
هجوم السعودية ونهاية مهمة التحالف.. العراق أمام اختبار السيطرة بعد الانسحاب
التاريخ: 18 أيلول 2026
فترة الرصد: 12–18 أيلول 2026
تحرك المشهد العراقي هذا الأسبوع تحت تأثير ثلاثة ملفات مترابطة: تداعيات الهجوم بالمسيّرات على خط النفط السعودي، واقتراب نهاية مهمة التحالف الدولي، ومحاولات العراق تخفيف اختناق صادراته النفطية عبر فتح مسار بري نحو تركيا.
أمنياً، لم تعد قضية السلاح خارج الدولة نقاشاً متعلقاً بالتنظيم والدمج فقط، بعدما أكدت الحكومة أن المسيّرات التي استهدفت السعودية انطلقت من الأراضي العراقية. وردّت بغداد بإقالة قائد عمليات ميسان وإغلاق منفذ الشلامجة مؤقتاً وفتح تحقيق، لكن عدم إعلان الجهة المنفذة أبقى جوهر الأزمة من دون حسم.
سياسياً، دخل العد التنازلي لموعد 30 أيلول مرحلته الأخيرة، بالتزامن مع استمرار انسحاب قوات التحالف وتمسك فصائل مؤثرة بسلاحها. وبذلك تتجه المرحلة المقبلة إلى إنهاء الوجود العسكري الأجنبي من دون ضمان انتقال كامل للسلاح والقرار العملياتي إلى الدولة.
اقتصادياً، بدأ العراق تجربة نقل النفط الخام بالشاحنات من الحقول الجنوبية إلى كركوك، تمهيداً لتصديره عبر ميناء جيهان التركي. وتعكس الخطوة اتجاهاً ضرورياً لتنويع طرق التصدير، لكنها تظل محدودة الكميات ومرتفعة الكلفة مقارنة بالنقل عبر الأنابيب.
إقليمياً، تجاوزت آثار الهجوم على السعودية حدود الأزمة الثنائية، بعدما تسبب تعطيل خط «شرق–غرب» بإلغاء شحنات نفطية إلى أوروبا، بالتزامن مع توسع سيطرة الحوثيين قرب باب المندب وتصاعد الضغط الدولي على إيران لاحتواء حلفائها.
أولاً: أبرز التطورات المحلية
1. تحقيق الهجوم على السعودية يتقدم من دون إعلان المنفذين
أكدت الحكومة أن المسيّرات التي استهدفت خط النفط السعودي «شرق–غرب» انطلقت من الأراضي العراقية، وتحديداً من نطاق مسؤولية قيادة عمليات ميسان.
وأقال رئيس الوزراء قائد العمليات في المحافظة، وأمرت السلطات بإغلاق منفذ الشلامجة مؤقتاً، بالتزامن مع تنفيذ عملية أمنية لملاحقة المتورطين. لكن الحكومة لم تعلن حتى نهاية فترة الرصد هوية الجهة المنفذة أو تفاصيل مواقع الإطلاق وشبكات الدعم المرتبطة بها.
الدلالة والانعكاس:
انتقل ملف حصر السلاح بعد الهجوم من خلاف داخلي بشأن المصطلحات والآليات إلى قضية تتعلق بمسؤولية العراق عن أمن الدول المجاورة.
ولم يعد المطلوب إثبات انطلاق الهجوم من العراق، بل معرفة كيف نُقلت المسيّرات وجهزت وأطلقت من منطقة تخضع نظرياً لقيادة أمنية رسمية، ومن أصدر قرار استخدامها.
وتظهر الإجراءات الحكومية سرعة في الاستجابة، لكنها لا تعالج أصل المشكلة ما لم تصل التحقيقات إلى البنية المنفذة. فإقالة قائد ميداني قد تثبت وجود تقصير أمني، لكنها لا تكشف بالضرورة الجهة التي امتلكت القدرة على تنفيذ عملية عابرة للحدود.
2. تأجيل الرد السعودي يمنح بغداد مهلة محدودة
استجابت السعودية لطلب الحكومة العراقية وامتنعت عن تنفيذ رد عسكري فوري، مع تأكيد احتفاظها بحق حماية سيادتها ومنشآتها الحيوية.
وجاء الموقف في ظل محاولة بغداد منع تحول الهجوم إلى مواجهة جديدة داخل العراق، خصوصاً بعد الضربات السعودية–الأميركية السابقة التي استهدفت مواقع لفصائل عراقية.
الدلالة والانعكاس:
لا يمثل تأجيل الرد إنهاءً للأزمة، بل فرصة مؤقتة للحكومة لإثبات قدرتها على كشف المنفذين ومنع تكرار الهجوم.
وقد تتجنب الرياض الرد حالياً بسبب اتساع مواجهتها مع الحوثيين وعدم رغبتها في فتح جبهة إضافية. لكن هجوماً جديداً من العراق قد يغير هذه الحسابات، ويؤدي إلى ضربات تستهدف مخازن أو مواقع إطلاق أو قيادات متهمة بالمشاركة.
لذلك أصبح منع العملية التالية أكثر أهمية من احتواء تداعيات العملية السابقة، لأن تكرار الهجوم قد يُفقد بغداد قدرتها على التوسط أو طلب ضبط النفس.
3. انسحاب التحالف يقترب والفصائل تتمسك بسلاحها
دخل انسحاب القوات المتبقية ضمن مهمة التحالف الدولي مرحلته الأخيرة قبل موعد 30 أيلول. وفي المقابل، استمرت فصائل رئيسة، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء، في رفض التخلي الكامل عن سلاحها، وربطت ذلك بجملة شروط أمنية وسياسية.
كما ظهرت مؤشرات على اتخاذ بعض الفصائل إجراءات احترازية، شملت تقليل الوجود في مقرات معروفة وسحب عناصر ومعدات، تحسباً لاحتمال استهدافها بضربات خارجية.
الدلالة والانعكاس:
كان يفترض أن يؤدي انتهاء مهمة التحالف إلى إسقاط المبرر الأساسي للاحتفاظ بالسلاح الموازي. لكن الهجوم على السعودية واحتمال الرد الخارجي أعادا إنتاج مبرر جديد تحت عنوان حماية الفصائل والاستعداد للتهديدات الإقليمية.
وهذا يرجح أن يكون 30 أيلول بداية لمرحلة تفاوض وإعادة انتشار، لا موعداً لنزع السلاح. وقد تنتقل الفصائل من المقرات والهياكل الظاهرة إلى تشكيلات أقل وضوحاً، مع الاحتفاظ بالمخازن والقدرات النوعية وشبكات القيادة.
ويعني ذلك أن نجاح الحكومة لن يقاس بخروج القوات الأجنبية وحده، بل بقدرتها على ملء الفراغ الأمني وإثبات أن قرار الحرب واستخدام الصواريخ والمسيّرات أصبح حصراً بيد الدولة.
4. نقل النفط بالشاحنات نحو كركوك لفتح المسار التركي
بدأ العراق تجربة لنقل الخام من الحقول الجنوبية إلى منشآت التخزين في كركوك، باستخدام 209 شاحنات، تمهيداً لضخه عبر خط الأنابيب إلى ميناء جيهان التركي.
ونُقل خلال يومين أكثر من 6 ملايين لتر، تعادل نحو 38 ألف برميل، في خطوة تهدف إلى زيادة الصادرات الشمالية وتقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية ومضيق هرمز.
الدلالة والانعكاس:
تكشف الخطوة عن إدراك حكومي بأن الاعتماد شبه الكامل على المسار الجنوبي أصبح خطراً على المالية العامة، خصوصاً مع استمرار الحرب واضطراب حركة الناقلات.
لكن النقل بالشاحنات لا يشكل بديلاً استراتيجياً للأنابيب بسبب محدودية الكميات وارتفاع الكلفة والحاجة إلى أعداد كبيرة من الصهاريج ومرافق التحميل والتفريغ والحماية.
وتكمن أهمية التجربة في اختبار الربط بين الجنوب والشمال عند الطوارئ، لكنها تحتاج إلى تطوير خطوط أنابيب دائمة إذا أراد العراق تحويلها من حل مؤقت إلى مسار تصدير مؤثر.
5. الصادرات تتحسن لكن الخصومات تستنزف الإيرادات
واصلت شركة «أدنوك» الإماراتية شراء كميات واسعة من الخام العراقي، ضمن اتفاقات شملت عشرات الملايين من البراميل خلال آب وأيلول، بخصومات وصلت في بعض الشحنات إلى ما بين 25 و27 دولاراً للبرميل.
وساعدت المشتريات على رفع الصادرات من مستوياتها المتدنية خلال الأشهر الأولى من الحرب، لكنها لم تُعد العراق إلى مستويات التصدير الطبيعية.
الدلالة والانعكاس:
تمكن العراق من بيع جزء أكبر من نفطه، لكنه اضطر إلى التخلي عن نسبة مرتفعة من قيمة البرميل مقابل توفير مشترين وناقلات وممرات أكثر أمناً.
وبذلك لا تعني زيادة الكميات تحسناً مماثلاً في الإيرادات. وقد يحقق العراق دخلاً أقل من المتوقع حتى مع بقاء الأسعار العالمية فوق 100 دولار، نتيجة الخصومات وكلف الشحن والتأمين وتراجع حجم التصدير.
وتكشف الأزمة أيضاً ضعف الأسطول النفطي العراقي ومحدودية خياراته اللوجستية، ما يمنح المشترين والشركات التي تمتلك ناقلات ومسارات بديلة قدرة أكبر على فرض شروطها.
6. تعاون عراقي–فرنسي في الطاقة والدفاع الجوي
اتفق العراق وفرنسا على بدء محادثات بشأن مشروعات جديدة في قطاع الطاقة، ووضع خريطة طريق لشراء أسلحة ومنظومات فرنسية، إلى جانب التعاون في أنظمة الدفاع الجوي وكشف التهديدات المسيّرة.
وجاءت التفاهمات خلال زيارة رئيس الوزراء إلى باريس، في وقت يستعد فيه العراق لمرحلة ما بعد التحالف ويسعى إلى تنويع مصادر التسليح والشراكات الأمنية.
الدلالة والانعكاس:
تعكس الزيارة محاولة لتجنب الانتقال من الاعتماد على التحالف إلى الاعتماد على شريك دولي واحد. كما تستجيب لحاجة أمنية ظهرت بوضوح خلال الحرب، تتمثل في ضعف قدرات مراقبة الأجواء واعتراض المسيّرات والصواريخ.
لكن أثر التفاهمات سيبقى محدوداً ما لم يتحول إلى عقود ممولة وجداول تسليم وتدريب وصيانة. فالفجوة الأمنية التي ستظهر بعد انسحاب التحالف تبدأ فوراً، بينما تحتاج منظومات الدفاع الجديدة إلى سنوات حتى تدخل الخدمة بكفاءة.
ثانياً: أبرز التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق
7. هجوم الخط السعودي يتحول إلى أزمة طاقة دولية
تسبب الهجوم في تضرر ثلاث محطات ضخ وإيقاف خط «شرق–غرب» مؤقتاً، ما دفع شركة أرامكو إلى إبلاغ عدد من المصافي الأوروبية بتعليق شحناتها المقررة لشهر تشرين الأول.
وتعمل السعودية على إعادة تشغيل جزء من الخط خلال مدة قصيرة، بينما قد يستغرق إصلاحه بالكامل عدة أسابيع. كما بدأت استخدام ترتيبات بديلة لنقل النفط وتحميله قرب سلطنة عمان.
الدلالة والانعكاس على العراق:
أظهر الهجوم أن عملية تنطلق من العراق تستطيع التأثير في إمدادات الطاقة الدولية، لا في الأمن السعودي وحده. وهذا يرفع مستوى الاهتمام والضغط الخارجي على بغداد لكشف الجهة المنفذة.
كما أن تعطيل خط ينقل ما بين 4 و5 ملايين برميل يومياً يجعل القضية مرتبطة بمصالح دول أوروبية وآسيوية، وقد يدفع هذه الدول إلى دعم إجراءات أشد ضد الجماعات التي تستخدم الأراضي العراقية في الهجمات.
وفي حال تكرار العمليات، قد تواجه بغداد عقوبات أو ضغوطاً اقتصادية وأمنية تتجاوز العلاقة الثنائية مع الرياض.
8. الحوثيون يوسعون نفوذهم باتجاه باب المندب ومأرب
واصل الحوثيون تقدمهم على الساحل الغربي وسيطرتهم على مواقع قريبة من باب المندب، بالتزامن مع تحركات باتجاه محافظة مأرب الغنية بالنفط وتصاعد الضربات المتبادلة مع السعودية.
وأدى القتال إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وارتفاع المخاوف من عودة الحرب اليمنية إلى مستوى أوسع بعد سنوات من الاحتواء غير المستقر.
الدلالة والانعكاس على العراق:
يزيد اتساع الحرب في اليمن من الضغوط الإقليمية على الفصائل العراقية المرتبطة بالمحور الإيراني، سواء للمشاركة في الإسناد أو فتح جبهة ضغط إضافية على السعودية.
كما يجعل أمن صادرات العراق أكثر هشاشة، لأن مضيق هرمز يواجه اضطراباً من الشرق، فيما يتعرض باب المندب والبحر الأحمر للتهديد من الغرب.
ولا يمتلك العراق منفذاً بحرياً بديلاً خارج هذه البيئة المضطربة، ما يفسر اتجاهه إلى تنشيط خط جيهان والبحث عن مسارات برية وأنبوبية جديدة.
9. الصين وباكستان تضغطان على إيران لاحتواء التصعيد
اتجهت السعودية إلى الصين وباكستان لدفع إيران نحو استخدام نفوذها على الحوثيين والجماعات المتحالفة معها، في ظل مخاوف من اتساع الهجمات على منشآت الطاقة والممرات البحرية.
وتكتسب باكستان أهمية إضافية بسبب اتفاقات الدفاع والتعاون الأمني مع السعودية، بينما تمتلك الصين ثقلاً اقتصادياً كبيراً لدى إيران بوصفها المستورد الأكبر لنفطها.
الدلالة والانعكاس على العراق:
يشير دخول الصين وباكستان إلى أن الأزمة تجاوزت الإطار السعودي–الإيراني، وأصبحت تمس مصالح قوى تعتمد على استقرار الطاقة والملاحة.
وبالنسبة إلى بغداد، قد تساعد هذه الضغوط في خفض احتمال الرد السعودي المباشر، لكنها قد تفرض في المقابل مطالب أكثر وضوحاً بضبط الفصائل العراقية ومنع استخدامها ضمن استراتيجية الضغط الإقليمي.
كما أن فشل الوساطات سيزيد احتمال تشكل جبهة دفاعية إقليمية أوسع حول السعودية، ما يضاعف خطورة أي نشاط عسكري ينطلق مستقبلاً من العراق.
الصورة الكلية
كشف هذا الأسبوع أن العراق دخل مرحلة ما بعد الانسحاب قبل حلول موعدها رسمياً. فالمشكلة لم تعد في عدد الجنود الأجانب المتبقين، بل في الجهة التي ستملأ الفراغ الأمني، وتراقب الأجواء والحدود، وتمتلك قرار استخدام القوة.
وأثبت الهجوم على السعودية أن غياب السيطرة الكاملة على السلاح يمكن أن يحول العراق خلال ساعات من دولة تسعى إلى التوازن إلى مصدر تهديد لأمن الطاقة الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، أظهرت أزمة النفط أن السيادة الأمنية والاقتصادية مترابطتان. فالعراق الذي لا يسيطر على المسيّرات المنطلقة من أراضيه هو نفسه الذي لا يمتلك طرقاً كافية لتصدير نفطه أو أسطولاً يضمن وصوله إلى الأسواق من دون خصومات مرتفعة.
وتحاول الحكومة شراء الوقت عبر التحقيق والحوار مع الفصائل، وتنويع التسليح، وفتح المسار التركي، وتوسيع العلاقات مع فرنسا ودول الخليج. لكن نجاح هذه التحركات سيعتمد على الانتقال من إدارة التداعيات إلى معالجة مصادرها.
الخلاصة
مرّ العراق هذا الأسبوع بين استحقاقين مترابطين: احتواء أزمة الهجوم على السعودية، والاستعداد لنهاية مهمة التحالف الدولي.
ومنحت الرياض بغداد وقتاً للتحقيق ومنع التكرار، لكن استمرار الغموض بشأن المنفذين يجعل الأزمة مؤجلة لا منتهية. كما أن خروج التحالف لن يحقق السيادة تلقائياً إذا بقيت قدرات الصواريخ والمسيّرات والقرار العملياتي موزعة بين الدولة والفصائل.
أما اقتصادياً، فقد بدأ العراق البحث عن طرق بديلة لتصدير النفط، لكنه ما يزال يدفع كلفة اعتماده على مسار واحد، سواء عبر انخفاض الكميات أو تقديم الخصومات أو استخدام حلول نقل محدودة.



