
مضيق باب المندب في استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية
المقدمة :
يعدّ مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، نظراً لموقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ومنه بالمحيط الهندي، بما يجعله جزءاً أساسياً من شبكة الملاحة البحرية التي تصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس، وقد منحت هذه المكانة الجغرافية المضيق أهمية تتجاوز وظيفته كممر للملاحة والتجارة الدولية، ليصبح أحد المواقع المؤثرة في حسابات الأمن البحري والطاقة والتنافس على النفوذ في منطقة البحر الأحمر.
وقد ازدادت الأهمية الاستراتيجية لباب المندب بصورة ملحوظة خلال العقدين الأخيرين، في ظل تداخل التحولات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة، ولا سيما منذ اندلاع الصراع اليمني عام 2015، وما ترتب عليه من تصاعد حضور الفاعلين الإقليميين والدوليين في محيط البحر الأحمر، كما أسهمت الهجمات التي استهدفت حركة الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة في إعادة إبراز المضيق باعتباره نقطة اختناق بحرية يمكن أن تؤثر في أمن خطوط التجارة الدولية، وفي حسابات القوى الساعية إلى حماية مصالحها البحرية أو توسيع نطاق نفوذها الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، لم يعد التعامل مع مضيق باب المندب مقتصراً على اعتبارات حرية الملاحة وتأمين حركة التجارة، بل أصبح جزءاً من استراتيجيات أوسع تتداخل فيها الأهداف الأمنية والعسكرية مع المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية فالقوى الإقليمية والدولية لا تنظر إلى المضيق من منظور واحد إذ تسعى بعض القوى إلى تأمين خطوط الملاحة وحماية مصالحها التجارية، بينما توظف قوى أخرى موقعها الجغرافي أو حضورها العسكري والسياسي في محيط المضيق لتعزيز النفوذ وامتلاك أوراق ضغط في الصراعات الإقليمية ومن ثم، فإن التنافس حول باب المندب يعكس بدرجة كبيرة طبيعة التنافس الأوسع على تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية في البحر الأحمر، وتتمثل إشكالية الدراسة في التساؤل الرئيس الآتي: كيف تتباين استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية تجاه مضيق باب المندب؟ وما الأهداف التي تسعى كل قوة إلى تحقيقها؟ وما الأدوات التي توظفها لتعزيز مصالحها ونفوذها في محيطه؟
وتهدف الدراسة إلى تحليل استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية تجاه مضيق باب المندب، من خلال الكشف عن دوافعها وأهدافها وأدواتها، ومقارنة أنماط التفاعل بينها، فضلاً عن تحديد نقاط التقاطع والتنافس في مصالحها.
المحور الاول: الإطار المفاهيمي والأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب
1_ الاطار المفاهيمي :
تشير الممرات البحرية الاستراتيجية أو ما يُعرف بـ Chokepoints : إلى المواقع الجغرافية البحرية الضيقة أو المحدودة التي تمر عبرها حركة الملاحة بين مساحات بحرية أوسع، بحيث يؤدي موقعها إلى منح الدولة أو الفاعل القادر على التأثير فيها قدرة نسبية على مراقبة حركة السفن أو حمايتها أو تعطيلها.
ولا تنبع أهمية هذه الممرات من ضيقها الجغرافي فحسب، وإنما من ارتباطها بشبكات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية إذ إن اضطراب الملاحة فيها يمكن أن يفرض تكاليف اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة الجغرافية التي توجد فيها ومن ثم، تتحول هذه المواقع إلى عناصر مؤثرة في الحسابات الاستراتيجية للدول، ولا سيما عندما تتزامن أهميتها الجغرافية مع وجود صراعات أو تنافس على النفوذ.
كما تقدم نظرية القوة البحرية لألفرد ماهان إطاراً مناسباً لفهم الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية، إذ ينطلق ماهان من أن البحر ليس مجرد فضاء يفصل بين الدول، بل يمثل طريقًا رئيسياً للتجارة والاتصال، وأن ازدهار القوة البحرية يرتبط بقدرة الدولة على حماية تجارتها ومواصلاتها البحرية وتأمين نقاط الارتكاز التي تسمح لها بالعمل في البحار البعيدة، وقد ربط ماهان القوة البحرية بمجموعة من العوامل، من بينها الموقع الجغرافي، وطبيعة السواحل، وحجم السكان، والقدرة الاقتصادية، والشخصية القومية، وطبيعة الحكومة.
كما ساعدت نظرية المجال الحيوي، في بعدها الجيوسياسي، على تفسير العلاقة بين الموقع الجغرافي للدولة وبين سعيها إلى تأمين المجال المحيط بمصالحها الحيوية وعلى الرغم من أن المفهوم ارتبط تاريخياً بالمدرسة الجيوبوليتيكية وبأفكار توسعية استُخدمت بصورة إشكالية لتبرير التوسع الإقليمي.
اما الاستراتيجية فيقصد بها في معناها العام، عملية توظيف الدولة لمجموعة من الموارد والقدرات والأدوات لتحقيق أهداف بعيدة أو متوسطة المدى في بيئة تتسم بالتنافس وعدم اليقين
وكذلك في المجال الجيوسياسي، تتجاوز الاستراتيجية الاستخدام المباشر للقوة العسكرية لتشمل توظيف الموقع الجغرافي، والعلاقات السياسية، والقدرات الاقتصادية، والتحالفات، والأدوات الدبلوماسية والعسكرية بما يحقق للدولة موقعاً أفضل في ميزان القوى ولذلك فإن الاستراتيجية لا تُقاس بمجرد حجم الموارد التي تمتلكها الدولة، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى أدوات تأثير مرتبطة بأهداف محددة.
2_ الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب:
تتعدد الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب تبعاً لموقعه الجغرافي وخصائصه الطبيعية، فضلاً عن أبعاده الاقتصادية والعسكرية والأمنية والجيوسياسية
أ- الموقع الجغرافي والأبعاد الطبيعية
يقع مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويفصل بين الساحل الغربي لليمن من جهة، وسواحل جيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ليشكل نقطة اتصال بحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن ويمنحه هذا الموقع أهمية استثنائية إذ يقع عند تقاطع المجال البحري للشرق الأوسط مع منطقة القرن الأفريقي، الأمر الذي جعل أمنه مرتبطاً بمصالح عدد واسع من الدول الواقعة خارج نطاقه الجغرافي المباشر. ينظر الخريطة رقم (1)
الخريطة (1) الموقع الجغرافي لمضيق باب المندب
وتبلغ المسافة بين ضفتي المضيق نحو 29 كيلومتراً في أوسع نقاطه، بينما تقسمه جزيرة بريم (ميون (إلى قناتين بحريتين القناة الشرقية المعروفة بـ"باب إسكندر" والقناة الغربية، وهي الأوسع والأعمق والأكثر ملاءمة لحركة السفن الكبيرة ولا تكمن أهمية هذه الخصائص الطبيعية في بعدها الجغرافي فحسب، وإنما في أنها تجعل المضيق نقطة اختناق بحرية يمكن أن تتأثر حركة الملاحة فيها بالتطورات الأمنية والعسكرية المحيطة بها.
وتنبع القيمة الاستراتيجية الأوسع للمضيق من كونه يمثل حلقة وصل بين البحر الأحمر وخليج عدن ومنه إلى المحيط الهندي وبذلك يدخل ضمن الطريق البحري الذي يربط موانئ آسيا بالموانئ الأوروبية عبر البحر الأحمر وقناة السويس ومن ثم، فإن أي اضطراب في أمن باب المندب لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليه، بل يمكن أن يمتد إلى مسارات التجارة والنقل البحري على المستوى الدولي، وهو ما يفسر دخوله في الحسابات الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية
ب- الاهمية الاقتصادية والتجارية
تنبع الأهمية الاقتصادية لباب المندب من كونه جزءاً من أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس ولذلك فإن اضطراب الملاحة فيه لا تنحصر تداعياته في النطاق الاقليمي، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية وقد أدت الاضطرابات منذ أواخر عام 2023 إلى انخفاض كبير في حركة السفن عبر البحر الأحمر وخليج عدن، وتحول جزء من التجارة إلى مسارات بديلة حول أفريقيا.
كما يمثل المضيق أيضاً مساراً مهماً لتدفقات الطاقة، ولا سيما النفط ومشتقاته، وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو 4.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية عبرت باب المندب في النصف الأول من عام 2025، في حين تراجعت حركة الغاز الطبيعي المسال عبره إلى مستويات شبه معدومة خلال الفترة نفسها نتيجة المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين.
اذ لا يمكن النظر إلى باب المندب وقناة السويس باعتبارهما ممرين منفصلين فهما يشكلان معاً سلسلة ملاحة متكاملة تصل المحيط الهندي بالبحر المتوسط، ومن ثم فإن تعطيل باب المندب يضعف الجدوى التشغيلية لمسار قناة السويس بالنسبة للسفن القادمة من آسيا، وهو ما يفسر انتقال جزء من حركة التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح عند ارتفاع المخاطر في البحر الأحمر، وبذلك يؤدي تحويل السفن من باب المندب إلى رأس الرجاء الصالح إلى زيادة المسافة ومدة الرحلة، وبالتالي ارتفاع استهلاك الوقود وأجور الطواقم والتأمين وتكاليف التشغيل، وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن الرحلة من بحر العرب إلى أوروبا عبر رأس الرجاء الصالح تستغرق نحو 15 يوماً إضافياً مقارنة بالمرور عبر باب المندب وقناة السويس، بينما تشير الأونكتاد إلى أن إعادة توجيه السفن حول أفريقيا رفعت الطلب العالمي على أطنان-الأميال وأدت إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين والتشغيل. ينظر الخريطة رقم (2):

وبهذا تكمن أهمية باب المندب الاقتصادية في أن قيمته لا ترتبط بحجم التجارة التي تمر فيه فقط، وإنما بكونه نقطة اختناق بحرية فتعطيله يفرض على التجارة العالمية مساراً أطول وأكثر كلفة، الأمر الذي يمنح أمن المضيق تأثيراً مباشراً في كفاءة سلاسل الإمداد وأسعار النقل والطاقة.
ج- الأهمية العسكرية والأمنية
يمثل مضيق باب المندب نقطة اختناق بحرية (Chokepoint)، إذ إن ضيق الممر يجعل حركة السفن التجارية والعسكرية أكثر قابلية للمراقبة والتأثير ومن ثم فإن أي طرف يمتلك القدرة على مراقبة المضيق أو تعطيل الملاحة فيه يستطيع التأثير في أحد أهم خطوط الاتصال البحرية، بما يجعل تأمينه هدفاً أساسياً للقوى البحرية والدول المطلة عليه.
وتكتسب الجزر الواقعة في المضيق، ولا سيما جزيرة ميون (بريم(، أهمية عسكرية بسبب موقعها الذي يسمح بالمراقبة والتحكم النسبي في حركة الملاحة عبر الممرين البحريين المحيطين بها لذلك لا ترتبط أهمية الجزيرة بمساحتها، وإنما بموقعها ضمن ممر بحري دولي، الأمر الذي يجعل وجود قوة عسكرية أو إنشاء منشآت مراقبة فيها عاملاً مؤثراً في ميزان الأمن البحري.
كما تتيح البيئة الجغرافية المحيطة بالمضيق إمكانية تهديد الملاحة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية، وهو ما يحول الخطر من مجرد وجود عسكري إلى قدرة فعلية على تعطيل حركة السفن أو ردعها وقد أظهرت الهجمات على السفن في البحر الأحمر أن التهديدات غير المتكافئة يمكن أن تفرض على القوى البحرية تكاليف انتشار وحماية مرتفعة، وتدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، حتى من دون السيطرة العسكرية المباشرة على المضيق
د- الأهمية الجيوسياسية
تتجاوز أهمية باب المندب البعد التجاري لتصل إلى أمن الطاقة العالمي، لكونه جزءاً من المسار البحري الذي تنتقل عبره كميات من النفط والغاز من منطقة الخليج والمنتجين الآسيويين نحو الأسواق الأوروبية لذلك فإن أي اضطراب مستمر في الملاحة عبره يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في استقرار إمدادات الطاقة، حتى عندما لا يؤدي إلى توقف فعلي للصادرات.
ويرتبط أمن باب المندب بصورة مباشرة بـ أمن الخليج العربي ومصر؛ فبالنسبة لدول الخليج يمثل المضيق امتداداً بحريًا مهماً لمسارات تصدير الطاقة نحو الأسواق العالمية، بينما تعتمد مصر على استمرار انسيابية الملاحة بين البحر الأحمر وقناة السويس وبذلك فإن أي تغير في مستوى الأمن بالمضيق يمكن أن ينعكس على مصالح هذه الأطراف، اقتصادياً وأمنياً، ويزيد من ارتباط أمن البحر الأحمر بأمن الخليج وقناة السويس.
وفي ظل التنافس الإقليمي والدولي، تحول باب المندب من مجرد ممر للملاحة الدولية إلى ورقة ضغط جيوسياسية إذ يمكن للجهة القادرة على تهديد حركة السفن أو التأثير في أمنها أن تستخدم هذا الموقع لتحقيق أهداف سياسية أو فرض كلفة على الخصوم ومن هنا أصبحت السيطرة على أمن المضيق أو امتلاك القدرة على تعطيل الملاحة فيه وسيلة لتعزيز النفوذ والتفاوض، وليس مجرد هدف عسكري بحد ذاته
المحور الثاني : استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية
تختلف استراتيجيات القوى تجاه مضيق باب المندب باختلاف مصالحها وأهدافها، بين قوى إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها، وقوى دولية تركز على حماية الملاحة والمصالح الاستراتيجية
أولا: استراتيجيات القوى الاقليمية
اليمن:
ينطلق موقف الحكومة اليمنية الشرعية من اعتبار باب المندب جزءاً من السيادة والأمن الوطني اليمني، ومن ثم تسعى إلى الحفاظ على أمن السواحل والممرات البحرية ومنع تحويلها إلى مصدر تهديد للملاحة الدولية وفي المقابل، تنظر جماعة الحوثيين إلى موقعها على الساحل الغربي، ولا سيما قرب باب المندب، باعتباره أداة لتعزيز قدرتها العسكرية والسياسية إذ يمكنها من خلال التهديد بالمضيق التأثير في حركة الملاحة واستخدام هذا التأثير كورقة ضغط في الصراع السياسي والعسكري.
السعودية:
ترتبط الاستراتيجية السعودية في باب المندب بحماية مصالحها البحرية، ولا سيما صادرات النفط التي يمكن أن تمر عبر البحر الأحمر، إلى جانب الحد من تنامي النفوذ الإيراني على الضفة المقابلة، ولذلك وظفت الرياض أدوات عسكرية وسياسية، شملت مشاركتها في التحالف العربي ودعم الحكومة اليمنية والتنسيق الأمني والبحري، بهدف منع تحول الساحل الغربي لليمن إلى مجال نفوذ معادٍ يهدد أمنها ومصالحها البحرية.
الإمارات:
ركزت الاستراتيجية الإماراتية بصورة أكبر على المواقع الساحلية والجزر والموانئ في جنوب اليمن والقرن الأفريقي، بما في ذلك ميون وسقطرى وميناء المخا خلال مراحل سابقة ويعكس هذا الاهتمام سعي أبوظبي إلى بناء حضور بحري يتيح لها حماية مصالحها التجارية وخطوط الملاحة في باب المندب وخليج عدن، فضلاً عن تعزيز قدرتها على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بالممرات البحرية.
مصر:
تنظر مصر إلى باب المندب من خلال علاقته المباشرة بأمن قناة السويس، إذ إن استقرار الملاحة في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يمثل شرطاً مهماً لاستمرار حركة السفن نحو القناة لذلك تتعامل القاهرة مع أمن المضيق باعتباره امتداداً لأمنها القومي، وتدعم ترتيبات التعاون البحري والتحالفات الهادفة إلى حماية الملاحة، خصوصاً مع ارتفاع التهديدات التي يمكن أن تؤثر في حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.
إيران:
تتعامل إيران مع باب المندب ضمن مقاربة أوسع تقوم على توظيف شبكة نفوذها الإقليمية، ويأتي دعم الحوثيين كأحد أهم أدواتها غير المباشرة في هذه المنطقة وتكمن القيمة الاستراتيجية لذلك في امتلاك ورقة ضغط بحرية موازية لمضيق هرمز؛ فإمكانية التأثير في باب المندب تمنح طهران قدرة إضافية على إرباك خصومها الإقليميين ورفع كلفة الوجود العسكري والاقتصادي للقوى المنافسة، فضلاً عن التأثير في حسابات أمن الملاحة الدولية.
ثانيا: استراتيجيات القوى الدولية
الولايات المتحدة الأمريكية:
تقوم الاستراتيجية الأمريكية في باب المندب على حماية حرية الملاحة الدولية ومنع أي طرف من تحويل المضيق إلى أداة لتعطيل حركة التجارة والطاقة ولهذا تعتمد واشنطن على الانتشار البحري والتحالفات العسكرية، ومن أبرزها عملية حارس الازدهار (Operation Prosperity Guardian)، بهدف حماية السفن وردع الهجمات، كما يرتبط هذا الحضور بهدف أوسع يتمثل في الحد من قدرة إيران والقوى المرتبطة بها على توسيع نفوذها البحري، مع مراقبة تنامي الحضور الصيني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
الصين:
تتعامل الصين مع باب المندب باعتباره جزءاً من شبكة الممرات البحرية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، ولذلك تركز استراتيجيتها على ضمان استمرارية التجارة وحماية سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها مصالحها الاقتصادية وتوفر القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي قدرة على دعم عمليات الإجلاء والحماية والإمداد البحري، بما يعكس انتقال بكين تدريجياً من الاعتماد على القوة الاقتصادية وحدها إلى بناء قدرة محدودة على حماية مصالحها البحرية خارج حدودها.
روسيا:
تسعى روسيا إلى توسيع حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي بما يمنحها موطئ قدم إضافياً على خطوط الملاحة الدولية، ولا تقوم مقاربتها أساساً على منافسة القوى الغربية بحجم انتشار مماثل، وإنما على توظيف علاقاتها مع بعض الأطراف الإقليمية واستثمار التنافس القائم بينها للحصول على فرص سياسية وعسكرية وبذلك يمثل باب المندب بالنسبة لموسكو جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز حضورها في المناطق البحرية ذات القيمة الجيوسياسية.
الدول الأوروبية (فرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي):
ترتبط المقاربة الأوروبية تجاه باب المندب بصورة مباشرة بحماية التجارة وأمن الطاقة واستقرار خطوط الملاحة المتجهة إلى أوروبا وتمتلك فرنسا ميزة جغرافية وعسكرية مهمة من خلال وجودها في جيبوتي، بينما تشارك بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي في الجهود البحرية لحماية السفن ومواجهة التهديدات التي تعرقل الملاحة ويعكس ذلك اعتماد أوروبا على الأمن البحري الجماعي أكثر من سعيها إلى بناء نفوذ منفرد في المضيق.
يتضح أن باب المندب يمثل ساحة تداخل بين المصالح الإقليمية والدولية، إذ تسعى القوى الإقليمية إلى تعزيز النفوذ والأمن، بينما تركز القوى الدولية على حماية الملاحة ومصالحها الاستراتيجية، ويؤدي هذا التداخل إلى جعل المضيق مجالاً للتنافس والضغط وإعادة تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر.
المحور الثالث: نقاط التقاطع والصراع
يشهد مضيق باب المندب تداخلاً معقداً في استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية، حيث لا تعمل هذه الاستراتيجيات بمعزل عن بعضها البعض، بل تتقاطع في بعض الأهداف وتتعارض في أخرى، مما يحول المضيق إلى ساحة تنافس جيوسياسي متعدد الأبعاد. فعلى الرغم من اتفاق معظم الأطراف ظاهرياً على أهمية الحفاظ على حرية الملاحة وضمان استقرار حركة التجارة العالمية، إلا أن هذا التوافق السطحي يخفي خلافات عميقة حول من يسيطر على المضيق وكيفية توظيفه سياسياً وأمنياً.
وتتمثل أبرز نقاط التقاطع في الرغبة المشتركة لدى الولايات المتحدة والدول الأوروبية والسعودية ومصر والصين في منع أي طرف من فرض سيطرة منفردة على الممر، لما لذلك من تداعيات مباشرة على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، غير أن هذا التقاطع يظل هشاً، إذ سرعان ما يتحول إلى تعارض حاد عندما يتعلق الأمر بنفوذ إيران عبر حلفائها الحوثيين، أو بتوسع الحضور الصيني العسكري في المنطقة.
ويبرز التعارض الأوضح بين المحور الإيراني-الحوثي من جهة، والمحور السعودي-الأمريكي-المصري من جهة أخرى، فبينما تسعى إيران إلى تحويل المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية موازية لمضيق هرمز، تهدف من خلالها إلى رفع كلفة أي مواجهة محتملة وتهديد مصالح خصومها، تعمل السعودية والولايات المتحدة على منع هذا التمدد بكل الوسائل المتاحة، وقد أدى هذا التعارض إلى عسكرة متزايدة للمنطقة، وتحول المضيق من مجرد ممر تجاري إلى نقطة تماس خطرة في الصراع الإقليمي الأوسع.
وفي هذا السياق، أصبح مضيق باب المندب ساحة نموذجية للتنافس غير المباشر أو ما يُعرف بـ"Proxy Competition" . ينظر الجدول رقم (1)
الجدول (1) أدوات التنافس غير المباشر في المضيق
| الطرف | الأداة الرئيسية | الهدف |
| إيران+ الحوثيون | المسيرات+ الصواريخ+ الزوارق المفخخة | رفع كلفة الملاحة والضغط السياسي |
| أمريكا وحلفاؤها | التحالفات البحرية + الضربات الجوية | تأمين الملاحة وردع الخصم |
| الصين | الوجود العسكري الناعم | حماية المصالح دون تصعيد مباشر |
إذ تتجنب القوى الكبرى المواجهة المباشرة فيما بينها، وتلجأ إلى أدوات ووكلاء محليين لتحقيق أهدافها ويُعد الدعم الإيراني لجماعة الحوثيين أبرز تجليات هذا التنافس، حيث توفر طهران الخبرات والتكنولوجيا العسكرية التي تمكن الجماعة من استهداف السفن في البحر الأحمر وباب المندب، في مقابل حرص الولايات المتحدة وحلفائها على بناء تحالفات بحرية وتنفيذ عمليات عسكرية محدودة لردع هذه التهديدات دون الانجرار إلى حرب شاملة.
ولا يمكن فهم هذه التفاعلات بمعزل عن تأثير الصراع اليمني الذي اندلع منذ عام 2015 فقد أعاد هذا الصراع ترتيب أولويات القوى المختلفة تجاه المضيق، وحوله من قضية هامشية نسبياً إلى أولوية استراتيجية، فقد استغلت جماعة الحوثيين سيطرتها على مناطق واسعة من الساحل الغربي والجزر القريبة لتعزيز قدرتها على تهديد الملاحة، مما دفع القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة صياغة استراتيجياتها بشكل أكثر عسكرة وأمنية.
ويلاحظ في السنوات الأخيرة تحول واضح من الطابع الاقتصادي والتجاري الذي كان يهيمن على التعامل مع المضيق، إلى توظيف عسكري وأمني مكثف فقبل اندلاع الأزمة اليمنية، كان التنافس يتركز في معظمه حول الفرص الاقتصادية والاستثمارات والموانئ، أما بعد ذلك، وخصوصاً منذ تصاعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر، فقد أصبحت الأدوات العسكرية هي المهيمنة، من صواريخ باليستية ومسيرات وزوارق مفخخة من جهة، إلى تحالفات بحرية وضربات جوية وقواعد عسكرية من جهة أخرى.
وتؤدي نقاط التقاطع والصراع هذه إلى حالة من عدم الاستقرار المزمن في المضيق، حيث يصبح أي تصعيد ميداني في اليمن أو أي توتر إقليمي قابلاً للانتقال بسرعة إلى الممر المائي، مما يهدد بارتفاع تكاليف الشحن العالمي ويؤثر على أسواق الطاقة، ومن ثم، فإن فهم هذه التقاطعات والتعارضات يُعد مدخلاً أساسياً لاستشراف مستقبل الأمن في باب المندب والبحر الأحمر على المدى المتوسط والبعيد.
الخاتمة:
سعت هذه الدراسة إلى تحليل استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية تجاه مضيق باب المندب، بوصفه أحد أبرز الممرات البحرية الحيوية في العالم، وأكثرها حساسية من الناحيتين الجيوسياسية والاقتصادية وقد أظهرت الدراسة أن المضيق لم يعد مجرد ممر تجاري يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، بل تحول إلى ساحة تنافس معقدة تتقاطع فيها المصالح وتتعارض فيها الأهداف بين مختلف الفاعلين.
وتبين من خلال التحليل أن القوى الإقليمية، وعلى رأسها السعودية ومصر والإمارات من جهة، وإيران عبر حلفائها الحوثيين من جهة أخرى، تنظر إلى المضيق بوصفه ورقة ضغط استراتيجية ترتبط ارتباطاً مباشراً بأمنها القومي ومصالحها الحيوية أما القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، فتتبنى استراتيجيات متباينة تجمع بين الحرص على حرية الملاحة وحماية المصالح التجارية من جانب، والسعي إلى تعزيز النفوذ الجيوسياسي من جانب آخر.
وقد كشفت الدراسة عن وجود تقاطعات محدودة بين هذه الاستراتيجيات، خاصة في رفض سيطرة طرف واحد على المضيق، إلا أن التعارضات تظل هي الطابع الغالب، لا سيما بين المحور الإيراني-الحوثي والمحور المقابل المدعوم غربياً وخليجياً كما أبرزت كيف أسهم الصراع اليمني في عسكرة المضيق وتحويله من مجال للتنافس الاقتصادي إلى مسرح للتنافس غير المباشر والتوظيف العسكري والأمني المكثف.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن مستقبل مضيق باب المندب سيظل مرهوناً بقدرة القوى المعنية على إدارة تناقضاتها، وتجنب الانزلاق نحو تصعيد شامل يهدد استقرار الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي ويبقى التنسيق الإقليمي والدولي الجاد، القائم على احترام سيادة الدول المطلة وضمان حرية الملاحة، هو الخيار الأمثل للحفاظ على هذا الممر الحيوي بعيداً عن دائرة الصراعات المفتوحة.



