التقارير

تقلبات سعر صرف الدينار العراقي في ظل قيود التحويل الخارجي وامكانية السيطرة عليه

أولا : سعر الصرف ونافذة العملة في العراق

سعر الصرف هو عدد الوحدات من العملة الوطنية اللازمة لشراء وحدة واحدة من العملة الأجنبية أو هو عدد وحدات العملة الأجنبية اللازمة لشراء وحدة واحدة من العملة الوطنية.[1]

نافذة العملة : هي إحدى الوسائل غير المباشرة التي اعتمدها البنك المركزي العراقي لتحقيق الاستقرار في سعر صرف الدينار العراقي والتي أنشئت في 4/10/2003 والتي كان لها الأثر الواضح في استقرار وتقليل حدة تقلبات في سعر الصرف وكان الهدف من انشائها هو[2]:

  1. أداة تدخل مباشر لتحقيق الاستقرار في قيمة الدينار العراقي عن طريق الدفاع عن سعر صرف توازني مما ينعكس إيجابا على المستوى العام للأسعار ولاسيما السلع المستوردة النهائية مدخلات الإنتاج ويوسع قاعدة التصدير.
  2. وسيلة لتطبيق الأدوات غير المباشرة للسياسات النقدية في إدارة سيولة الاقتصاد والسيطرة على مناسيبها، ويعد حالة من حالات تطبيق عمليات السوق المفتوحة المطلوبة بصورة مستمرة في تحقيق التوازنة في السوق النقدية وتقوية فرص الاستقرار المالي.  
  3. تمويل النشاط التجاري الخاص وتمويل مبادلاتهم التجارية بالعملات الأجنبية بعد أن كان يعتمد على السوق الموازي (السوداء) في تمويل احتياجاته والتي كانت تتصف بعدم الانضباط والفوضى في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي. وهو ما أدى إلى زيادة المعروض السلعي بشكل غطى الطلب المحلي على السلع والمنتجات بعد توقف القسم الأكبر من المعامل والمصانع الحكومية والأهلية عن الإنتاج إما بسبب التدمير أو انقطاع الكهرباء وزيادة تكاليف الإنتاج وفتح الحدود أمام الاستيراد وإلغاء التعرفة الكمركية التي قضت بشكل كامل تقريبا على الإنتاج المحلي وعدم قدرته على المنافسة.
  4.  كانت نافذة العملة ممول الحكومة الرئيس بالدينار العراقي بعد تحويل عوائدها النفطية المتحصلة بالدولار والتي تشكل أكثر من 90% من الإيرادات العامة السنوية وبيعها للبنك المركزي لتتمكن من دفع نفقاتها التشغيلية والاستثمارية بالدينار العراقي. دون الحاجة إلى إصدار نقدي جديد كان يمكن أن يزيد من حجم الكتلة النقدية وهو ما أسهم بشكل كبير في تحجيم نمو عرض النقد.
  5. رفع القدرة الشرائية لذوي الدخول المحدودة بعد تحسن مستوى وقيمة الدينار أمام الدولار وانعكاسه على القيمة الحقيقة للدخول.
  6. توفير موارد بالعملة الأجنبية لدى المصارف المحلية لغرض تمكينها من فتح الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان وإجراء عمليات التحويل المالي بالعملات الأجنبية.
  7. فتح آفاق استثمارية لدى الجمهور (زبائن المصارف) لغرض تطوير استثماراتهم ومشاريعهم الاقتصادية وتوفير العملة اللازمة لتمويل متطلبات السياحة الترفيهية والعلاجية والدراسة خارج العراق.

  لقد كان مخططاً لمزاد العملة أن يستمر لمدة سنتين أو ثلاث لحين قدرة القطاع الصناعي والزراعي على الإنتاج لسد حاجة السوق المحلية ولكن الذي حصل هو استمرار العمل بالمزاد إلى اليوم وتحويل اسمه إلى نافذة بيع العملة.

ثانيا: سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف الموازي

حققت نافذة العملة استقراراً نسبياً في أسعار الصرف وكان سعر الصرف الموازي قريبا من سعر الصرف الرسمي للمدة 2004-2020 كما موضح في الجدول (1) ومنه نجد أن هامش الفرق كان يتراوح (3-30) نقطة عدا السنوات  2012 -2017 كان الفرق بحدود (53-85 ) نقطة بسبب الاضطرابات الأمنية وسقوط عدد من المحافظات بيد التنظيمات الإرهابية واتخاذ الحكومة في موازنة عام 2015 قراراً بتحديد مبيعات النافذة بـ 75 مليون دولار يوميا وإلزام البنك المركزي تحصيل أمانات ضريبية وكمركية بنسبة 10%.

لقد اتخذ مجلس إدارة البنك المركزي قراراً بتغيير سعر الصرف الرسمي من 1190 دينار إلى 1470 دينار لكل دولار في 19/12/2020 ولم يستقر سعر الصرف في السوق الموازي الذي كان يقل عن السعر الرسمي بأكثر من 15 نقطة إلا بعد إقرار الموازنة العامة لعام 2021 في 31/3/2021. ولكن الملاحظ أن سعر الصرف في السوق الموازي أخذ بالارتفاع في نهاية عام 2022 من 1476 دينار لكل دولار في شهر تشرين الأول إلى 1487 دينار في شهر تشرين الثاني ثم إلى 1530 في شهر كانون الأول ثم أخذ بالتأرجح بين (1510 و 1560)  في الأيام العشرة الأولى من شهر كانون الثاني من عام 2023  

جدول( 1 )

سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف الموازي للدينار مقابل الدولار الأمريكي في العراق

 للمدة 2004-2023

السنةسعر الصرف الرسميسعر الصرف الموازيالسنةسعر الصرف الرسميسعر الصرف الموازي
200414531454201411881214
200514691472201511901247
200614671475201611901275
200712651266201711901258
200811961203201811901209
200911801182201911901296
201011831185202012001224
201111831196202114701474
201211791233202214701482
201311791232202314701559

المصدر : الجدول من إعداد الباحث اعتمادا على:

البنك المركزي العراقي، أسعار صرف الدينار مقابل الدولار (يومي –شهري- سنوي) المنشورة على الرابط: www.cbi/news/section/4  

 ثالثا : مبيعات النافذة وعمليات غسل الأموال

لاشك أن الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي العراقي باعتماد المنصة الإلكترونية للتحويل الخارجي سيحد من شبهات الفساد وعمليات غسل الأموال التي رافقت تزايد مبيعات نافذة العملة واستغلالها لأسماء أشخاص لا علاقة لهم بالتجارة يتم تحويل الأموال بأسمائهم دون علمهم أو عبر تقديم وثائق مزورة كما موضح في الوثائق، فضلاً عن تزامن زيادة التحويلات النقدية أو المبيعات النقدية التي كانت تجري في المزاد مع فضيحة سرقة الأمانات الضريبية في عام 2022 والتي ارتفعت فيها مبيعات النافذة إلى أرقام قياسية لم يشهدها المزاد سابقا كما موضح في الجدول (  2 ) وهو ما يبين أن نافذة العملة كانت بوابة مشرعة لعمليات غسل الأموال بسبب ضعف الرقابة وعدم المحاسبة.

جدول( 2  )

مبيعات نافذة العملة السنوية للمدة 2004-2021

السنةالمبيعات النقديةحولات نقديةإجمالي المبيعاتالسنةالمبيعات النقديةحولات نقديةإجمالي المبيعات
2004  6.5201414.637.254.5
2005  7.12015638.344.3
2006  7.620164.728.833.5
20073.012.915.920179.431.442.2
20085.620.225.820188.838.347.1
20094.529.433.920195.845.351.1
20102.23436.220203.440.744.1
20111.538.339.820216.630.537.1
20123.74548.720229.439.048.4
201312.24153.2    

المصدر: البنك المركزي  العراقي ، التقرير الاقتصادي السنوي للبنك المركزي العراقي ، سنوات مختلفة

أما الجدول ( 3) فيوضح علاقة تزايد مبيعات النافذة في عام 2022 مع الأموال المسروقة من الأمانات الضريبية والبالغة ما يعادل 2,5 مليار دولار  ويلاحظ من الجدول ارتفاع مبيعات الحوالات النقدية للأشهر كانون الأول من عام 2021 والأشهر 6،7،8،9،10 من عام 2022 والتي زادت عن (200) مليون دولار يوميا من أيام عمل النافذة بدءاً من يوم 2/6/2022 ولغاية 25/10/2022 عدا بعض الأيام التي كانت قريبة منها، وصلت إلى أقصاها (248) مليون في 14/8/2022 متزامنا ذلك ارتفاع السحوبات النقدية للأمانات الضريبية التي وصلت إلى ما يعادل (522.6) مليون دولار من العملة المحلية في شهر 6/2022. كما يلاحظ من الجدول أيضا انخفاضاً كبيراً في مبيعات النافذة من الحوالات النقدية لتعزيز أرصدة المصارف في الخارج بعد قرار حظر أربعة مصارف من التعامل بالدولار الامريكي والتي كانت تهيمن على حصة تقدر بـ (40ـ45% ) من مبيعات النافذة اليومية.

إن تزايد مبيعات النافذة اليومية سواء كانت النقدية منها أو حوالات تعزيز أرصدة المصارف في الخارج يؤشر على أن مكاتب الصرافة والمصارف تستغل النافذة لتمرير الأموال المشبوهة وتساهم في عمليات غسل الأموال عن طريق تقديم الوثائق المزورة بأسماء وهمية لتحويل الأموال إلى خارج العراق بطريقة رسمية ومشروعة كون أن الآلية القديمة (N22-O) لعمل نافذة العملة تسهمل عملية نقل وتحويل الأموال دون رقابة دقيقة ومتابعة كاملة لتحويل الأموال من التاجر في العراق إلى المستفيد النهائي وتحقيق الغرض النهائي من الحوالة.  

                                             جدول( 3 )

مبيعات النافذة الشهرية وعلاقته بمسحوبات الأمانات الضريبية (مليون دولار)

الشهرعدد أيام البيعالمبيعات النقديةالحوالات النقديةالمجموعمتوسط بيع الحولات اليوميسحوبات الأمانات الضريبيةالملاحظات
7/202114606.63335.52941.7238.2000 
8/2021231082.83801.34884.1165.3000 
9/202121910.43540.34450.7168.530.2أول صك تم سحبه في 11/9
10/202118791.03379.34170.3187.726.7 
11/202122915.93109.24025.1141.363.2 
12/2021211352.94364.05716.9207.8134.9 
1/2022201011.73280.94293.6164.0201.3 
2/202219753.82709.93463.7142.6198.6 
3/202221858.82943.63802.4140.2342.4 
4/202220709.13269.93979.0163.5411 
5/202217936.12844.13780.2167.3219.2 
6/202222809.34272.85082.1194.2522.6 
7/202215542.53411.13953.6227.4388.3 
8/202221833.84718.55552.3224.754.8 
9/202220752.83870.24623.0193.5000 
10/202221758.33811.64569.9181.5000 
11/202222576.32344.62920.9106.6000حظر أربعة مصارف من دخول نافذة بيع العملة
12/202220849.41549.12398.577.4000 
1/20235340.2175.5526.135.1000بدء تطبيق المنصة الإلكترونية

المصدر: الجدول من إعداد الباحث اعتمادا على

  • النشرة اليومية لمبيعات النافذة للمدة من 1/7/2021 ولغاية 8/1/2023
  • كتاب الهيئة العامة للضرائب الموجهة إلى مكتب السيد وزير المالية رقم 61/س/1647 في 10/10/2022

رابعا: تقلبات سعرف الصرف في السوق الموازي

لقد تزايدت تقلبات أسعار الصرف بشكل كبير في السوق الموازي بعد اتخاذ البنك الاحتياطي الفدرالي الامريكي في 4/11/2022 قرارا بمعاقبة أربعة مصارف عراقية من التعامل بالدولار الامريكي واتهامها بعمليات غسل الأموال وتحويل الأموال إلى جهات وافراد موجودين في قائمة العقوبات الامريكية هي: مصرف الانصاري الإسلامي للاستثمار والتمويل، مصرف القابض الإسلامي للاستثمار والتمويل، مصرف آسيا الإسلامي للاستثمار والتمويل ومصرف الشرق الأوسط العراقي للاستثمار، والتلويح باحتمالية معاقبة مصارف أخرى إن لم تلتزم بآليات وشروط التحويل الخارجي، على إثر ذلك اتخذ البنك المركزي العراقي قرار بإبعاد هذه المصارف الأربعة من الدخول إلى نافذة العملة وشراء الدولار الامريكي وجواز تعاملها بالعملات الأجنبية الأخرى.  فضلا عن اتخاذ إجراءات جديدة تجري من خلالها عمليات التحويل النقدي الخارجي. وكان من أهم أسباب هذه التقلبات هي:

1-   تحول البنك في اعتماد نظام التحويل المالي النقدي من نظام التحويل التقليدي (N2-2O) إلى نظام تحويل الإلكتروني المسمى (N2-2O-CO) باعتماد المنصة الإلكترونية وهي استجابة لشروط التحويلات المالية العالمية (سويفت) والتي يتوجب على المصرف ملء استمارة تحتوي معلومات تفصيلية كاملة عن عملية التحويل النقدي مرفقة بالوثائق تتضمن  اسم التاجر الكامل (طالب التحويل)، المصرف الوسيط، المصرف المراسل، الجهة المرسل لها الحوالة النقدية، تفاصيل كاملة عن نوع البضاعة (الغرض من التحويل)، المنفذ الذي ستشحن منه البضاعة والمنفذ الذي ستدخل منه البضاعة للعراق، وهو بالتالي سيكون أكثر دقة في مراقبة عمليات التحويل والهدف منه بما يؤدي إلى الحد من عمليات غسل الأموال وتهريبها.

2-   إن النظام الذي كانت فيه المصارف تقدم طلباتها للبنك المركزي بتحويل مبالغ معينة لغرض تحويلها إلى البنوك المراسلة في دولة الإمارات العربية المتحدة أو الأردن وبعد وصولها وتنتهي مهمة مراقبة هذه التحويلات بمجرد وصولها للبنوك المراسلة ثم بعد ذلك يقدم المصرف تفاصيل وتبويب لعمليات الصرف للأموال المحولة وهذه الآلية تسمح بتحويل الأموال المشبوهة والناتجة عن عمليات فساد أو غسل اموال دون تدقيق وخاصة فضيحة سرقة اموال الأمانات الضريبية.

3-   لقد أدى اعتماد هذا النظام اعتباراً من 2/1/2023 إلى عزوف عدد من المصارف من دخول نافذة العملة فقد انخفض عدد المصارف من (21) مصرف بعد استبعاد المصارف الأربعة، إلى (8-12) مصرف فقط وكذلك تحول التجار إلى تحويل مبالغ الحوالات إلى الشراء النقدي من مكاتب الصيرفة وتحويل الأموال بشكل نقدي عبر الاقليم إلى إيران وتركيا دون المرور بالنظام المصرفي العراقي.

4-   ساهم إبعاد المصارف الاربعة من المشاركة في نافذة العملة والحصول على الدولار الامريكية لغرض تعزيز أرصدة هذه المصارف الخارجية، بأثر كبير في ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي لأن حصة هذه المصارف الأربعة من مبيعات النافذة اليومية كانت تتراوح من (40%-45%) وهو ما أثر على إجراء الحوالات النقدية التي كان المفروض أن قسماً منها يمول عمليات استيرادات القطاع الخاص المختلفة. كما مبين في الجدول (4) 

 إن اعتماد منصة نظام التحويل الإلكتروني سيوفر معلومات كاملة للدوائر الكمركية والضريبية عن التحويلات المالية والغرض منها، وهذا ما أدى إلى ابتعاد التجار عن اعتماد التحويل المصرفي واللجوء إلى الشراء من السوق الموازي تهرباً من التحاسب الضريبي والكمركي.

جدول (4)

أثر العقوبات الأمريكية على المصارف الأربعة في مبيعات النافذة ك2/2023

اليومتعزيز أرصدة المصارف في الخارجالبيع النقديإجمالي المبيعاتإجمالي عدد شركات الصرافة المشاركةإجمالي عدد شركات التوسط
المبلغ المحولعدد المصارفالمبلغ المباععدد المصارف
10/1/202338,260,4321033,100,0001371,361,43216132
9/1/202315,319,559929,850,0001245,169,55912144
8/1/202328,624,526883,800,00013112,424,52654272
5/1/2023—– 43,500,0002143,500,000  
4/1/202323,578,645884,900,00020108,478,62538260
3/1/202376,231,838958,300,00011134,531,83834200
2/1/202347,512,161879,690,0001366,036,81144188
        
8/12/202290,395,5591832,150,00015122,545,55925104
7/12/2022115,396,1921843,150,00022158,546,19233126
6/12/202290,583,7801730,300,00017120,883,78019198
5/12/202397,320,6012042,750,00016140,070,60128137
4/12/2022108,351,9091820,950,00013129,301,90914113
1/12/2022113,767,0001828,000,00012141,767,00022113
        
10/11/2022123,836,3901334,250,00021158,086,3902754
9/11/2022100,965,0001619,450,00013120,415,0001547
8/11/202286,410,0001518,450,00015104,860,0001357
7/11/202273,537,582156,800,000880,337,582421
6/11/2022126,912,000208,600,0007135,600,000739
3/11/2022114,659,6601914,100,0008128,759,6601013
2/1/2022110,002,6121910,300,00011120,302,612651
1/11/2022145,163,350226,700,00012151,863,380436
31/10/2022183,490,3002718,500,00012201,990,3001082
30/10/2022177,049,8352712,450,0009189,499,835886
27/10/2022185,017,3222822,200,0008207,217,3221548
26/10/2022182،436،5822960,300,00022242,736,58347189
25/10/2022198,576,4983239,700,00021238,276,49826210
24/10/2022198,690,8693139,350,00016238,040,86923133
23/10/2022219,275,1203017,600,00012236,875,12012123
20/10/2022202,458,5002925,150,00010227,608,5001877
        
10/10/2022217,402,474324,450,0003221,852,474246
9/10/2022208,650,0003211,650,0009219,941,100867
6/10/2022184,700,0003142,100,00013226,800,00030130
5/10/2022185,076,0003049,700,00015234,776,00039180

خامسا : إجراءات البنك المركزي لمواجهة ارتفاع سعر الصرف

إن عزوف التجار وبعض المصارف عن المشاركة في نافذة العملة بعد تطبيق نظام التحويل الإلكتروني (N22-O-CO) الذي يتطلب من التاجر طالب الحوالة تقديم معلومات كاملة وتفصيلية أدى إلى ابتعاد أغلب التجار من التحويل عبر النافذة تهربا من الإفصاح عن تحويلاتهم والجهات المحولة لها وكذلك تهربا من التحاسب الضريبي والكمركي الذي يحسب على أساس قيمة الحوالة وليس الربح المتحقق من عملية المتاجرة باستيراد السلع وإعادة بيعها في السوق المحلية ولذلك تحولت طلباتهم من التحويلات النقدية إلى شراء مبلغ الحوالة من السوق الموازي وتحويلها بالنقد الكاش إلى إقليم كردستان أو دول الجوار وهو ما أدى إلى ارتفاع كبير في سعر الصرف وصل إلى (1590) دينار لكل دولار  ولغرض الحد من الارتفاع المتزايد لسعر الصرف  وتحقيق الاستقرار في المستوى العام للأسعار اتخذ البنك المركزي عددا من الإجراءات تمثلت بـ [3]:

  1.   السماح للمصارف المشاركة في نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية بشراء أية مبالغ بالعملة الأجنبية وإيداعها لدى هذا البنك بحسابات تستخدم لأغراض التحويل الخارجي، وتدفع عن تلك الأرصدة فوائد/عوائد بحسب ما يقرره هذا البنك.
  2. تسهيل تمويل تجارة القطاع الخاص من خلال المصارف العراقية وتلبية طلب التحويلات الخارجية من خلال تعزيز أرصدة المصارف لدى مراسليها بعملات أخرى فضلًا عن عملة الدولار الأمريكي (اليوان الصيني، اليورو، الدرهم الإماراتي، الدينار الأردني وغيرها).
  3. تسهيل إجراءات التحويل الخارجي للتجار عبر المنصة الإلكترونية باعتماد القائمة التجارية فقط للتحويل ومن ثم بامكان التاجر أن يقدم مستندات الشحن للسلع المستوردة خلال المدة اللاحقة للتحويل.[4]
  4. فتح منافذ لبيع العملة الأجنبية في المصارف الحكومية للجمهور لأغراض السفر (العلاج، الحج العمرة، الدراسة وغيرها) على وفق ضوابط بيع وشراء العملة الأجنبية، فضلًا عن تلبية طلبات زبائن تلك المصارف لأغراض تمويل التجارة الخارجية.
  5. تخفيض سعر بيع الدولار للمستفيد (حامل البطاقة) التي يستخدمها أثناء السفر أو تسديد مشترياته عن طريق الإنترنت ليكون بسعر (1465) دينارا للدولار بدلاً من (1470) دينارا للدولار. إذ سيتم بيع الدولار لشركات الدفع الإلكتروني للغرض أعلاه بسعر (1455) دينارا للدولار بدلاً من (1460) دينارا للدولار.
  6. إلغاء العمل بآلية تعزيز حسابات المصارف في الخارج حسب التصنيف المعتمد سابقا [5]
  7. زيادة المبيعات النقدية لشركات الصرافة والمصارف الاسبوعية وكالاتي[6]:
  8. شركة صرافة A  إلى 1,800,000 دولار
  9. شركة صرافة B إلى 750,000 دولار
  10. شركة توسط  C  إلى   80,000  دولار
  11. المصرف          إلى     200,000 دولار
  12. زيادة سقف مبيعات الدولار للمواطن المسافر أو الموظف الموفد خلال الشهر الواحد إلى 500  دولار
  13. زيادة عدد منافذ البيع المباشر اليومي  للدولار  من قبل المصارف إلى عشرين مصرف اهلي في بغداد [7]
  14. خفض سعر البيع للدولار المخصص لأغراض الاعتمادات المستندية إلى  (1465) دينار للدولار و(1470) دينار للدولار بالنسبة للحوالات لتمويل متطلبات التجارة الخارجية [8].
  15. عدم استيفاء الرسوم الكمركية ومبالغ الأمانات الضريبية مسبقاً، و تقليل الحلقات الزائدة لتخفيف الإجراءات وإزالة الكلف الناتجة عن مشاكل الترسيم المسبق[9] .
  16. رفع سعر الفائدة للاستثمار الليلي لودائع المصارف لمدة يوم وشهر وسنة

ولكن رغم كل هذه الإجراءات تبقى التساؤلات التي يمكن ان تثار تتمثل بـ:

هل يستطيع البنك المركزي السيطرة على ارتفاعات سعر الصرف الذي وصل إلى أكثر من (1740)؟ وهل يستطيع البنك المركزي المحافظة على الاستقرار الاقتصادي واستقرار سعر الصرف كما محدد ذلك في المادة 3 من قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004؟

 وهل هناك تأثيرات للمؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك والبنك الاحتياطي الفدرالي في خفض سعر الدينار العراقي أو تعويمه مستقبلا؟

وللإجابة على التساؤل الأول نجد ان أهم العقبات التي تواجه البنك المركزي في السيطرة على استقرار وثبات سعر الصرف هي:

  1. إن المشكلة الأساسية لاتكمن في البيع النقدي للدولار بل في الحوالات النقدية التي عزف التجار وعدد من المصارف في تقديم طلبات التمويل إلى البنك المركزي لتعزيز أرصدتهم في الخارج بسبب الإجراءات التدقيقية والمعلومات التفصيلية المطلوبة عند إرسال طلب الحوالة. فقد انخفض عدد المصارف المساهمة في النافذة من 25 مصرف إلى 8 -10 مصارف فقط .
  2. إن الفجوة الموجودة في مبلغ الحوالات  تزيد عن 100 مليون دولار لكل يوم عمل من أيام النافذة ويتم تغطية جزء منه من السوق الموازي ولذلك يتوقع أن يبقى فرق السعر في ارتفاع متصاعد وأعلى من المعدل الطبيعي.
  • إن اطمئنان التجار والمصرف للتعامل مع إجراءات التحويل الجديدة قد تتطلب مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر بعدها يمكن أن يكون هناك استقرار في طلب العملة الأجنبية لتمويل تجارة القطاع الخاص.
  • إن ارتفاع سعر الصرف أدى بالضرورة إلى ارتفاع اسعار السلع وخاصة الأساسية إلى أكثر من 30% التي يتحملها المستهلك من ذوي الدخل المتوسط والمحدود.
  • يؤدي هذا الانخفاض إلى نقل عبء الزيادة في الأسعار إلى المستهلك أو المشترى النهائي. طالما لا يوجد تدخل حكومي يمكن ان يحدث التوازن السلعي في السوق عبر توزيع مفردات كاملة للبطاقة التموينية أو تفعيل الجمعيات والاتحادات التعاونية والأسواق المركزية .
  • سيؤدي هذا الانخفاض إلى ارتفاع قيمة الثروات لحاملي الأصول الأجنبية كالدولار والذهب والسيارات … الخ  في حين سيؤدي إلى انخفاص قيمة  حائزي الأصول المحلية وسيتحملون أعباء وتكاليف كضريبة نتيجة عمليات التخفيض قد تكون بنسبة أكبر من نسبة التخفيض في العملة.
  • إن خفض الدخول الحقيقية نتيجة هذه الإجراءات ستؤدي إلى زيادة أعداد من هم دون خط الفقر إلى مستويات قياسية عالية فإذا كانت نسبتهم الآن أكثر من 31% فكم ستكون بعد اتخاذ هذه الإجراءات التي توقع ان تزيد نسبة الفقر عن 38% وبالتالي ستؤدي إلى تفشي الأمية والأمراض نتيجة عدم القدرة على مواصلة تعليم الأبناء ودفعهم للعمل الخاص .

لذلك وبهدف السيطرة على تدهور قيمة الدينار والحد من انخفاضه للحد من آثاره السلبية على على ذوي الدخول المحدودة اتخذت الحكومة عددا من الإجراءات ثم البنك المركزي اتخذ إجراءات مكملة لها تمثلت بـ:

  • إجراءات الحكومة:
  • تغيير إدارة البنك المركزي وتكليف السيد علي العلاق المحافظ السابق محافظا جديداً للبنك فكان لتكليفه الأثر النفسي بإمكانية السيطرة والحد من تدهور سعر الصرف.
  • تكليف وزارة التجارة بتوزيع سلة غذائية إضافية إلى العوائل المشمولة بالرعاية الاجتماعية، فضلا على بيع أربع مواد أساسية بأسعار مدعومة عبر منافذ الوزارة التوزيعية هي (الطحين، البيض، الدجاج ،والحليب). وإمكانية التوسع مستقبلا في زيادة عدد المواد والمنافذ التوزيعية لتكون تاجرا مرجحا في الأزمات.
  • اما البنك المركزي  فقد اتخذ الإجراءات التالية[10]:
  • تخفيض سعر صرف الدولار ورفع قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي من 1470 إلى 1320  للمستفيد النهائي لتخفيف الأعباء عن كاهل المواطن والحد من ارتفاع معدلات التضخم الذي ارتفع نتيجة تخفيض قيمة الدينار في 20/12/2020 بما يعادل 23% ثم إن ارتفاع سعر الصرف إلى أكثر من 1700 يعني ارتفاع معدلات التضخم بـ(16%) تقريبا اي أن المواطن فقد (39%) من دخله الحقيقي في سنتين .
  • زيادة سقف المبيعات النقدية لأغراض السفر إلى (7000) دولار شهريا.
  • السماح بشراء الدولار لأغراض تمويل التحويلات الشخصية عبر وكلاء شركات التحويل المالي (ويسترن يونين، وموني غراي) بالسعرالرسمي
  • توسيع نطاق المعاملات المسموح بتمويلها بالعملة الأجنبية لتشمل:
  • استيراد السلع والبضائع المسموح باستيرادها قانونا.
  • شراء وتجهيز الخدمات المسموح بها قانونا وبضمنها خدمات الشحن.
  • تمويل الجزء الاستيرادي لعقود المتعاقدين مع دوائر الدولة.
  • تعزيز أرصدة الحسابات الفرعية للمصارف وشركات الدفع الإلكتروني المفتوحة لدى مصرف (جي بي مورغان) والتي تملك عضوية رئيسة مع شركات البطاقات (فيزا وماستر)
  • التحويلات الأصولية لشراء العقارات في الخارج
  • تكاليف العلاج في الخارج وأجور الدراسة للطلبة الدارسين في الخارج
  • التحويلات المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية
  • توسيع وتسهيل إجراءات التحويلات الخارجية لتشمل الفئات أدناه كمرحلة أولى وتشمل:
  • جميع انواع الشركات المسجلة لدى دائرة مسجل الشركات في وزارة التجارة.
  • المشاريع المسجلة لدى المديرية العامة للتنمية الصناعية في وزارة الصناعة.
  • الشركات البسيطة المؤسسة أصوليا من الغرف التجارية وبما لا تتجاوز تحويلاتها الشهرية عن (200,000) دولار .
  • فروع الشركات الأجنبية المسجلة لدي مسجل الشركات الاتحادي.
  • المشاريع الاستثمارية بجميع أنواعها المرخصة أصوليا من هيئات الاستثمار .
  • مشاريع الثروة الحيوانية المرخصة أصوليا من دوائر وزارة الزراعة الاتحادية
  • المكاتب العلمية المرخصة اصوليا من نقابة الصيادلة.
  • جميع المصانع والمعامل والشركات والمشاريع المرخصة أصوليا في اقليم كردستان.

أما الإجابة عن التساؤل الثاني والخاص تأثيرات للمؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الاحتياطي الفدرالي فإن الإجراءات التي اتخذها البنك الاحتياطي الفدرالي المتمثلة بزيادة التدقيق على الحوالات الخارجية وإلزام العراق بتطبيق معايير الامتثال العالمية التي تتطلب الإفصاح الكامل والشفاف لكل حوالة تشمل معلومات كاملة عن المرسل والمستفيد النهائي والغرض من الحوالة ومراقبة تنفيذها مثل باقي دول العالم الأخرى والتقيد بعدم تحويل الأموال إلى دول عاقبها البنك الفدرالي بعد انتهاء مدة الاستثناء التي حصل عليها اعتبارا من 2/1/2023 وهذه الإجراءات التنظيمية، تخدم العراق أولا في الحد إن لم يستطع إيقاف تهريب وغسل الأموال عبر النافذة.

أما المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فهي مؤسسات دولية تقدم النصح والدراسات الاقتصادية التنبؤية عن الاقتصاد العراقي للحكومة العراقية مثل باقي باقي الدول الأعضاء فيها وهي غير ملزمة للعراق خاصة وأن اتفاقية الدعم والمساندة الموقعة مع الصندوق انتهت في 30/6/2019 ولاتوجد هناك طلبات للاقتراض من هذه المؤسسات لتكون مبررا لها في فرض التزامات وشروط على العراق.


[1] ANNE O,Keuger, Exchange Rate Deter minatory,(London: Cambridge University: Press,1983)p.16

[2]  وليد عيدي، مزاد العملة الاجنبية ودوره في استقرار سعر صرف الدينار العراقي ، البنك المركزي العراقي، المديرية العامة لمراقبة الصيرفة والائتمان.  www.cbi/static/uploads/up/file-15221429548817.pdf

[3]  البنك المركزي العراقي ، بيان حول اتخاذ حزمة من الاجراءات لتحسين اداء المعاملات المتعلقة بالدولار في 20/12/2022

[4]  البنك المركزي العراقي ،  بيان دائرة العمليات المالية وادارة الدين، قسم نافذة بيع وشراء نافذة العملة الاجنبية، العدد6/2/108 في 10/1/2023

[5]  البنك المركزي العراقي، اعمام في 29/12/2022

[6]  البنك المركزي العراقي ، اعمام في 5/12/2022

[7]  البنك المركزي العراقي ، اعمام توسيع عدد منافذ المصارف لبيع العملة الاجنبية في 2/1/2023

[8]  البنك المركزي العراقي ، بيان اجتماع مجلس ادارة البنك  في 27/12/2022

[9]  قرار مجلس الوزراء المرقم (351)  لسنة 2022

[10]   البنك المركزي العراقي ، االبنك المركزي العراقي يصدر الحزمة الاولى من التسهيلات لتلبية الطلب على الدولار، لمكتب الاعلامي ، في 3/2/2023

د. عبدالرحمن المشهداني

أكاديمي ومحلل اقتصادي عراقي، وأستاذ في كلية الإدارة والاقتصاد بالجامعة العراقية. تتركز اهتماماته في الاقتصاد الدولي والسياسات المالية والنقدية، وتحليل الموازنة العامة والقطاع المصرفي والتحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد العراقي. حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة المستنصرية عام 1996.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى