو نائب رئيس حكومة الإقليم في السليمانية إلى جانب أخيه بافل، وقيامه بالتوقيع على بعض القرارات، كان مؤشراً على وجود مساندة رسمية من حكومة هولير، لهذه الخطوة، وبالعموم سيكون إنتصار محور ” بافل وعائلة جلال طالباني” على محور لاهور شيخ جنكي في مصلحة الحزب الديمقراطي، بالأخص فيما يتعلق بملف الانتخابات العراقية القادمة، والتي لأجلها كانت قيادة حزب الإتحاد قد عقدت اتفاقاً مع حركة التغيير، وهو ما من شأنه أن يؤثر على الكتلة النيابية في البرلمان العراقي بحيث يتم إضعاف موقف الحزب الديمقراطي الكُردستاني، كما إن استتباب الأمور لبافل طالباني سيعيد بنسبة معينة العلاقة بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكُردستاني لطبيعتها التحالفية التي طغت على علاقة الطرفين منذ سقوط نظام صدام حسين إلى عام وفاة رئيس الاتحاد الوطني ” جلال طالباني”. بغداد من جهتها انخرطت في محاولات لتخفيف الصدام بين الطرفين عبر قصد مجموعة من السياسيين العراقيين للسليمانية، ولم يظهر دورٌ فارق لبغداد كحكومة أو سياسيين ضمن هذا الحدث نتيجة التشتت الحاصل بالأساس في البيت العراقي، وكانت أبرز المحاولات عبر الرئيس العراقي برهم صالح وهو قيادي بارز ضمن حزب الاتحاد الوطني، بالإضافة لزيارة رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، و تمحورت معظم زيارات الشخصيات العراقية القيادية حول التقليل من أضرار الخلاف الحاصل، وعدم السماح للأحداث لأن تجر أطرافها لمزيدٍ من التوتر والشقاق في المحافظة. 

سيناريوهات الصراع ومستقبل الاتحاد الوطني الكردستاني 

الخلافات بين بافل طالباني ولاهور شيخ جنكي ليس إلا تجسيداً للخلافات على المصالح والنفوذ داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، وفي ظل غياب شخصية قيادية تتمتع بالكاريزما مثل الراحل (جلال الطالباني) فإنه من الصعب أن ينجح الحزب في تجاوز الخلافات الداخلية في ظل تدخلات محلية و اقليمية تساهم في تصاعد المشاكل بين الأذرع وأطراف الصراع.

تفاقم الخلافات في هذا الوقت الحساس والعراق على أبواب الانتخابات المبكرة سيؤثر بشكل سلبي على ثقل الحزب وقد يتراجع أكثر في المرحلة القادمة، وخاصة أن لاهور شيخ جنكي يرفض المشاركة في الدعاية الانتخابية للاتحاد الوطني، إضافة إلى انزعاج الكثير من الكوادر الحزبية داخل الاتحاد الوطني من الظروف التي تم خلقها بعد الثامن من تموز وغياب الحماسة الكافية لدفعهم للمشاركة في الانتخابات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى