الاحتجاجات في العراق تحت ضغط الأزمات المتداخلة
قراءة في الجغرافيا والمطالب والتداعيات بين 2024 و2026
لا تشير بيانات الاحتجاج في العراق إلى وجود موجة وطنية متصلة ذات مركز واحد، لكنها تكشف عن بنية ضغط أوسع وأكثر تعقيداً: مئات الوقائع المحلية والمهنية التي تتحرك بصورة متفرقة، لكنها تتقاطع عند سؤال جوهري يتعلق بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وقد وثّق رصد مركز العراق للدراسات الاستشرافية 404 وقائع احتجاجية صالحة للتحليل بين 12 كانون الثاني 2024 و10 أيلول 2026؛ منها 118 واقعة في 2024، و215 واقعة في 2025، و71 واقعة في 2026 حتى تاريخ انتهاء الرصد.
تركزت 128 واقعة في بغداد، بما يعادل 31.7% من إجمالي الرصد، بينما سجلت البصرة 58 واقعة، أو 14.4%، وتوزعت بقية الوقائع على محافظات الوسط والجنوب والشمال. ولا يعني هذا التوزيع أن بغداد والبصرة وحدهما شهدتا أعلى مستويات التوتر الاجتماعي، إذ تتأثر نتائج الرصد بتفاوت كثافة التغطية الإعلامية وإمكانية الوصول إلى المصادر ودرجة ظهور الاحتجاجات في المجال العام. لكنه يوضح أن الاحتجاج لم يعد مرهوناً بساحة مركزية أو تنظيم سياسي واحد، بل أصبح أداة تفاوض متكررة تستخدمها جماعات مهنية ومحلية متعددة.
ظل المحرك الغالب للاحتجاج معيشياً ومؤسسياً. فقد شكلت المطالب المرتبطة بالحقوق والاستحقاقات والخدمات والتعيين والتعويضات 250 واقعة، أي 61.9% من الإجمالي. وخلال عام 2026، بلغت هذه الفئات 50 واقعة من أصل 71، أو 70.4%. لذلك لا تكمن المخاطرة الأساسية في ظهور مطلب جديد، بل في احتمال اندماج ملفات الرواتب والتعيينات والكهرباء والمياه والوقود والمستحقات الزراعية وحقوق الموظفين والخريجين والفلاحين والمتعاقدين ضمن سردية واحدة عن عجز الدولة عن تنفيذ التزاماتها أو توزيع الأعباء بصورة عادلة.
وتزداد أهمية هذه البنية الاحتجاجية مع دخول العراق مرحلة تتراكب فيها ضغوط مالية واقتصادية وأمنية متعددة، تشمل الاختناقات الناجمة عن الاعتماد الشديد على الإيرادات النفطية وضخامة الإنفاق الجاري، واضطراب إمدادات الطاقة والوقود بفعل الحرب الإقليمية، وعدم اليقين المحيط بالوجود المتبقي للتحالف الدولي واستحقاق 30 أيلول، إلى جانب استمرار الخلاف السياسي بشأن حصر السلاح بيد الدولة. وقد يكون كل ملف من هذه الملفات قابلاً للاحتواء منفرداً، إلا أن تزامنها يرفع احتمال انتقال الاحتجاج من مطالب قطاعية ومحلية منفصلة إلى مساءلة أشمل لكفاءة الدولة وشرعيتها المؤسسية وسيادتها وعدالة توزيع الكلفة.
وتمثل هذه الأرقام الوقائع التي تمكن المركز من رصدها والتحقق منها ضمن المصادر المتاحة حتى 10 أيلول 2026؛ ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها حداً أدنى موثقاً، لا تعداداً نهائياً لجميع الأنشطة الاحتجاجية التي شهدها العراق.
جغرافيا الرصد: احتجاج موزّع لا احتجاج مختفٍ
تكشف البيانات ثلاثة تحولات. أولها تحول الاحتجاج من الحشد المركزي الكبير إلى ضغط موزع جغرافياً؛ وثانيها انتقال جزء مهم منه من الشعارات السياسية العامة إلى مطالب قابلة للتسمية والقياس، مثل الراتب والتعيين والأرض والماء والكهرباء والتعويض؛ وثالثها تعدد الفاعلين، من الخريجين والموظفين وأصحاب العقود إلى الفلاحين والمتقاعدين والسائقين والسكان المحليين.
هذا التوزع يمنح النظام السياسي هدوءاً ظاهرياً، لأن كل احتجاج يبدو محدوداً في مكانه وقطاعه. لكنه يحمل مخاطرة تراكمية: الملفات الصغيرة لا تختفي عندما تتفرق، بل تبقى قابلة للاتصال إذا ظهر موعد جامع أو أزمة واسعة أو حادث أمني. ومن ثم، فإن انخفاض عدد المشاركين في واقعة منفردة لا يساوي انخفاض الضغط الاجتماعي؛ فقد يكون الضغط قد تغير شكله فقط، من موجة وطنية إلى شبكة شكاوى محلية متزامنة.
التوزيع الزمني يعزز هذا الاستنتاج. ارتفع الرصد من 118 واقعة في 2024 إلى 215 في 2025، لكن هذا الفرق لا يجوز تفسيره آلياً بوصفه زيادة مماثلة في حجم الشارع، بسبب تفاوت كثافة التغطية والمصادر. المؤشر الأمتن هو استمرار الوقائع وتنوعها واتساع القطاعات المنخرطة فيها. وفي 2026، سجل آب وحده 18 واقعة من أصل 71 واقعة مرصودة حتى 10 أيلول، أي 25.4% من رصيد السنة حتى 10 أيلول. يمثل ذلك إنذاراً مبكراً، لكنه لا يكفي منفرداً لإثبات اقتراب موجة وطنية.
من أزمة مطلب إلى أزمة ثقة
تبدأ معظم الوقائع المرصودة بمطلب محدد، لكن أثرها السياسي لا يتوقف عند المطلب. عندما يتكرر الاحتجاج حول راتب متأخر، أو تعيين معلّق، أو خدمة كهرباء متدهورة، يتحول السؤال تدريجياً من «متى تُحل المشكلة؟» إلى «هل تستطيع الدولة حلها أصلاً؟». هنا تنتقل الأزمة من نقص خدمة إلى تآكل ثقة.
وتتشكل هذه العملية عبر ثلاث حلقات. في الحلقة الأولى، تَعِد الجهة المعنية بالمعالجة لاحتواء الاحتجاج. وفي الثانية، يتأخر التنفيذ أو تضيع المسؤولية بين الوزارة والمحافظة والتمويل والقرار السياسي. وفي الثالثة، تعود المجموعة نفسها أو تظهر مجموعة مشابهة، فتتحول السابقة غير المحسومة إلى دليل يستخدمه محتجون آخرون. وبهذا تصبح الوقائع المتفرقة «ذاكرة احتجاجية» مشتركة، حتى من دون قيادة موحدة.
أخطر ما في هذه البنية أنها تسمح باندماج مطالب مختلفة تحت عنوان واحد. قد لا يجمع الخريج والفلاح وموظف العقد وسكان منطقة تعاني انقطاع الكهرباء برنامج سياسي واحد، لكنهم يستطيعون الاتفاق على سردية مشتركة مفادها أن الدولة تطلب الصبر ولا تقدم جدولاً قابلاً للتحقق. لذلك فإن إدارة كل احتجاج بوصفه حادثة منفصلة تعالج العرض، ولا تعالج الرابط الذي يتكون بين الملفات.
الاقتصاد السياسي للاحتجاج: الرواتب والخدمات والوقود
تأتي المطالب المعيشية في بيئة مالية شديدة الحساسية للنفط. أشار صندوق النقد الدولي في مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن انخفاض أسعار النفط والقيود التمويلية يضغطان على الإنفاق والنشاط الاقتصادي في العراق، ضمن اقتصاد ما زالت أوضاعه المالية والخارجية معرضة لصدمات النفط. كما أن الرواتب والتقاعد يمثلان كتلة إنفاق كبيرة يصعب تقليصها سريعاً من دون كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة. صندوق النقد الدولي
لا تتحول الأزمة المالية إلى احتجاج بسبب نقص الموارد فقط، بل بسبب ترتيب الأولويات وتوزيع التأخير. فالتأخر في دفع مستحقات فئة، أو وقف علاوة، أو تعليق تثبيت العقود، يخلق مقارنة فورية مع فئات أخرى حصلت على تمويل أو قرار. وهكذا يصبح الشعور بعدم العدالة عاملاً لا يقل أهمية عن قيمة المبلغ نفسه.
أما أزمة الطاقة فتربط بين المال والخدمة والسياسة الخارجية. زادت اضطرابات إمدادات الغاز وحركة تصدير النفط خلال 2026 من هشاشة قطاعي الكهرباء والمالية العامة. فقد أدى توقف الغاز الإيراني مؤقتاً إلى خسارة جزء من القدرة التوليدية، في حين فرض اضطراب حركة النفط عبر الخليج ضغوطاً على مورد الموازنة الأساسي. ولا تعود هذه الهشاشة إلى الحرب وحدها، بل تتصل أيضاً بمشكلات مزمنة في تنويع مصادر الطاقة والاستثمار والإدارة.
بهذا المعنى، لا تبقى أزمة الوقود أو الكهرباء ملفاً خدمياً تقنياً. انقطاع الطاقة يرفع كلفة النقل والتبريد والإنتاج، ويضغط على دخل الأسرة، ويزيد الطلب على المولدات والوقود، ثم يُترجم إلى احتجاجات محلية. وإذا ترافق ذلك مع تأخر الرواتب أو المستحقات، تصبح الأسرة متضررة من جهتين: انخفاض قدرتها الشرائية وارتفاع كلفة الحصول على الخدمة البديلة.
30 أيلول: تراكب الأمن والسيادة والاقتصاد
يمثل 30 أيلول 2026 نقطة ضغط سياسية وأمنية، لا لأنه ينتج أزمة بصورة تلقائية، بل لأنه يجمع ملفات كانت تُدار في مسارات منفصلة. الاتفاق المعلن في 27 أيلول 2024 نص على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف داخل العراق في مرحلة أولى، مع استمرار دعم عمليات مكافحة تنظيم داعش في سوريا انطلاقاً من العراق حتى أيلول 2026، والانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية. ولذلك فإن وصف العملية بأنها «انسحاب كامل» وحده غير دقيق؛ فهي إعادة تشكيل للوجود والعلاقة الأمنية بقدر ما هي إنهاء لمهمة التحالف بصيغتها السابقة.
في الوقت نفسه، ارتبط الموعد سياسياً بملف حصر السلاح. وقد أعلنت جماعات مسلحة استعدادها للانخراط في مسار التسليم أو التنظيم، بينما بقيت جماعات أخرى رافضة أو مشروطة بضمانات تتعلق بالوجود الأميركي والنفوذ الخارجي. وتفيد المعطيات المنشورة في أيلول 2026 بأن عدة جماعات ما زالت ترفض مهلة نزع السلاح أو الاندماج، ما يضع الحكومة أمام اختبار مزدوج: إثبات السيادة من دون دفع البلاد إلى صدام داخلي، والمحافظة على شراكاتها الخارجية من دون أن تبدو خاضعة لإملاء خارجي.
إن تعثر هذا المسار يمكن أن ينعكس على الاحتجاج بطرق غير مباشرة. تصاعد التوتر الأمني يزاحم الإنفاق الخدمي، ويؤخر المشاريع، ويربك الأسواق، ويزيد المخاوف على الوظائف والاستثمار. كما أن أي احتكاك مسلح أو هجوم على منشأة طاقة أو بعثة أجنبية قد ينقل النقاش العام من الخدمات إلى السيادة، ثم يعيد ربط الملفين عبر سؤال: من يتحمل الكلفة الاقتصادية للانقسام الأمني؟
ولا تترتب على انتهاء مهمة التحالف، من الناحية القانونية، عقوبات اقتصادية تلقائية على العراق. الأدق هو الحديث عن مخاطر مشروطة، لا نتيجة حتمية. تتصاعد هذه المخاطر إذا فشلت الدولة في حماية البعثات والاستثمارات، أو استُخدم العراق منصة لهجمات إقليمية، أو اتسعت مشكلات الامتثال المالي والتحويلات الدولارية. عندئذ قد تظهر ضغوط على مصارف أو شركات أو أفراد، أو تشدد في الوصول إلى النظام المالي، أو تراجع في شهية الاستثمار. أما تحويل الانسحاب نفسه إلى مرادف للعقوبات فيخلط بين مسارين مختلفين ويضعف التقدير.
لماذا قد تتصل الملفات ببعضها؟
الاحتجاج الواسع لا يحتاج دائماً إلى قيادة واحدة؛ يكفي أحياناً تزامن أربعة عناصر: مظالم متكررة، وصدمة معيشية، وموعد رمزي أو سياسي، واستجابة حكومية غير مقنعة. العراق يقترب من هذه المعادلة بدرجات متفاوتة.
المظالم موجودة في سجل الرواتب والتعيينات والخدمات والحقوق. والصدمة المعيشية يمكن أن تأتي من الوقود والكهرباء والأسعار أو اضطراب الإيرادات. والمواعيد الجامعة تشمل 30 أيلول وذكرى احتجاجات تشرين في 25 تشرين الأول، وإن لم يكن أي منهما سبباً مستقلاً كافياً للحشد. أما المتغير الحاسم فهو طريقة الاستجابة: هل تقدم الدولة معلومات وجداول تنفيذ ومسؤوليات واضحة، أم تترك فراغاً تملؤه الشائعات والتعبئة السياسية؟
وبذلك، ينبغي ألا يُقرأ 25 تشرين الأول بوصفه موعداً موسمياً منفصلاً، بل محطة محتملة داخل دورة ضغط أطول. إذا مرت الذكرى بهدوء، فهذا لا يعني زوال الأسباب. وإذا شهدت حشداً واسعاً، فلا يعني أن جميع المشاركين يتحركون بدافع سياسي واحد. القيمة التحليلية تكمن في تحديد أي المطالب المحلية انتقلت إلى خطاب وطني، وأي القطاعات التحقت، وأي المحافظات تحركت بالتزامن.
تشرين 2019 بوصفها ذاكرة سياسية حاضرة
لا يصح إسقاط تجربة تشرين 2019 آلياً على الاحتجاجات الراهنة؛ فالسياق السياسي والأمني، وشبكات التعبئة، ومستوى التنظيم، والبيئة الإقليمية تغيرت. إلا أن تشرين تبقى جزءاً من الذاكرة السياسية والاجتماعية التي تُقرأ من خلالها أي موجة احتجاج جديدة. فقد بدأت بمطالب تتعلق بالبطالة والخدمات والفساد، ثم اتسعت إلى مساءلة بنية الحكم والتمثيل والنفوذ الخارجي، وأنتجت آثاراً سياسية تجاوزت الساحات نفسها.
وتستمر تداعيات تلك المرحلة في ثلاثة مستويات: ارتفاع حساسية المجتمع تجاه استخدام القوة ضد المحتجين، وبقاء ملف الضحايا والمساءلة مفتوحاً، وترسخ الاعتقاد بأن المطلب المعيشي يمكن أن يتحول إلى مطالبة بتغيير سياسي أوسع عندما تغيب الاستجابة. ووفق تحديث بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومفوضية حقوق الإنسان، أفادت الأرقام الحكومية بمقتل 653 شخصاً في سياق عنف التظاهرات، بينهم 620 متظاهراً، إلى جانب أعداد كبيرة من المصابين؛ وهو إرث يجعل أي احتكاك جديد محمّلاً بمعنى يتجاوز الواقعة الآنية.
لذلك تدخل ذكرى تشرين في الحسابات الحالية بوصفها عاملاً مضاعفاً لا سبباً مستقلاً للاحتجاج. فإذا تزامنت مع تدهور معيشي أو أزمة رواتب وطاقة أو توتر حول السلاح والسيادة، يمكن أن توفر لغة ورموزاً وذاكرة مشتركة لربط مطالب متفرقة. أما إذا بقيت القطاعات منفصلة ولم يظهر حدث جامع، فقد تستمر الذكرى في بعدها الرمزي من دون أن تعيد إنتاج موجة 2019.
السيناريوهات المرجحة
1. احتواء موزع واستمرار الضغط المحلي
تبقى الاحتجاجات متفرقة، وتنجح الاستجابات الجزئية أو الوعود المحلية في منع تشكل موجة جامعة. وهو السيناريو الأكثر قابلية للإدارة، لكنه لا يمثل حلاً؛ إذ تبقى الملفات معلقة وقابلة للعودة عند أول صدمة مالية أو خدمية.
مؤشراته: غياب التنسيق بين المحافظات، اقتصار الوقائع على فئات محددة، صدور جداول دفع أو قرارات جزئية، وعدم وقوع حادث أمني كبير.
2. تلاقي المطالب القطاعية
تتقاطع تحركات الخريجين والموظفين وأصحاب العقود والفلاحين والمتضررين من الخدمات ضمن إطار أوسع، مع احتفاظ كل فئة بمطالبها. هذا هو الخطر السياسي الأهم؛ لأنه يحول الاحتجاج من سلسلة مطالب منفصلة إلى مساءلة عامة لأداء الدولة.
مؤشراته: تكرار الشعارات بين قطاعات مختلفة، انتقال الدعوات بين المحافظات، ظهور لجان تنسيق، وربط الرواتب والخدمات والتعيين بمفهوم العدالة أو كفاءة الدولة.
3. تصعيد تصنعه الاستجابة
تبدأ الفعاليات محدودة ثم تتوسع بفعل احتكاك أمني أو اعتقالات أو إصابات أو معلومات متضاربة. عندها تصبح إدارة الحدث سبباً في نموه، وتتراجع المطالب الأصلية أمام سردية الحق في الاحتجاج والمساءلة.
مؤشراته: الاستخدام المبكر للقوة، غياب متحدث حكومي موحد، تضارب أعداد المصابين والموقوفين، وانتشار مقاطع غير موثقة أسرع من البيانات الرسمية.
4. انتقال الصراع الإقليمي إلى الداخل
تدفع أزمة الوقود أو الطاقة أو هجمات الجماعات المسلحة أو الضغوط الخارجية إلى إعادة ترتيب أولويات الشارع. قد تتداخل مطالب المعيشة مع مواقف من الوجود الأجنبي والسلاح والسيادة، فتظهر تعبئة مركبة يصعب احتواؤها بأداة خدمية أو أمنية واحدة.
مؤشراته: تعطل جديد في الطاقة أو النفط، هجمات على منشآت أو بعثات، عقوبات موجهة إلى كيانات عراقية، أو خطاب يحمّل فئة داخلية مسؤولية الكلفة الاقتصادية للحرب.
5. تعدد الدعوات وتشتت الجمهور
تتنافس قوى سياسية ومدنية وقطاعية على تمثيل الاحتجاج أو ذكرى تشرين، فتتعدد الساحات والشعارات ولا تتشكل قيادة أو رسالة موحدة. يقلل ذلك الضغط المنظم في المدى القصير، لكنه لا يلغي الأسباب المعيشية ولا يمنع عودتها لاحقاً.
التقدير العام: يبقى الاحتواء الموزع هو المسار الأسهل في المدى القصير، لكن «تلاقي المطالب القطاعية» هو الأعلى أثراً على شرعية الأداء الحكومي. أما التصعيد الناتج عن طريقة الاستجابة أو انتقال الصراع الإقليمي إلى الداخل فهما أقل قابلية للتنبؤ وأعلى كلفة إذا وقعا.
تداعيات الاحتجاج على المشهد العراقي
1. ضغط متزايد على شرعية الأداء
لا تهدد الاحتجاجات استقرار النظام السياسي بالعدد وحده، بل بقدرتها على تحويل الإخفاقات اليومية إلى حكم عام على أداء الدولة. وكلما تكررت المطالب نفسها من دون تسوية واضحة، اتسعت الفجوة بين الشرعية المستمدة من المؤسسات والانتخابات وبين الشرعية المرتبطة بالإنجاز والخدمة. وفي هذا السياق، تصبح الكهرباء والراتب وفرصة العمل مؤشرات سياسية على فاعلية الدولة، لا ملفات إدارية منفصلة.
ولا يعني ذلك أن كل احتجاج يحمل موقفاً معارضاً شاملاً. الغالبية تتحرك من مطلب محدود، لكن تراكم التجارب غير المحسومة قد ينقل المشاركين من المطالبة بحل جزئي إلى التشكيك في منظومة الاستجابة كلها. ومن هنا تنبع أهمية الاحتجاجات القطاعية: فهي لا تبدأ بالضرورة سياسية، لكنها قد تنتج أثراً سياسياً مع استمرارها.
2. إعادة تشكيل العلاقة بين بغداد والمحافظات
يظهر التوزيع الجغرافي أن العاصمة تبقى مركزاً رئيسياً للاحتجاج بحكم وجود الوزارات والبرلمان والهيئات الاتحادية فيها، بينما تعكس البصرة ومحافظات الوسط والجنوب مفارقة الموارد والخدمات. فالمحافظة المنتجة للنفط قد تشهد احتجاجاً على الماء أو الكهرباء أو فرص العمل، ما يحول المطلب الخدمي إلى سؤال عن توزيع الثروة والسلطة بين المركز والمحافظات.
كما أن انتقال المحتجين من محافظاتهم إلى بغداد يعني أن المشكلة المحلية كثيراً ما تُفهم بوصفها نتيجة قرار أو تمويل اتحادي. وفي الاتجاه المقابل، قد تحيل المؤسسات الاتحادية مسؤولية التنفيذ إلى الحكومات المحلية. هذا التداخل يطيل دورة الاحتجاج لأنه يسمح بتبادل المسؤولية، ويجعل غياب جهة واضحة للمساءلة جزءاً من المشكلة نفسها.
3. قابلية التوتر الاجتماعي للتسييس
لا تتطابق القاعدة المطلبية للاحتجاج مع القواعد الحزبية بصورة آلية. ومع ذلك، فإن اتساع الضيق الاقتصادي يوفر بيئة تنافس للقوى السياسية والتيارات الاجتماعية والجماعات المسلحة، سواء عبر تبني مطالب فئات محددة أو توجيه الغضب نحو خصوم داخليين وخارجيين. وقد يؤدي ذلك إلى رفع حضور الملف الاحتجاجي في الصراع السياسي حتى لو بقي معظم المشاركين مستقلين عن تلك القوى.
ويزداد احتمال التسييس في المواعيد الرمزية، ولا سيما ذكرى احتجاجات تشرين، أو عند وقوع أزمة سيادية وأمنية. لكن تعدد الجهات الساعية إلى تمثيل الشارع قد ينتج أيضاً تشتتاً في القيادة والشعارات، فيحد من قدرة الاحتجاج على صياغة برنامج موحد من دون أن يلغي أسبابه الاجتماعية.
4. ارتفاع حساسية الاستقرار الأمني
تتحرك الاحتجاجات في بيئة أمنية تتأثر بملف السلاح خارج الدولة وبإعادة تنظيم العلاقة مع التحالف الدولي. وإذا بقيت الفعاليات سلمية ومحدودة، فإنها تظل ضمن قدرة مؤسسات الدولة على الإدارة. أما إذا تزامنت مع احتكاك أمني أو هجوم إقليمي أو انقسام بين جماعات مسلحة، فقد تتغير طبيعتها سريعاً ويتقدم سؤال الأمن على المطلب الأصلي.
وتتمثل المخاطرة الأكبر في الحلقة التفاعلية بين الاحتجاج والاستجابة: حادث محدود قد يولد احتجاجاً أوسع، والانتشار الأمني الواسع قد يُقرأ بوصفه دليلاً على غياب الحل السياسي أو الخدمي، بينما يرفع التوتر الميداني احتمال الأخطاء وسوء التقدير. لذلك لا يمكن قياس التداعيات الأمنية بعدد الوقائع السابقة فقط؛ فهي ترتبط أيضاً بطبيعة الحدث المفجّر ومستوى الثقة ودرجة الانقسام السياسي عند وقوعه.
5. أثر مالي واقتصادي متبادل
العلاقة بين الاحتجاج والاقتصاد تسير في اتجاهين. يؤدي ضعف الإيرادات أو اضطراب النفط والطاقة إلى تأخير الإنفاق والمشاريع والمستحقات، فتزداد دوافع الاحتجاج. وفي المقابل، يمكن لاتساع الاضطراب أن يعطل النقل والإنتاج والمؤسسات ويضعف ثقة المستثمرين، ما يزيد الضغط على الموارد المتاحة.
وتبدو هذه الحلقة أكثر خطورة في اقتصاد يعتمد على النفط لتمويل كتلة كبيرة من الرواتب والتحويلات والإنفاق العام. ففي أوقات الوفرة تستطيع الدولة احتواء المطالب عبر التوظيف أو التعويض أو زيادة الإنفاق؛ أما عند تقلص الحيز المالي فتزداد المفاضلة بين الرواتب والاستثمار والخدمات، وتتحول كل تسوية لفئة إلى سابقة تطالب بها فئات أخرى.
6. اتساع أثر الحرب الإقليمية داخل المجتمع
لا تقتصر تداعيات الحرب المحيطة بالعراق على الأمن والحدود. اضطراب الغاز والكهرباء والنفط والتجارة والنقل يمر إلى الداخل عبر الأسعار، واستمرارية الخدمة، وإيرادات الدولة، وفرص العمل. ولهذا يمكن لحدث إقليمي بعيد جغرافياً أن يظهر محلياً في صورة انقطاع كهرباء أو نقص وقود أو تأخر مشروع أو تراجع قدرة شرائية.
كما أن موقع العراق بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما يجعل كلفة التوتر موزعة بصورة غير متساوية. وقد تتنافس داخل المجال العام سرديات تحمل الخارج أو الحكومة أو الجماعات المسلحة مسؤولية الأزمة. وإذا اقترنت الخسارة المعيشية بانقسام حاد حول هوية المسؤول، يصبح الاحتجاج ساحة للصراع على تفسير الأزمة، لا على معالجة أثرها فقط.
اتجاهات المرحلة المقبلة
تشير بنية البيانات إلى استمرار الاحتجاجات المحلية والمهنية بوصفها النمط الأساسي في المدى القريب. فالمطالب الأكثر حضوراً مرتبطة بملفات لا يمكن تسويتها دفعة واحدة: الحقوق المالية، والتوظيف العام، والخدمات، والقرارات الإدارية. لذلك يُرجح أن يستمر الضغط حتى في غياب موجة وطنية موحدة.
ويعتمد الانتقال من هذا النمط الموزع إلى موجة أوسع على اجتماع ثلاثة متغيرات: صدمة اقتصادية أو خدمية تشمل أكثر من محافظة، وحدث سياسي أو أمني يمنح الشكاوى معنى وطنياً، وقدرة شبكات اجتماعية أو مهنية على تنسيق التوقيت والخطاب. توافر متغير واحد قد ينتج احتجاجات محدودة؛ أما اجتماعها فيمكن أن يغير مستوى التعبئة سريعاً.
في المقابل، قد يؤدي تعدد المطالب والجهات واختلاف أولويات المحافظات إلى بقاء الاحتجاج مجزأً. لكن التجزؤ لا يعني الاستقرار الكامل؛ فهو قد يحول الضغط إلى حالة مزمنة تستنزف الثقة وتزيد قابلية المجتمع للتعبئة عند كل أزمة. ولذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى «استقرار ضاغط» منها إلى هدوء مستقر أو انفجار حتمي.
الخلاصة
تقول بيانات الرصد إن الاحتجاج في العراق لم يختفِ؛ بل تغير شكله وتوزع إلى عشرات المسارات المحلية والمهنية. وتتقاطع هذه المسارات في مطالبة الدولة بخدمة أو حق أو فرصة أو قرار عادل. يوفر التشتت هدوءاً مؤقتاً، لكنه قد يصبح نقطة ضعف عندما تتزامن أزمة معيشية مع موعد سياسي أو أمني ومع استجابة غير مقنعة.
ولا يمثل 30 أيلول أو 25 تشرين الأول موعداً حتمياً لانفجار الاحتجاج، لكنهما يقعان داخل مرحلة شديدة الحساسية يمكن أن تتقاطع فيها قضايا السيادة والسلاح والعلاقة مع الولايات المتحدة مع الرواتب والطاقة والخدمات. وإذا حدث هذا التقاطع، فلن تبقى الاحتجاجات مجرد تعبيرات قطاعية، بل قد تتحول إلى مرآة لأزمة أوسع في الثقة والتمثيل وتوزيع الكلفة.
وعليه، فإن السؤال المركزي في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان العراق سيشهد احتجاجات؛ فالبيانات تؤكد استمرارها بالفعل. السؤال هو ما إذا كانت ستبقى مسارات محلية منفصلة، أم ستجد صدمة أو خطاباً أو موعداً يجمعها. وبين الاحتمالين، يبدو العراق أمام ضغط اجتماعي مزمن قابل للتصعيد، يتأثر بدرجة كبيرة بمسار الاقتصاد والطاقة والصراع الإقليمي ونتائج اختبار حصر السلاح وإعادة تشكيل العلاقة الأمنية مع التحالف.
المراجع الرئيسة
- قاعدة رصد الاحتجاجات في العراق، قسم البيانات والمعلومات، مركز العراق للدراسات الاستشرافية، 2024–2026.
- صندوق النقد الدولي، مشاورات المادة الرابعة مع العراق لعام 2025 والتقرير الصادر عن خبراء الصندوق، تموز 2025.
- بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تحديث بشأن المساءلة عن انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان المرتكبة خلال التظاهرات في العراق، 2022.
- البيان المشترك بشأن الجدول الزمني لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش في العراق، 27 أيلول 2024.
- تقارير وتحليلات دولية عن الاقتصاد العراقي والطاقة والاحتجاجات ومسار حصر السلاح، ومنها Reuters وFinancial Times ووكالات صحفية دولية أخرى.
- المصادر الأصلية المرفقة بكل واقعة مسجلة داخل الخريطة التفاعلية وقاعدة الرصد.



