رصد

خفض الدينار يشعل السوق.. وداعش يختبر أمن ما بعد التحالف

الحالة العراقية الأسبوعية

فترة الرصد: 2–8 تشرين الأول 2026
إعداد: قسم الرصد – مركز العراق للدراسات الاستشرافية ICFS

المشهد في دقيقة

انتقلت تداعيات الحرب الإقليمية هذا الأسبوع من طرق تصدير النفط إلى دخل المواطن العراقي مباشرة، بعدما رفعت الحكومة السعر الرسمي للدولار إلى 1520 ديناراً للمستفيد النهائي. وسرعان ما تجاوز سعر السوق الموازية 170 ألف دينار لكل 100 دولار قبل أن يتراجع جزئياً، بالتزامن مع زيادات مبكرة وصلت إلى نحو 15% في أسعار بعض المواد الغذائية.

حاولت الحكومة احتواء الصدمة عبر تأجيل الرسوم الجمركية والضرائب على واردات البيض والدجاج واللحوم الحية، بالتوازي مع حزمة تمويلية قيمتها 3.5 تريليونات دينار. لكن هذه الإجراءات تخفف جزءاً من الارتفاع ولا تلغي أثر تخفيض العملة في الغذاء والدواء والإيجارات والنقل والمواد الأولية.

سياسياً، تحوّل سعر الصرف إلى مواجهة بين الحكومة والبرلمان؛ إذ جُمعت تواقيع لإلغاء القرار، ثم أُلغيت جلسة الاستضافة العلنية واستُبدلت باجتماعات مغلقة، بينما أبلغ محافظ البنك المركزي النواب بأن السعر الجديد ثابت ولا يمكن تغييره من دون إعادة بناء جداول الموازنة. ويشير ذلك إلى أن القرار جزء من الهيكل المالي لموازنة 2027، وليس إجراءً مؤقتاً يسهل التراجع عنه.

أمنياً، نفذ تنظيم داعش هجومين متعاقبين في منطقة واحدة بقضاء الحويجة، أسفر أولهما عن مقتل عنصر في الشرطة الاتحادية وإصابة أربعة آخرين، ثم استهدف موقعاً للحشد الشعبي وكاميرا حرارية. وتعطي الحادثتان ثقلاً عملياً للمخاوف من استغلال التنظيم مرحلة ما بعد التحالف، من دون أن تعنيا عودته إلى نموذج السيطرة على المدن.

أما إقليمياً، فقد بلغت هجمات الناقلات في الخليج ذروة جديدة، وهددت إيران بتقييد المزيد من مسارات العبور في مضيق هرمز، فيما تجاوز خام برنت 104 دولارات. وهذا يمنح العراق سعراً مرتفعاً لنفطه، لكنه يرفع في الوقت نفسه مخاطر نقله وكلفته ويجعل الإيرادات رهينة أمن الملاحة.

أولاً: أبرز التطورات المحلية

1. سعر الصرف الجديد يتحول إلى أمر واقع

ما حدث: اعتمدت الحكومة سعراً جديداً للدولار يبدأ من 1500 دينار في تعامل وزارة المالية، و1510 دنانير للمصارف والمؤسسات المالية، ويصل إلى 1520 ديناراً للمستفيد النهائي، مقارنة بنحو 1320 ديناراً سابقاً. وبعد موجة الارتفاع الأولى في السوق الموازية، تراجع الدولار جزئياً عند إغلاق تعاملات الخميس، لكنه بقي أعلى بوضوح من السعر الرسمي الجديد.

وألغى مجلس النواب جلسته المخصصة لاستضافة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، قبل الدعوة إلى اجتماع حكومي–نيابي مغلق. وأبلغ محافظ البنك المركزي اللجنة المالية بأن السعر الجديد ثابت، وأن تغييره سيعني تعديل جداول الموازنة المبنية على سعر 1500 دينار.

الدلالة والانعكاس: تكشف التطورات أن تخفيض قيمة الدينار ليس اختباراً مؤقتاً لرد فعل السوق، بل ركيزة مالية لموازنة 2027. فالحكومة تحتاج إلى دنانير أكثر مقابل كل دولار نفطي لتعويض تراجع كميات التصدير وتمويل رواتبها ونفقاتها. وكل مليار دولار تحصل عليه وزارة المالية أصبح يوفر لها نحو 1.5 تريليون دينار بدلاً من قرابة 1.3 تريليون.

لكن ما تكسبه الخزينة اسمياً تخسره الأسر جزئياً من قدرتها الشرائية. كما أن بقاء الدولار الموازي أعلى من السعر الرسمي يعني أن التعديل لم يعالج نقص العرض أو مخاوف السوق، بل رفع نقطة الانطلاق الرسمية فقط. وسيعتمد استقرار السعر على قدرة البنك المركزي على تمويل التجارة الحقيقية، لا على إعلان أن السعر غير قابل للتغيير.

2. ارتفاع الغذاء يدفع الحكومة إلى أول إجراء احتوائي

ما حدث: سجلت الأسواق زيادات سريعة في عدد من المواد الغذائية بعد تغيير سعر الصرف؛ إذ ارتفعت بعض أسعار البيض والأرز والسكر وزيوت الطعام بنسب قاربت أو تجاوزت 10%، ووصلت في بعض الأصناف إلى نحو 15%. وظهرت تحذيرات من انعكاس القرار على الأدوية والمواد المستوردة.

وردت الحكومة بتأجيل استيفاء الرسوم الجمركية والضرائب على واردات البيض والدجاج واللحوم الحية، بهدف كبح ارتفاع الأسعار وتوفير المواد الأساسية. وجاء القرار بعد يوم واحد من بدء العمل بسعر الصرف الجديد.

الدلالة والانعكاس: سرعة التدخل الحكومي تعني أن ارتفاع الأسعار لم يكن احتمالاً نظرياً، بل بدأ فوراً عبر إعادة التسعير الاحترازي والمضاربة وعدم اليقين. لكن تعليق الرسوم عن مجموعة محددة من الأغذية لا يعالج الأثر الأوسع على الدواء والملابس ومواد البناء والنقل ومدخلات الصناعة.

كما يحمل الإجراء تناقضاً اقتصادياً؛ فالبنك المركزي قدم تخفيض الدينار باعتباره وسيلة لدعم المنتج المحلي أمام المستورد، بينما سارعت الحكومة إلى تخفيض كلفة بعض الواردات لحماية المستهلك. وبذلك تجد الدولة نفسها بين هدفين متعارضين: حماية الإنتاج المحلي من السلع الأجنبية، ومنع أسعار الغذاء المستورد من الارتفاع. وفي المدى القريب، ستتقدم اعتبارات الاستقرار المعيشي على سياسات الحماية الصناعية.

3. حزمة تمويلية في بيئة مهيأة للتضخم

ما حدث: أطلقت الحكومة حزمة تمويلية بقيمة 3.5 تريليونات دينار، تضمنت تمويل الإسكان والعقارات والمشاريع الصناعية، وسداد جزء من مستحقات المقاولين والمزارعين، وتعزيز صندوق الأجيال. وتزامنت الحزمة مع إعداد موازنة 2027 بإنفاق يبلغ نحو 217 تريليون دينار وعجز يتجاوز 40 تريليوناً.

الدلالة والانعكاس: تسعى الحكومة إلى منع صدمة سعر الصرف من دفع السوق إلى الركود، عبر إعادة السيولة إلى قطاعات واسعة. وقد يؤدي دفع مستحقات المقاولين والمزارعين إلى تحريك أعمال متوقفة والحفاظ على فرص العمل، لكن ضخ الأموال بالتزامن مع انخفاض قيمة الدينار قد يرفع الطلب على الدولار والمواد المستوردة.

ويتوقف نجاح الحزمة على نوع المشاريع التي ستمولها المصارف. فإذا ذهبت الأموال إلى نشاط إنتاجي فعلي، فقد تعوض جانباً من كلفة الاستيراد وتزيد المعروض المحلي. أما إذا توجهت إلى المضاربة والعقارات والاستيراد الاستهلاكي، فستتحول الحزمة إلى عامل إضافي لارتفاع الأسعار. لذلك لا تكمن المسألة في ضخ 3.5 تريليونات، بل في القدرة المؤسسية على منع تسربها إلى سوق العملة.

4. موازنة 2027 تقوم على تصدير نفطي غير مضمون

ما حدث: بُني مشروع الموازنة على سعر نفط تقديري يبلغ 58 دولاراً للبرميل وتصدير نحو أربعة ملايين برميل يومياً، بينها كميات إقليم كردستان. وجاءت هذه الافتراضات بعدما انخفضت صادرات العراق خلال بعض أشهر الحرب إلى مستويات بعيدة عن الرقم المستهدف، بفعل اضطراب الخليج وارتفاع كلف الشحن والتأمين.

الدلالة والانعكاس: يبدو سعر 58 دولاراً متحفظاً مقارنة بتجاوز خام برنت 100 دولار، لكن الخطر الفعلي يكمن في حجم الصادرات لا في السعر فقط. فالعراق قد يستفيد من ارتفاع سعر البرميل، لكنه قد يخسر جزءاً من العائد عبر انخفاض الكميات والخصومات وكلف النقل والتأمين.

ولهذا يمنح تغيير سعر الصرف الحكومة هامشاً دينارياً لتعويض نقص الدولارات النفطية. غير أن هذا الهامش له حدود؛ فإذا استمر التصدير دون المستوى المفترض، فقد يتسع العجز أو تتأخر المشاريع والمستحقات. وتظهر الموازنة حتى الآن أقرب إلى بناء مالي يعتمد على تحسن الملاحة واستئناف صادرات الإقليم، وهما عاملان لا تتحكم بغداد بهما بالكامل.

5. الحكومة والفصائل: السيادة تصطدم بأول اختبار تنفيذي

ما حدث: اعتقلت السلطات مشاركين في الإساءة إلى العلم الأميركي خلال أحد استعراضات «يوم السيادة»، وعدّت احترام رموز الدول والبعثات الدبلوماسية التزاماً قانونياً. وردت حركة النجباء بالمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، فيما نشر أمينها العام أكرم الكعبي موقفاً مرئياً يتحدى الإجراء الحكومي.

الدلالة والانعكاس: تتجاوز الواقعة حدود التعبير السياسي؛ لأنها تكشف وجود تعريفين متنافسين للسيادة. فالحكومة تراها خضوع الجميع للقانون واحتكار الدولة للعلاقات الخارجية، بينما تراها الفصائل استمراراً لشرعية «المقاومة» في تحديد موقف مستقل من الولايات المتحدة حتى بعد انتهاء مهمة التحالف.

وهذه الواقعة أوضح من النقاش النظري حول تسليم السلاح؛ لأنها تختبر قدرة الحكومة على تطبيق قرار محدود على جماعة نافذة. فإذا انتهت القضية بتراجع رسمي تحت الضغط، فستضعف قدرة الدولة على الانتقال لاحقاً إلى ملفات أصعب تشمل القيادة العملياتية والسلاح النوعي والتمويل. أما تطبيق القانون، فيبقى خطوة أولى في مسار الاحتواء، ولا يعني بحد ذاته نزع السلاح أو إنهاء استقلال قرار الفصائل.

6. هجومان متعاقبان لداعش في الحويجة

ما حدث: هاجم عناصر داعش نقطة تابعة للشرطة الاتحادية في منطقة البرغلية–الدناديش بقضاء الحويجة، ما أدى إلى مقتل عنصر أمني وإصابة أربعة آخرين وتدمير معدات مراقبة. وفي اليوم التالي تعرض موقع تابع للواء 61 في الحشد الشعبي بمنطقة قريبة لهجوم آخر، واستهدف قناص كاميرا حرارية وأخرجها من الخدمة، أعقبه استنفار وعمليات تمشيط.

وجاءت الهجمات بالتزامن مع إعلان أسايش السليمانية اعتقال 22 شخصاً مرتبطين بالتنظيم وإحباط مسعى لإقامة بنية تنظيمية جديدة.

الدلالة والانعكاس: تكمن خطورة ما حدث في التكرار المكاني والزمني، لا في حجم الخسائر فقط. فعودة المهاجمين إلى المنطقة نفسها بعد تشديد الإجراءات تعني أنهم يمتلكون معرفة بالتضاريس ومسارات انسحاب ونقاط ضعف في المراقبة، ويحاولون اختبار سرعة استجابة القوات المنتشرة.

لا يملك التنظيم حالياً مقومات استعادة المدن، لكنه يبدو قادراً على إعادة تشكيل خلايا محلية وتنفيذ هجمات قصيرة تستهدف النقاط الثابتة وأجهزة الرصد. والخطر الواقعي في مرحلة ما بعد التحالف هو تراكم هذه العمليات وتحولها إلى نمط استنزاف، خصوصاً في الفراغات بين انتشار القوات الاتحادية والحشد والبيشمركة.

ثانياً: أبرز التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق

7. هرمز يدخل مرحلة أكثر خطورة

ما حدث: ارتفع عدد الهجمات على الناقلات في الخليج ومضيق هرمز إلى أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب، وانخفضت حركة العبور إلى أدنى مستوى منذ أكثر من شهرين. وأعلنت إيران نيتها منع مسارات نفطية لا توافق عليها، بالتزامن مع استهداف ناقلة قرب قطر وارتفاع خام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل.

وفي المقابل، زادت المصافي الصينية المستقلة مشترياتها من خامي البصرة المتوسط والثقيل لتعويض تراجع النفط الإيراني، ما وفر فرصة جديدة للصادرات العراقية في السوق الآسيوية.

الدلالة والانعكاس على العراق: يحقق العراق سعراً مرتفعاً وطلباً إضافياً على نفطه، لكنه يواجه في الوقت نفسه خطراً أعلى على طريق التصدير. وبذلك لا يمكن قياس المكسب بسعر البرميل وحده، بل بصافي الإيراد بعد الخصومات والتأمين والنقل واحتمال تأخر الناقلات.

وإذا استمرت التهديدات الإيرانية، فقد تصبح السفن العراقية أو المحملة بالنفط العراقي عرضة للخطر حتى من دون استهداف العراق سياسياً. وهذا يجعل تنويع طرق التصدير ضرورة مالية، إلا أن النقل البري والمسارات الشمالية لا تستطيع حتى الآن تعويض ملايين البراميل التي تخرج من موانئ الجنوب.

8. التصعيد اليمني يوسع الضغط على بغداد

ما حدث: صعّد الحوثيون هجماتهم على السعودية، ووصل الاستهداف إلى مطار الملك خالد في الرياض ومنشآت مدنية وحيوية، بينما بدأت القوات المدعومة سعودياً تحركات مضادة قرب باب المندب. وأصبحت الرياض تبحث عن دعم عسكري واستخباري أوسع، مع طرح أدوار محتملة لسوريا وتركيا وباكستان.

الدلالة والانعكاس على العراق: يزيد التصعيد حساسية السعودية تجاه أي نشاط عسكري مرتبط بإيران داخل العراق، ولا سيما بعد الهجمات السابقة على خط النفط السعودي التي نُسب انطلاقها إلى الأراضي العراقية. لذلك ستتعرض بغداد لضغط أكبر لإثبات منع استخدام أراضيها في الإطلاق أو الإسناد أو نقل المعدات.

كما أن تزامن التهديد في باب المندب مع اضطراب هرمز يضع العراق بين ممرين بحريين غير مستقرين. وإذا اتسعت الحرب، فلن تبقى تداعياتها مقتصرة على صادرات النفط، بل ستمتد إلى كلفة الواردات والتأمين والشحن وأسعار السلع داخل العراق.

الصورة الكلية

تكشف حصيلة الأسبوع أن الأزمة العراقية دخلت مرحلة جديدة: لم تعد الحرب الإقليمية خطراً محتملاً على الاقتصاد، بل أصبحت جزءاً من سعر الدولار والغذاء والدواء والإنفاق العام. وتعديل سعر الصرف هو الإقرار الحكومي الأوضح بأن اضطراب صادرات النفط سيستمر مدة أطول وأن الخزينة تحتاج إلى تمويل نفقاتها بدنانير أكثر من دولارات أقل.

لكن القرار أنتج صدمة معيشية وسياسية سريعة. فقد ارتفعت الأسعار، وتحرك البرلمان، واضطرت الحكومة إلى تعليق رسوم على أغذية مستوردة. وهذا يعني أن الدولة بدأت منذ اليوم الأول بمعالجة نتائج قرارها، قبل أن تظهر آثاره الكاملة في بقية القطاعات.

أمنياً، أثبت هجومان متعاقبان في الحويجة أن انتهاء مهمة التحالف تزامن مع محاولة داعش اختبار الأطراف الرخوة. ولا يظهر التنظيم بوصفه قوة قادرة على السيطرة، بل شبكة تتعلم من انتشار القوات وتستهدف أدوات المراقبة والنقاط المعزولة، وهو نموذج أقل ظهوراً لكنه قابل للاستمرار.

وفي ملف الفصائل، أظهرت واقعة العلم الأميركي أن التحدي لا يبدأ من تسليم الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل من سؤال أبسط: هل يمتثل الفصيل لقرار حكومي لا يوافق عليه؟ وحتى الآن، ما تزال الإجابة غير محسومة.

وعليه، يمكن اختصار اتجاه الأسبوع في ثلاثة تحولات مترابطة: الحكومة تحمي قدرتها على الإنفاق عبر خفض قيمة الدينار، وداعش يختبر قدرة القوات على سد الفراغ، والفصائل تختبر حدود سلطة رئيس الوزراء. وبين هذه المسارات، أصبح معنى السيادة مرتبطاً بقدرة الدولة على تمويل قرارها وفرضه وحماية المجتمع من كلفته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى