التقاريرالأوراق التحليلية
أخر الأخبار

مكافحة واسعة أم إعادة ترتيب لموازين السلطة؟

مقدمة

شهد العراق فجر 28 حزيران/يونيو حملة أمنية واسعة بدأت من المنطقة الخضراء في بغداد، ثم امتدت إلى مواقع في بغداد وبابل وواسط وصلاح الدين ومحافظات أخرى، مستهدفة سياسيين ونواباً ومسؤولين ورجال أعمال وموظفين في مؤسسات حكومية على خلفية ملفات فساد.

ترتبط الحملة بالتحقيقات الجارية مع وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، وبالإفادات والوثائق التي وسعت دائرة التحقيق وقادت إلى إصدار مذكرات قبض بحق شخصيات يشتبه بارتباطها بشبكات فساد في العقود والمشروعات الحكومية.

وأكدت هيئة النزاهة الاتحادية مباشرة تنفيذ مذكرات قبض قضائية بحق متهمين بالتجاوز على المال العام، مشيرة إلى أن العملية جاءت نتيجة تنسيق بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية والهيئة، كما نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية عن مصدر رفيع أن الاعتقالات نُفذت بناءً على اعترافات الجميلي.

ونُفذت العملية، وفق مصادر أمنية، بإشراف مباشر من رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، وبمشاركة جهاز مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة المعنية بأمن المنطقة الخضراء، إلى جانب تشكيلات من الجيش وقوات أمنية أخرى.

وشملت الإجراءات إغلاق عدد من مداخل المنطقة الخضراء، ونشر قوات وآليات عسكرية، وتنفيذ مداهمات متزامنة، وتشديد التفتيش في محيط مطار بغداد، كما دخلت قوة أمنية مقر شركة نفط الوسط شمالي بغداد، وسط معلومات عن توقيف مسؤولين وموظفين بشبهات فساد وهدر للمال العام.

الأسماء التي شملتها الاعتقالات

بحسب مصادر رفيعة نقلت عنها وكالة الأنباء العراقية «واع»، شملت الاعتقالات كلاً من:

  • مثنى السامرائي، رئيس تحالف العزم وعضو مجلس النواب.
  • زياد الجنابي، عضو مجلس النواب.
  • بهاء النوري، عضو مجلس النواب.
  • محمد الكربولي، عضو مجلس النواب.
  • عالية نصيف، عضو مجلس النواب.
  • محمد جميل المياحي، عضو مجلس النواب.
  • حسن الخفاجي، عضو مجلس النواب.
  • عبد الرحمن اللويزي، عضو مجلس النواب.
  • مضر الكروي، عضو مجلس النواب.
  • هند العباسي، عضو مجلس النواب.
  • محمد فرمان الجبوري، عضو مجلس النواب.
  • بشرى القيسي، عضو مجلس النواب.
  • محمد الصيهود، عضو سابق في مجلس النواب.
  • علي معارج، وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع.
  • إبراهيم الصميدعي.

وتشير المعطيات إلى أن القائمة ليست نهائية، مع استمرار العمليات ووجود شخصيات أخرى خاضعة للملاحقة أو التحقيق. كما تحدث مصدر في هيئة النزاهة عن اعتقال سبعة نواب على الأقل، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أعداد أعلى من المسؤولين والسياسيين ورجال الأعمال المشمولين بالحملة.

ولا يعني إعلان الاعتقال ثبوت الإدانة؛ إذ يبقى تحديد المسؤولية والاتهامات النهائية من اختصاص القضاء.

مستوى الترابط والعلاقة بين الشخصيات المتداولة

لا تنتمي الشخصيات المعتقلة إلى محور حزبي واحد، بل تتوزع على مستويات سياسية ونيابية وإدارية مختلفة، وهو ما يجعل الحملة أوسع من استهداف كتلة محددة.

يظهر المستوى الأول في القيادات والدوائر المرتبطة بتحالف العزم، وفي مقدمتها مثنى السامرائي ومحمد الكربولي وهند العباسي، بما يكشف عن استهداف دائرة سياسية مترابطة تنظيمياً.

أما المستوى الثاني، فيضم نواباً وشخصيات محسوبة على قوى وبيئات سياسية متعددة، بينها شخصيات ارتبطت بائتلاف الإعمار والتنمية والحكومة السابقة، مثل عالية نصيف ومحمد الصيهود وبهاء النوري وحسن الخفاجي، إلى جانب نواب من دوائر وتحالفات أخرى.

ويتصل المستوى الثالث بالمسار التنفيذي والإداري لقطاع النفط، ويبرز فيه عدنان الجميلي وعلي معارج، إلى جانب مسؤولين وموظفين ووسطاء ورجال أعمال يشتبه بارتباطهم بالعقود والتحويلات ومسارات الأموال.

وتشير هذه الخريطة إلى أن الرابط المحتمل بين المعتقلين لا يقوم على الانتماء الحزبي المباشر، بل على تداخل المصالح بين القرار السياسي والرقابة النيابية والإدارة التنفيذية والعقود والتمويل والوساطة.

وبذلك تبدو الحملة، في مرحلتها الحالية، عابرة لعدة كتل، لكنها لا تثبت أن جميع المعتقلين يعملون ضمن شبكة واحدة أو يواجهون التهم نفسها؛ فقد تكون الاعترافات فتحت عدداً من الملفات المتوازية التي تتقاطع عند شخصيات ووسطاء وعقود مختلفة.

من ملف الجميلي إلى شبكة أوسع

بدأت القضية باعتقال عدنان الجميلي والتحقيق معه في أموال وعقود ومشروعات نفطية، قبل أن تنتقل من مسؤول واحد إلى شبكة تضم نواباً ومسؤولين تنفيذيين ورجال أعمال ووسطاء وموظفين داخل شركات الدولة.

ونُفذت المذكرات بصورة متزامنة للحد من احتمالات الهرب أو إتلاف الأدلة أو نقل الأموال. وتشير المعلومات إلى أن بعض المطلوبين غادروا مواقعهم قبل وصول القوات، ما يرجح أن تكون قائمة الملاحقين أوسع من حصيلة الاعتقالات المعلنة.

كما أن انتقال العمليات إلى شركة نفط الوسط ومحافظات متعددة يشير إلى أن التحقيق لا يستهدف الواجهة السياسية فقط، بل يمتد إلى البنية الإدارية والاقتصادية المرتبطة بالعقود ومسارات الأموال.

دلالة استخدام جهاز مكافحة الإرهاب

استخدام جهاز مكافحة الإرهاب في قضية فساد يعكس حساسية الأهداف وطبيعة المواقع المستهدفة، فضلاً عن كونه من أكثر الأجهزة مهنية وأقلها تأثراً بالنفوذين السياسي والإقليمي، ولا سيما أن بعض المطلوبين يقيمون داخل المنطقة الخضراء أو يمتلكون حمايات ونفوذاً أمنياً وسياسياً.

ويحمل اختيار الجهاز رسالة بأن الحكومة أرادت تنفيذ المذكرات بقوة مركزية ترتبط مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة، وتقليل احتمالات تعطيل العملية أو اختراقها.

لكن تكرار استخدام الجهاز في ملفات سياسية انتقائية قد يعرّضه للتسييس، ويجعل مشروعية دوره مرتبطة بسلامة المذكرات واتساع الملاحقات بين مختلف القوى.

كما تداولت وسائل إعلام تصريحاً منسوباً إلى مسؤول أمني عراقي بأن العملية نُفذت بالتنسيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، من دون صدور تأكيد رسمي عراقي أو أميركي. وإذا صح ذلك، فمن المرجح أن يكون التنسيق متعلقاً بتبادل المعلومات وتتبع التحويلات والحسابات والشركات والأصول خارج العراق، لا بالمشاركة الميدانية في الاعتقالات.

مجلس الزيدي وسجل الحكومات السابقة

الحكومةالتشكيل الأبرز
حكومة نوري المالكيالمجلس المشترك أو التنسيقي لمكافحة الفساد
حكومة حيدر العباديالمجلس الأعلى لمكافحة الفساد
حكومة عادل عبد المهديإعادة تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد
حكومة مصطفى الكاظميلجنة الأمر الديواني 29، المعروفة بلجنة أبو رغيف
حكومة محمد شياعالهيئة العليا لمكافحة الفساد وفريق الإسناد
حكومة علي فالح الزيديالمجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام

سبق الحملة تشكيل «المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام»، بهدف تنسيق جهود الأجهزة الرقابية، ومراجعة العقود الكبرى، واسترداد الأموال وإحالة الملفات إلى القضاء.

لكن إنشاء مجالس لمكافحة الفساد ليس جديداً في العراق؛ فقد أنشأت الحكومات المتعاقبة تشكيلات مشابهة:

الجديد في خطوة الزيدي ليس تشكيل مجلس آخر، بل الانتقال السريع من الإعلان عنه إلى حملة أمنية داخل المنطقة الخضراء والمحافظات ومؤسسات الدولة.

غير أن تجارب الحكومات السابقة تظهر أن قوة البداية لا تكفي؛ إذ انتهت لجان كثيرة بسبب الانتقائية والحماية الحزبية وتداخل الصلاحيات، أو توقفت قبل الوصول إلى أحكام واسترداد فعلي للأموال.

إعادة ترتيب مراكز القوة

تتجاوز الحملة ملاحقة الفساد إلى إعادة توزيع النفوذ داخل النظام السياسي، فهي تمنح الزيدي أداة ضغط على الكتل المشاركة في تشكيل حكومته، خصوصاً مع بقاء تسع وزارات غير محسومة، وتحدّ من قدرة بعض القوى على فرض مرشحيها أو حماية شبكاتها المالية.

كما تعزز موقع فائق زيدان، لأن اتساع الحملة يمر عبر القضاء في مذكرات القبض ورفع الحصانات وحجز الأموال، وسيكشف اتجاه المذكرات ما إذا كانت العملية عابرة للكتل أم موجهة لإضعاف محور سياسي محدد.

وفي الساحة السنية، قد يستفيد محمد الحلبوسي إذا طالت الحملة منافسيه، فيما تتحول إلى أداة ضغط عليه إذا امتدت إلى دوائر قريبة منه، وبذلك قد تعيد العملية تشكيل مراكز القوة بين رئاسة الوزراء والقضاء ورئاسة البرلمان.

التوقيت الإقليمي

تزامنت العملية مع وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد، وبعد تعيين توم باراك مبعوثاً رئاسياً أميركياً خاصاً إلى العراق وسوريا وبدء اتصالاته مع القيادة العراقية، ومن بينها لقاء فائق زيدان.

ولا توجد أدلة تثبت أن زيارة عراقجي أو تحركات باراك كانت سبباً مباشراً للحملة، لكن التوقيت يجعلها جزءاً من بيئة إقليمية حساسة.

ستراقب إيران ما إذا كانت الملاحقات ستطال حلفاءها أو تمهد لتقليص نفوذ القوى القريبة منها، فيما ستراقب واشنطن مدى انتقال الحملة من اعتقالات محدودة إلى ضبط لشبكات المال والسلاح والنفوذ غير الرسمي.

وتحاول حكومة الزيدي في المقابل تقديم نفسها بوصفها صاحبة القرار الداخلي، لا جزءاً من مشروع أميركي أو إيراني لإعادة ترتيب العراق.

الأزمة الاقتصادية واسترداد الأموال

تأتي الحملة في ظل أزمة مالية مرتبطة بالحرب الإيرانية–الأميركية واضطراب صادرات النفط عبر مضيق هرمز، في وقت يعتمد فيه العراق بدرجة كبيرة على العائدات النفطية.

ويمنح ذلك ملف استرداد الأموال أهمية إضافية، خصوصاً في ما يتعلق بالعقود المتضخمة، والأصول والعقارات، والتحويلات الخارجية، والهدر داخل الوزارات وشركات الدولة.

لكن الأموال المستردة، مهما بلغ حجمها، لن تعوض خسائر تراجع صادرات النفط، وتكمن القيمة الاقتصادية الأهم للحملة في وقف النزيف المستمر داخل العقود والمؤسسات، وليس في الأموال التي قد تضبط في منازل أو حسابات منفردة فقط.

كما تمنح الأزمة الحكومة مبرراً سياسياً وشعبياً للتحرك ضد شبكات لم تعد الدولة قادرة على تمويلها بالمستويات السابقة.

التداعيات

سياسياً، قد تعيد الحملة تشكيل موازين القوى داخل البرلمان والتحالفات، وتمنح الزيدي مساحة أوسع في استكمال حكومته والتعامل مع الكتل من موقع أقوى.

قضائياً، ستتوقف شرعيتها على سلامة المذكرات ورفع الحصانات وعرض الموقوفين على القضاء، ثم انتقال الملفات إلى المحاكمات والأحكام، لا بقائها ضمن التحقيق والتسريبات.

أمنياً، يمنح استخدام جهاز مكافحة الإرهاب العملية قدرة تنفيذية عالية، لكنه يثير مخاطر تسييس الجهاز إذا اقتصرت الملاحقات على خصوم محددين.

إقليمياً، ستقيس إيران وواشنطن اتجاه الحملة وفق هوية المستهدفين وامتدادها إلى شبكات السلاح والمال والنفوذ.

شعبياً، ستحظى الحملة بتأييد أولي، لكن معيار نجاحها سيكون عدد الأحكام وحجم الأموال المستردة، لا حجم الانتشار العسكري أو مدة إغلاق المنطقة الخضراء.

السيناريو الأرجح:

الاحتمال الأرجح أن الحملة تستند إلى ملفات فساد فعلية، لكنها ستبقى محكومة بسقف سياسي يمنعها، في مرحلتها الأولى، من التحول إلى مواجهة شاملة مع جميع شبكات النفوذ.

ويمكن أن تتجه إلى واحد من مسارين:

  • الاستمرار بصورة عابرة للكتل، مع حجز أموال ومحاكمات واسترداد أصول.
  • أو التحول إلى أداة ضغط تنتهي بتسويات وإعادة أموال وتنازلات سياسية من دون تفكيك كامل للشبكات.

وسيتضح الاتجاه من خلال استمرار العمليات، وهوية الشخصيات المقبلة، وصدور أوامر منع سفر وحجز أموال، ونتائج مداهمة شركة نفط الوسط، وحقيقة ما تردد بشأن زياد علي فاضل، وما إذا كانت الحملة ستتوقف بعد حسم الوزارات التسع.

التقدير النهائي

تمثل حملة الفجر تطوراً نوعياً من حيث مكان التنفيذ والقوة المستخدمة واتساع العمليات إلى المحافظات ومؤسسات الدولة.

وهي تجمع، على الأرجح، بين قضية فساد حقيقية، ومحاولة لتعزيز سلطة رئيس الوزراء والقضاء، وإعادة ترتيب محتملة لموازين القوى داخل البرلمان والتحالفات.

فإذا استمرت الملاحقات وشملت قوى مختلفة، وأنتجت محاكمات وأحكاماً وأموالاً مستردة، فقد تؤسس لمرحلة تقل فيها قدرة الحماية السياسية على تعطيل القضاء.

أما إذا توقفت عند اعتقالات محدودة وتسويات وحسم للوزارات، فستكون حلقة أخرى في تاريخ طويل من حملات مكافحة الفساد التي بدأت بقوة ثم استوعبتها منظومة المحاصصة.

مؤمن الزرزور

صحفي مختص في الصحافة الرقمية وتحليل البيانات، وأعمل مديرًا لقسم المعلومات والبيانات في مركز العراق للدراسات الاستشرافية (ICFS). حاصل على شهادة البكلوريوس في الإعلام الجديد من جامعة بيكنت – إسطنبول، وشهادة في العلاقات العامة في كلية الإعلام بجامعة بغداد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى