رصد

انسحاب التحالف وحصر السلاح وتصعيد الخليج.. العراق أمام أسبوع من الضغوط المتقاطعة

التاريخ: 8 أيلول 2026
فترة الرصد: 2–8 أيلول 2026

تحرك المشهد العراقي هذا الأسبوع تحت تأثير ثلاثة ملفات مترابطة: اقتراب إنهاء مهمة التحالف الدولي، وتغير الخطاب السياسي تجاه حصر السلاح من «النزع» إلى «التنظيم والاحتواء»، وتحول التصعيد الإقليمي من المواجهة الأميركية–الإيرانية إلى تهديد مباشر للسعودية ومنشآت الطاقة والملاحة في الخليج.

محلياً، كشفت مواقف نوري المالكي وأبو آلاء الولائي عن أن الخلاف لم يعد يدور حول مبدأ وضع السلاح تحت سلطة الدولة فقط، بل حول تعريف العملية نفسها: هل تعني نزع القدرات العسكرية المستقلة، أم تنظيمها وإعادة دمجها مع بقاء جزء من بنيتها الحالية؟

أمنياً، عزز الحكم في قضية اختطاف الصحفية الأميركية صورة تحرك القضاء ضد أحداث تمس أمن الأجانب وسمعة الدولة، لكنه لا يحسم وحده الأسئلة المتعلقة بالجهات والشبكات التي تقف خلف مثل هذه العمليات.

اقتصادياً، حقق العراق تحسناً مهماً في صادرات النفط، لكنه جاء في ظل تقديم خصومات وتسهيلات مرتبطة بظروف الحرب والملاحة. وهذا يجعل التحسن عرضة للتراجع إذا اتسعت المواجهة في مضيق هرمز أو تعطلت حركة الناقلات.

أما إقليمياً، فقد رفعت الهجمات الحوثية على مدن ومنشآت سعودية احتمال توسع الحرب. وبذلك أصبح العراق أمام اختبار مزدوج: منع استخدام أراضيه أو فصائله في النزاع، ومنع الأطراف الخارجية من نقل ردودها العسكرية إلى الداخل العراقي.

أولاً: أبرز التطورات المحلية

1. اقترب انسحاب التحالف وبقيت ترتيبات ما بعده غامضة

أكدت الحكومة استمرار الإجراءات الرامية إلى إنهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول. ويشمل ذلك خروج القوات والمنظومات المرتبطة بمهمة التحالف، بالتزامن مع الاستعداد للانتقال إلى شكل جديد من العلاقات الأمنية مع الدول المشاركة فيه.

الدلالة والانعكاس:
لا يعني انتهاء مهمة التحالف بالضرورة توقف جميع أشكال التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة والدول الغربية. وقد تستمر بعض المهام ضمن اتفاقات ثنائية تشمل التدريب والتسليح والصيانة وتبادل المعلومات.

وسيصبح تعريف «الانسحاب الكامل» موضع الخلاف المقبل. فالحكومة ستتعامل مع إنهاء مهمة التحالف بوصفه تنفيذاً للاتفاق، بينما قد تعتبر بعض الفصائل استمرار أي وجود استشاري أو عسكري أميركي دليلاً على عدم اكتمال السيادة.

2. حصر السلاح يتحول من «النزع» إلى «التنظيم»

برز هذا الأسبوع تغير في المصطلحات المستخدمة داخل القوى السياسية والفصائلية. فقد تحدث نوري المالكي عن تنظيم السلاح أو احتوائه بدلاً من نزعه بالقوة، مؤكداً أن الملف ينبغي أن يعالج بالحوار. كما ربط أبو آلاء الولائي تنظيم السلاح بتحقيق ما وصفه بالسيادة الكاملة والشاملة.

الدلالة والانعكاس:
تكشف هذه المواقف انتقال النقاش من قبول مبدأ حصر السلاح إلى التفاوض على مضمونه وآلياته. فالحديث عن «التنظيم» قد يسمح بإعادة هيكلة الفصائل داخل المؤسسات الرسمية، لكنه لا يضمن بالضرورة انتقال السلاح النوعي والمخازن والتمويل والقرار العملياتي إلى الدولة.

ويعني ذلك أن 30 أيلول لن يكون على الأرجح موعداً لنهاية الملف، بل بداية مرحلة تفاوض جديدة حول شكل الدمج وحدود القدرات التي ستحتفظ بها الفصائل.

3. لجنة سياسية للتفاوض بدلاً من المواجهة

تحرك الإطار التنسيقي باتجاه تشكيل مسار تفاوضي مع الحكومة لمعالجة ملف السلاح، بمشاركة قوى تمتلك علاقات مباشرة مع الفصائل وقدرة على التأثير فيها.

الدلالة والانعكاس:
اختيار التفاوض يؤكد أن القوى السياسية الشيعية لا تريد الذهاب إلى مواجهة عسكرية داخلية، خصوصاً في ظل الحرب الإقليمية. كما يعكس إدراك الحكومة أن تنفيذ قراراتها بالقوة قد يؤدي إلى انقسام داخل الحشد الشعبي والإطار التنسيقي.

لكن نجاح اللجنة لن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بقدرتها على إنتاج آلية تنفيذية تحدد مصير السلاح الثقيل والطائرات المسيّرة والمخازن والمقرات ومصادر التمويل.

4. حكم قضائي في قضية اختطاف الصحفية الأميركية

أصدرت المحكمة الجنائية المركزية حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً على مدان بالاشتراك في اختطاف الصحفية الأميركية في بغداد، بعد قضية أثارت اهتماماً داخلياً وخارجياً واسعاً.

الدلالة والانعكاس:
يحمل الحكم رسالة تتعلق بقدرة القضاء على التعامل مع الجرائم التي تستهدف الأجانب وتمس صورة العراق وعلاقاته الخارجية. كما يأتي في توقيت تحاول فيه الحكومة إظهار قدرتها على حماية البعثات والمواطنين الأجانب قبل الانتقال إلى مرحلة ما بعد التحالف.

إلا أن الأثر الأوسع للحكم سيعتمد على استكمال ملاحقة بقية المتورطين وكشف الشبكة التي نفذت العملية، لا الاكتفاء بإدانة فرد واحد.

5. صادرات النفط ترتفع لكنها لم تعد إلى مستويات ما قبل الحرب

تمكن العراق من رفع صادراته النفطية خلال آب وبداية أيلول، مستفيداً من عودة جزء من حركة الناقلات وتحسن قدرة الخام العراقي على الوصول إلى الأسواق الآسيوية.

وعلى الرغم من هذا التحسن، بقيت الصادرات دون مستويات ما قبل اندلاع الحرب، كما ارتبطت زيادة الطلب بخصومات سعرية كبيرة قدمها العراق للمشترين.

الدلالة والانعكاس:
يوفر ارتفاع الصادرات متنفساً مالياً للحكومة بعد أشهر من الاضطراب، لكنه يكشف هشاشة الاعتماد العراقي على الطرق البحرية والظروف السياسية المحيطة بمضيق هرمز.

ويعني تقديم خصومات واسعة أن العراق استطاع زيادة الكميات المبيعة، لكنه اضطر إلى التخلي عن جزء من قيمة البرميل مقابل ضمان المشترين واستمرار التصدير. وبذلك لا تعني زيادة الصادرات تلقائياً ارتفاع الإيرادات بالنسبة نفسها.

ثانياً: أبرز التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق

6. المواجهة الأميركية–الإيرانية تنتقل إلى حرب الناقلات
شهد الأسبوع استهداف الولايات المتحدة ناقلات نفط إيرانية، رداً على هجمات إيرانية استهدفت سفناً حربية أميركية، بالتزامن مع تهديدات إيرانية بتوسيع الرد وفرض قيود جديدة في المياه المحيطة بمضيق هرمز.

الدلالة والانعكاس على العراق:
يرتبط العراق اقتصادياً بالممرات نفسها التي أصبحت جزءاً من المواجهة العسكرية. وأي تصعيد إضافي قد يرفع كلف التأمين، ويبطئ حركة الناقلات، ويهدد استقرار الصادرات العراقية.

كما أن استمرار المواجهة الأميركية–الإيرانية يضع الفصائل العراقية أمام ضغوط متزايدة لاتخاذ موقف، ويضع الحكومة أمام ضرورة منع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة رد غير مباشر.

7. هجمات الحوثيين تعيد السعودية إلى خط النار
نفذ الحوثيون هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت خميس مشيط وأبها ونجران وجازان، وتسببت بإصابة 73 شخصاً وحرائق وتوقف مؤقت لبعض العمليات في منشآت الطاقة. في المقابل، أعلنت السعودية احتفاظها بحق الرد واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف مصادر التهديد.

الدلالة والانعكاس على العراق:
يمثل هذا التطور أخطر أحداث الأسبوع إقليمياً، لأنه ينقل الحرب إلى منشآت الطاقة السعودية ويرفع احتمال عودة المواجهة السعودية–الحوثية الواسعة.

وبالنسبة إلى العراق، يرفع التصعيد مستوى التدقيق في حركة الطائرات المسيّرة وشبكات الإمداد والفصائل المرتبطة بالمحور الإيراني. وحتى الآن لا توجد معلومات مثبتة تسمح بإسناد الهجمات الأخيرة إلى الأراضي العراقية، لكن استمرار التصعيد قد يدفع الرياض إلى مطالبة بغداد بضمانات أمنية وإجراءات ميدانية أكثر وضوحاً.

كما أن أي اتهام مستقبلي لجهة عراقية بالمشاركة في استهداف السعودية قد يعرّض العراق لضغوط شديدة أو ضربات خارجية، ويهدد بإفشال مسار التفاهم بشأن حصر السلاح.

8. أسعار النفط تقترب من 100 دولار
دفعت الهجمات على منشآت الطاقة واضطراب الملاحة أسعار النفط إلى الاقتراب من حاجز 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من استمرار الحرب واتساعها.

الدلالة والانعكاس على العراق:
يحصل العراق على فائدة مالية مباشرة من ارتفاع الأسعار، لكن استمرار هذه الفائدة يعتمد على قدرته على إبقاء صادراته عند مستويات مرتفعة.

فإذا بقيت الملاحة مفتوحة، قد تساعد الأسعار الجديدة في تعويض جزء من خسائر الخصومات وتراجع الكميات خلال الأشهر الماضية. أما إذا اتسعت حرب الناقلات، فقد يصبح ارتفاع السعر مؤشراً نظرياً لا تستفيد منه بغداد بسبب تعطل التصدير أو ارتفاع كلف النقل والتأمين.

الخلاصة

يكشف مسار الأسبوع أن ملفات العراق الداخلية لم تعد قابلة للفصل عن الحرب الإقليمية.

فاقتراب نهاية مهمة التحالف يمنح الحكومة فرصة لإعادة تنظيم العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة وسحب الذريعة المرتبطة بوجود القوات الأجنبية. لكن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة والهجمات الحوثية على السعودية يمنح الفصائل ذريعة مقابلة للاحتفاظ بسلاحها تحت عنوان استمرار التهديدات الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، تتحسن صادرات النفط العراقية، لكن هذا التحسن يعتمد على ممر بحري أصبح جزءاً من الحرب، وعلى تفاهمات وتسهيلات قد تتغير مع تغير الموقف الإيراني أو توسع العمليات الأميركية.

أما داخلياً، فقد أصبح واضحاً أن الحكومة والقوى الشيعية المؤثرة تفضلان الاحتواء والتفاوض على المواجهة. لكن هذا التوافق لا يجيب بعد عن السؤال الأساسي: هل سيقود التفاوض إلى نقل السلاح والقرار إلى الدولة، أم إلى إعادة تنظيم الفصائل داخل المؤسسات مع بقاء بنيتها المستقلة؟

وعليه، لم يكن هذا الأسبوع أسبوع قرارات نهائية، بل أسبوع إعادة تعريف الملفات: انسحاب التحالف يتحول إلى شراكة ثنائية، ونزع السلاح يتحول إلى تنظيم واحتواء، وارتفاع صادرات النفط يرتبط بخصومات ومخاطر ملاحة، وبقاء العراق خارج الحرب يصبح مشروطاً بقدرته على ضبط أراضيه وفصائله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى