
لماذا ينبغي على العراق أن يراقب اليمن؟
تآكل التفاهمات الإقليمية وانعكاساته على ملف السلاح والدولة في العراق
الخلاصة التنفيذية
لا تكمن أهمية التطورات اليمنية للعراق في تهديد مباشر صادر من اليمن، بل في كونها تكشف عن نمط إقليمي أوسع: نزاعات جرى احتواؤها بالتفاهمات من دون تسويتها، ثم تعود إلى الواجهة عندما تتغير البيئة الإقليمية أو تتراجع قدرة التفاهمات على ضبط الفواعل المسلحة، هذه الديناميكية تكتسب معنى خاصاً لبغداد مع اقتراب 30 أيلول، المرتبط بانتهاء مهمة التحالف الدولي وبداية مرحلة جديدة في النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة، المقارنة بين اليمن والعراق ليست مقارنة بين الحوثيين والفصائل العراقية، بل بين نموذجين لإدارة القوة المسلحة: هل تتحول التهدئة إلى ترتيبات مؤسسية دائمة، أم تبقى مجرد تسوية مؤقتة قابلة للتأثر بأي موجة تصعيد إقليمي؟ وتقدّر هذه الورقة أن المؤشر الأهم للعراق بعد 30 أيلول لن يكون حجم السلاح الذي يتم تسليمه بحد ذاته، بل مدى انتقال قرار استخدام القوة والقدرات النوعية والقيادة والسيطرة إلى مؤسسات الدولة.
مدخل: اليمن بوصفه مؤشراً على البيئة الإقليمية
منذ هدنة 2022، انخفض مستوى المواجهة في اليمن مقارنة بسنوات الحرب المفتوحة، لكن الهدوء النسبي لم يتحول إلى تسوية شاملة، بقيت بنية الصراع الأساسية قائمة: سلطة حوثية مسلحة في الشمال، قوى مناوئة موزعة على أكثر من إطار، وملفات سياسية وأمنية واقتصادية لم تُحسم، وقد كانت الأمم المتحدة واضحة في توصيف هذه الهشاشة عندما ربطت فرص التسوية اليمنية بدرجة خفض التصعيد الإقليمي، مؤكدة أن ما يحدث في المنطقة يؤثر في اليمن، وأن ما يحدث في اليمن يمكن بدوره أن ينعكس على المنطقة.
التصعيد الجاري في أيلول 2026 أعاد هذه العلاقة إلى الواجهة، فالهجمات الحوثية على مدن ومنشآت طاقة في جنوب السعودية، بالتوازي مع اتساع العمليات العسكرية داخل اليمن، أظهرت أن الصراع لم يبق محصوراً في الجبهات الداخلية، وبذلك لا يعود السؤال بالنسبة للعراق: هل تمثل اليمن تهديداً مباشراً؟ بل: ماذا تكشف عودة المواجهة اليمنية عن قدرة التفاهمات الإقليمية على إبقاء الصراعات المؤجلة تحت السيطرة؟
”المشكلة ليست في أن التفاهمات فشلت في منع الحرب فقط، بل في أنها قد تنجح في تأجيلها من دون أن تغيّر بنيتها “
أولاً: من خفض التصعيد إلى عودة الصراعات المؤجلة
خلال الأعوام الأخيرة اتجهت المنطقة إلى نمط يقوم على تخفيض كلفة التنافس بدلاً من حسمه، فتحت قنوات اتصال بين خصوم إقليميين وجرى احتواء ساحات كانت مرشحة للتصعيد، وانخفضت الرغبة في تحويل النزاعات المحلية إلى مواجهة أوسع، هذا النمط لم يكن سلاماً إقليمياً بقدر ما كان إدارة للمخاطر، وقد استفاد اليمن منه بوضوح، إذ حافظت الهدنة والوساطات على انخفاض نسبي في العنف رغم انتهاء المدة الرسمية للهدنة.
لكن فعالية هذا النموذج تبقى مشروطة باستمرار البيئة التي أنتجته، عندما تتغير حسابات القوى، أو تتراجع قدرة الوسطاء، أو يعاد فتح جبهات إقليمية، تظهر هشاشة الملفات التي جرى تجميدها بدلاً من تسويتها، لذلك ينبغي قراءة اليمن باعتباره حالة اختبار لفرضية أوسع: المنطقة قد تدخل مرحلة تتراجع فيها قدرة التفاهمات المؤقتة على احتواء النزاعات التي ظلت أسبابها الأساسية قائمة.
ثانياً: لماذا يهم ذلك العراق؟
العراق من أكثر دول المنطقة حساسية لتغير مستوى التصعيد الإقليمي، موقعه الجغرافي، تشابك علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج، ووجود فواعل مسلحة ذات امتدادات سياسية وأمنية خارجية، كلها عوامل تجعل قدرته على إدارة الداخل مرتبطة بدرجة من الاستقرار في المحيط.
في فترات خفض التصعيد تتسع مساحة المناورة أمام الحكومة العراقية؛ إذ يمكنها موازنة علاقاتها وتقليل الضغوط على القوى المحلية المرتبطة بمحاور خارجية، أما عندما ترتفع المواجهة الإقليمية، فإن هذه المساحة تضيق، ويزداد احتمال انتقال الضغط إلى الداخل من خلال الفواعل أو الممرات أو الاقتصاد، من هنا، فاليمن مهم للعراق بوصفه اختباراً مبكراً لما إذا كانت المنطقة تعود من مرحلة إدارة النزاعات إلى مرحلة إعادة تنشيطها.
ثالثاً: استحقاق 30 أيلول وملف السلاح
تأتي هذه التطورات في لحظة عراقية حساسة، فـ30 أيلول يرتبط بانتهاء مهمة التحالف الدولي، وفي الوقت نفسه أصبح نقطة مرجعية في الحوار الداخلي حول حصر السلاح بيد الدولة، ومن المهم التعامل مع التاريخ بموضوعية: التصريحات الرسمية لم تقدمه دائماً بوصفه موعداً نهائياً لنزع سلاح شامل، بل ظهر أيضاً بوصفه محطة انتقال إلى مرحلة جديدة من التفاهمات والتنظيم، لذا فإن قيمته السياسية أكبر من قيمته الإجرائية المباشرة.
المسألة الأساسية ليست ما إذا كانت جميع الفصائل ستسلّم أسلحتها في اليوم التالي، بل ما إذا كان العراق سينتقل من إدارة الملف عبر تفاهمات قابلة للتعديل إلى قواعد مؤسسية أكثر ثباتاً، وهذه هي النقطة التي تجعل التطورات اليمنية ذات دلالة: التهدئة تستطيع خفض العنف، لكنها لا تحل مشكلة القوة المسلحة إذا بقيت القيادة والقرار والقدرات النوعية خارج إطار الدولة.
رابعاً: ما الذي يعنيه حصر السلاح عملياً؟
من الناحية التحليلية، لا يكفي قياس التقدم بعدد قطع السلاح التي يتم تسليمها أو بعدد التشكيلات التي يعاد تصنيفها، المعيار الأكثر أهمية هو احتكار قرار استخدام القوة، فقد تكون بعض الوحدات ممولة رسمياً أو مدرجة إدارياً داخل مؤسسات الدولة، لكنها تبقى صاحبة استقلال عملي إذا احتفظت بقيادة منفصلة، أو بقدرات صاروخية ومسيّرة لا تخضع لسلسلة أوامر حكومية، أو بإمكانية اتخاذ قرار التصعيد خارج المؤسسات الدستورية.
وعليه، فإن نجاح الدولة في ملف السلاح ينبغي أن يقاس بأربعة مؤشرات مترابطة: توحيد القيادة والسيطرة؛ إخضاع القدرات النوعية، ولا سيما الصواريخ والمسيّرات، لسلطة الدولة؛ إنهاء أي قرار عسكري مستقل عن الحكومة؛ ودمج الموارد البشرية والمالية ضمن الأطر الرسمية، بهذه المعايير، يصبح حصر السلاح عملية لإعادة بناء السيادة لا مجرد حملة أمنية.
خامساً: حدود المقارنة بين اليمن والعراق
من الضروري عدم بناء الفرضية على تشبيه مباشر بين الحوثيين والفصائل العراقية، الحالة اليمنية مختلفة من حيث انهيار الدولة، طبيعة السيطرة على الأرض، بنية السلطة، ومسار الحرب الأهلية، كما أن الفصائل العراقية ليست كتلة متجانسة، وتختلف في علاقتها بالدولة، ودرجة اندماجها، وحجم قدراتها، ومواقفها من مشروع حصر السلاح.
المقارنة الأكثر فائدة هي مقارنة وظيفية: ماذا يحدث عندما تستمر قوة مسلحة ذات قدرة سياسية وعسكرية معتبرة داخل بيئة تهدئة من دون أن تُحسم علاقتها النهائية بالدولة؟ في اليمن، بقيت أدوات الحرب قائمة رغم الهدوء، وفي العراق، السؤال هو ما إذا كانت مرحلة ما بعد 30 أيلول ستنتج قواعد مؤسسية دائمة أم تمديداً لنمط إدارة التوازن.
سادساً: نهاية مهمة التحالف وتغير مبررات السلاح
انتهاء مهمة التحالف الدولي يغير البيئة السياسية التي استند إليها جزء من خطاب الفصائل خلال السنوات الماضية، وجود قوات أجنبية كان أحد المبررات المستخدمة للدفاع عن بقاء قدرات مستقلة تحت عنوان المقاومة، ومع انحسار هذا العامل، تنتقل المناقشة من سؤال وجود القوات الأجنبية إلى سؤال أوسع: من يملك حق اتخاذ قرار استخدام القوة في الدولة؟
هذا التحول لا يعني أن مبررات السلاح ستختفي تلقائياً؛ فالفصائل قد تشير إلى تهديدات إقليمية أخرى مرتبطة بإسرائيل أو سوريا أو غيرهما، لكن هذا الاحتمال يؤكد أهمية نقل النقاش من طبيعة التهديد إلى طبيعة الشرعية، وجود تهديد خارجي، مهما كان مصدره، لا يلغي الحاجة إلى أن يكون قرار الرد عليه مؤسسياً ومحتكراً من الدولة.
سابعاً: خطر استمرار الإدارة المؤقتة
السيناريو الأكثر واقعية قد لا يكون نزعاً سريعاً للسلاح ولا مواجهة بين الدولة والفصائل، بل استمرار التفاوض من دون حسم واضح، هذا النمط قد يوفر استقراراً قصير الأجل، لكنه يترك الملف معلقاً على طبيعة البيئة الإقليمية، فإذا استمرت التفاهمات الخارجية، يمكن الحفاظ على التوازن الداخلي؛ أما إذا عادت المواجهة، فإن الفواعل التي تحتفظ بقدرات مستقلة قد تجد نفسها أمام ضغوط أو حوافز للعمل خارج حسابات الدولة.
ومن هذه الزاوية يصبح اليمن مهماً بوصفه إنذاراً تحليلياً لا نموذجاً للنسخ، فالهدوء النسبي هناك لم يكن كافياً لتحويل القوة المسلحة إلى جزء من تسوية مستقرة، وحين تراجعت قدرة البيئة الإقليمية على حماية مساحة التهدئة، ظهرت أدوات الصراع مجدداً بسرعة.
ثامناً: السيناريوهات العراقية بعد 30 أيلول
السيناريو الأول هو انتقال منظم نحو الحصر التدريجي، عبر تفاهمات مرحلية تشمل القيادة والسيطرة، القدرات النوعية، إعادة الهيكلة، وضمانات سياسية وأمنية، هذا السيناريو لا يفترض نهاية سريعة للملف، لكنه ينقله إلى مسار مؤسسي واضح.
السيناريو الثاني هو تمديد الوضع القائم عبر جولات إضافية من الحوار من دون جدول تنفيذي محدد، يوفر هذا السيناريو استقراراً آنياً، لكنه يبقي العراق حساساً لأي موجة تصعيد إقليمي جديدة.
السيناريو الثالث هو تفاوت مواقف الفصائل، بحيث تتقدم بعض القوى نحو الاندماج وتبقى أخرى خارج التفاهم، قد يخلق ذلك فرصة للدولة لبناء كتلة أوسع مؤيدة للحصر، لكنه يحمل في الوقت نفسه احتمالات توتر داخل البيئة المسلحة نفسها.
تاسعاً: ما الذي ينبغي أن تراقبه بغداد في اليمن؟
لا ينبغي أن تنحصر المراقبة العراقية حول خطوط التماس أو التغيرات الميدانية، المؤشرات الأهم هي: مدى صمود التفاهمات السعودية–الحوثية؛ درجة استقلال القرار لدى الأطراف عن الداعمين الإقليميين؛ قدرة التصعيد المحلي على الانتقال إلى منشآت الطاقة والممرات؛ وما إذا كان اليمن يمثل حالة منفردة أم بداية نمط أوسع من عودة الصراعات المؤجلة.
هذه المؤشرات ليست مهمة لليمن وحده، بل لأنها تساعد بغداد على تقدير العمر السياسي للتفاهمات التي تعتمد عليها بيئتها الداخلية، فإذا اتضح أن المنطقة تتجه إلى مرحلة أكثر صدامية، فإن استكمال حصر القرار العسكري داخل الدولة سيصبح أكثر إلحاحاً، أما إذا عاد الاحتواء، فإن نافذة الوقت المتاحة لبناء ترتيبات مؤسسية ستكون أطول.
الخلاصة
تشير التطورات في اليمن إلى أن نموذج خفض التصعيد الإقليمي ما زال قادراً على تأجيل النزاعات، لكنه لا يضمن بالضرورة تسويتها، وكلما بقيت القوة المسلحة محتفظة باستقلالها التنظيمي والعملياتي، ظل الاستقرار معرضاً لاختبار جديد عند تغير البيئة المحيطة.
بالنسبة للعراق، يأتي هذا الاستنتاج في توقيت يسبق 30 أيلول، وهي محطة قد تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، نجاح هذه المرحلة لا ينبغي قياسه بحدث رمزي أو بموعد واحد، بل بمدى انتقال القيادة والسيطرة والقدرات النوعية وقرار الحرب والسلم إلى مؤسسات الدولة.
إذا نجحت بغداد في تحويل التفاهمات الجارية إلى قواعد مؤسسية قابلة للاستمرار، فسيكون العراق أقل تعرضاً لموجات التصعيد الإقليمي المقبلة، أما إذا بقيت العلاقة قائمة على إدارة مؤقتة للتوازن، فإن استقرار الداخل سيظل مرتبطاً بدرجة من الهدوء الخارجي لا تملك بغداد السيطرة عليها.

