
ماذا بعد 30 أيلول؟ من يملك السلاح والقرار في العراق؟
منذ تشكيل حكومة علي فالح الزيدي، جرى التعامل مع 30 أيلول/سبتمبر 2026 باعتباره موعداً تتقاطع عنده قضيتان تعدان من أكثر ملفات الدولة العراقية حساسية: انتهاء المرحلة المتبقية من مهمة التحالف الدولي، والمضي في حصر السلاح بيد الدولة.
ففي 21 آب/أغسطس، قال رئيس الوزراء علي الزيدي إن الحكومة تمضي في حصر السلاح، وإن بعض الفصائل سلّمت سلاحها وفكّت ارتباطها، وإن الحكومة لا تتجه إلى صدام عسكري مع الرافضين بل إلى الحوار ووضع آليات للتنفيذ. وبعدها بيومين، أوضح مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي أن 30 أيلول لا يمثل نهاية مهلة تسليم السلاح، وإنما نقطة شروع في التنفيذ التدريجي بعد خروج التحالف.
الأرجح أن العراق لن يستيقظ في الأول من تشرين الأول/أكتوبر على مشهد تكون فيه كل الفصائل قد اختفت أو سُلّم كل سلاحها، ولن يكون 30 أيلول «ساعة صفر» لعملية عسكرية شاملة. ما يتشكل، حتى الآن، هو انتقال من مهلة سياسية إلى عملية تفاوض وإعادة هيكلة واختبار تدريجي لسلطة الدولة.
30 أيلول لا يعني ببساطة «خروج الأميركيين»
الأرجح أن العراق لن يستيقظ في الأول من تشرين الأول/أكتوبر على مشهد تكون فيه كل الفصائل قد اختفت أو سُلّم كل سلاحها، ولن يكون 30 أيلول «ساعة صفر» لعملية عسكرية شاملة. ما يتشكل، حتى الآن، هو انتقال من مهلة سياسية إلى عملية تفاوض وإعادة هيكلة واختبار تدريجي لسلطة الدولة.
أيلول لا يعني ببساطة «خروج الأميركيين»
الاتفاق العراقي–الأميركي المعلن في 27 أيلول/سبتمبر 2024 وضع العملية على مرحلتين. انتهت المهمة العسكرية للتحالف داخل العراق بنهاية أيلول/سبتمبر 2025، بينما استمرت مرحلة ثانية تسمح بدعم عمليات مكافحة تنظيم الدولة في سوريا انطلاقاً من العراق حتى أيلول/سبتمبر 2026، وفق الظروف والمشاورات بين الأطراف.
وفي تموز/يوليو 2026، أعادت الولايات المتحدة والحكومة العراقية تأكيد أن هذه المهمة المتبقية ستنتهي في 30 أيلول/سبتمبر 2026.
لكن الاتفاق نفسه ينص على الانتقال إلى شراكات أمنية ثنائية، كما تحدثت الوثائق العراقية والأميركية عن التعاون في التدريب والاتصال وبناء القدرات والبرامج الأمنية التقليدية. وبالتالي فإن انتهاء عملية التحالف لا يعني بالضرورة انقطاع العلاقات العسكرية والأمنية العراقية–الأميركية، وإنما تغيير الصيغة القانونية والسياسية التي تعمل من خلالها.
الدولة لا تتجه إلى «حل الحشد الشعبي»
الحشد الشعبي مؤسسة أمنية رسمية، ولا تطرح الحكومة أو الإطار التنسيقي إلغاءه، بل إعادة تنظيمه بالتوازي مع حصر السلاح والقرار العسكري بيد الدولة.
وتكمن الإشكالية في أن بعض الفصائل المرتبطة بألوية داخل الحشد تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات وثيقة مع إيران وهياكل وقرارات تتجاوز الإطار الرسمي. وقد برز ذلك خلال الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، مع انخراط فصائل عراقية في تداعيات الصراع واتهام جماعات موالية لإيران بتنفيذ أو التخطيط لهجمات ضد دول الجوار.
لذلك لم يعد حصر السلاح يتعلق بعدد الأسلحة فقط، بل بالسؤال الأهم: من يملك قرار الحرب والسلم؟ فالمسار الحكومي يستهدف إخضاع القيادة والسلاح والمقرات والانتشار والتمويل بالكامل لمؤسسات الدولة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حل الحشد أو تسريح منتسبيه.
ثلاثة مسارات فصائلية تجاه حصر السلاح
تقسيم الفصائل إلى «مؤيدة» و«رافضة» فقط لا يعكس تعقيد المشهد. والأدق تصنيفها إلى ثلاثة مسارات: منخرطة، مشروطة أو تفاوضية، ورافضة.
حتى 24 آب، يظهر المشهد في ثلاثة مسارات: فصائل بدأت إجراءات التسليم والاندماج، وأخرى تفاوض على شكل الحصر وآلياته، وثالثة ما تزال ترفض التخلي عن «سلاح المقاومة». وتؤكد الحكومة في خطابها الأخير أن الخلاف مع بعض الأطراف بات يدور بصورة متزايدة حول آليات التنفيذ وشكل الاندماج، لا حول مبدأ سلطة الدولة وحده.
بدر: المنطقة الرمادية الأبرز
يحتاج موقف منظمة بدر إلى معالجة مستقلة، إذ لا يشبه موقف كتائب حزب الله الرافض، ولا مسار عصائب أهل الحق المنخرط في الحصر. ويؤكد هادي العامري أن الملف «عراقي» ويدعو إلى التهدئة والحوار ورفض التدخلات الخارجية في تحديد مساره.
وفي الوقت نفسه، يتولى العامري إلى جانب عمار الحكيم دوراً في لجنة الإطار للحوار مع الفصائل الرافضة، بهدف التوصل إلى آليات للحصر وتخفيف التصعيد، بحسب مصادر مطلعة.
وبذلك، لا تقف بدر في معسكر التسليم السريع، لكنها في الوقت نفسه لا تتبنى مسار المواجهة مع الحكومة.
الإطار التنسيقي: اتفاق على العنوان وخلاف على الطريقة
فوّض الإطار التنسيقي رئيس الوزراء باتخاذ الإجراءات اللازمة لحصر السلاح بيد الدولة للتحرك في ملف حصر السلاح. لكن ذلك لا يعني أن قادة الإطار متفقون على كيفية التنفيذ أو على تعريف السلاح الذي يجب إخضاعه للدولة.
والخريطة الحالية لأبرز الشخصيات تبدو على النحو الآتي:
المالكي أعلن في 18 آب تشكيل لجنة بالتنسيق مع الحكومة لإيجاد «الآليات المناسبة» لتنفيذ الحصر. والحكيم وصف الحصر بأنه مطلب دستوري وقانوني، لكنه ربط حل الإشكالات بالحوار. أما العبادي فدعا صراحة إلى الحصر بعيداً عن القوة.
الفياض يقدم صيغة مهمة لفهم المسار المتوقع؛ فهو يقول إن السلاح سيكون بيد الدولة «في نهاية المطاف»، لكنه يرى أن معالجة الملف عسكرياً لا تخدم الاستقرار.
وهمام حمودي يستخدم تقريباً المفهوم نفسه ولكن تحت عنوان «الانتقال التدريجي».
ماذا يعني «التسليم» عملياً؟
لا يكفي قياس حصر السلاح بعدد القطع التي تُسلّم للدولة؛ فجوهر العملية يتعلق أيضاً بوحدة القيادة، وخضوع الأفراد والمقرات والانتشار للمؤسسات الرسمية، وإنهاء أي ارتباط حزبي أو فصائلي يسمح بوجود قرار عسكري مستقل.
لذلك، فإن نجاح الحصر لا يُقاس بالتسليم وحده، بل بمدى انتقال القرار والسلاح والإدارة والمواقع فعلياً إلى سلطة الدولة.
المسار المحتمل لتنفيذ حصر السلاح
من مجمل الخطاب الحكومي والإجراءات التي ظهرت منذ حزيران، يمكن رسم مسار التنفيذ المتوقع على النحو الآتي:
واللافت أن الحكومة بدأت بالفعل من الحلقة الأسهل: المقرات غير القانونية والواجهات التنظيمية.
في 10 آب أعلنت وزارة الداخلية إغلاق 71 مقراً وهمياً منسوباً إلى الحشد الشعبي، فيما أكدت هيئة الحشد أن تلك المقرات لا ترتبط بها وأن عملية الإغلاق نُفذت بالتعاون مع أمن الحشد ضمن اللجنة الدائمة لحصر السلاح.
وتشير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة حتى الآن إلى أن المسار قد يبدأ بتوسيع الأدوات الإدارية والقانونية والمؤسساتية، قبل الانتقال إلى الملفات والمناطق الأكثر حساسية
مناطق اختبار سلطة الدولة
لا يقتصر اختبار حصر السلاح على الفصائل نفسها، بل يمتد إلى مناطق ارتبطت خلال السنوات الماضية بنفوذ تشكيلات مسلحة وبقدرة متفاوتة لمؤسسات الدولة على الوصول إليها أو تنفيذ قراراتها.
تأتي جرف الصخر/جرف النصر في مقدمة هذه المناطق مع النفوذ المعروف لكتائب حزب الله، إلى جانب جرف النداف المرتبط بنفوذ حركة النجباء، وأجزاء من جنوب بغداد، وسهل نينوى حيث ينتشر اللواء 30، فضلاً عن مناطق في غرب الأنبار تشهد حضوراً لفصائل مقربة من إيران.
وتزداد حساسية هذه المناطق مع ورود تقارير واتهامات أمنية، خلال سنوات مختلفة، عن استخدامها كمراكز لوجستية أو مواقع لتخزين السلاح والطائرات المسيّرة، ووجود تشكيلات فيها ترتبط سياسياً أو تنظيمياً بالحرس الثوري الإيراني. وتوثق مصادر أميركية رسمية، بصورة أوسع، استمرار علاقات التسليح والدعم بين الحرس الثوري وعدد من الفصائل العراقية، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، فيما تحدثت تقارير حديثة عن نشاط مباشر لخلايا مرتبطة بالحرس الثوري داخل العراق.
لكن هذه المعطيات لا تعني ثبوت وجود مصانع أو مخازن عسكرية في كل منطقة على حدة. لذلك يبقى المعيار الأهم لما بعد 30 أيلول هو: هل تستطيع الدولة الدخول إلى هذه المناطق، ومراقبة المقرات والموجودات، وضبط حركة السلاح، وإنهاء أي ارتباط عسكري يعمل خارج التسلسل الرسمي العراقي؟
بين واشنطن وطهران: من يحدد شكل ما بعد 30 أيلول؟
يقع ملف حصر السلاح في العراق عند تقاطع رؤيتين إقليميتين مختلفتين. تدفع واشنطن باتجاه إنهاء استقلال الفصائل المسلحة عن مؤسسات الدولة، فيما تبدو طهران أكثر حذراً تجاه تفكيك البنية العسكرية لحلفائها العراقيين، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة والتغيرات التي أصابت موازين القوى في المنطقة.
ظهر الموقف الأميركي بوضوح خلال زيارة المبعوث توم باراك إلى بغداد في حزيران/يونيو، حين ارتبط تطوير الشراكة مع العراق باستكمال حصر السلاح وتفكيك التشكيلات الواقعة خارج سلطة الدولة. كما نقل مصدر حكومي عراقي أن واشنطن طالبت بغداد بجدول زمني واضح للملف. وبذلك لا تنظر الولايات المتحدة إلى القضية باعتبارها تسليم أسلحة فقط، بل باعتبارها جزءاً من إعادة بناء العلاقة مع العراق على قاعدة أن تكون الحكومة وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري.
في المقابل، جاءت زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد في آب/أغسطس وسط تصاعد الخلاف بين الحكومة والفصائل الرافضة. وأكدت عدة مصادر أنه ناقش حصر السلاح مع قيادات في الإطار التنسيقي والحشد والفصائل. أما مضمون رسالته، فبقي منقولاً عن مصادر غير رسمية؛ إذ تحدثت تقارير عن دعوته إلى عدم تسليم السلاح في المرحلة الحالية، بالتوازي مع التشديد على تجنب الصدام مع القوات العراقية والبحث عن تسوية سياسية. لذلك لا يمكن تقديم «رفض إيران للتسليم» كموقف رسمي معلن، لكنه يعكس جانباً من النقاش الدائر داخل القوى المقربة من طهران.
وجاءت زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بعد أيام لتضيف مستوى سياسياً إلى المشهد. فلم تضع الأجندة الإيرانية المعلنة حصر السلاح في مقدمة الزيارة، لكن الملف كان حاضراً في بغداد؛ إذ أكد الجانب العراقي خلال لقاءاته أن الحكومة ماضية في حصر السلاح، وأن الدستور لا يسمح بوجود جماعات مسلحة تهدد أمن دول الجوار.
بين مبررين متعاكسين
هذا التجاذب ينعكس مباشرة على مواقف الفصائل. فالقوى المؤيدة للتسليم تستند إلى انتهاء مهمة التحالف في 30 أيلول، وانتفاء جزء كبير من مبررات وجود سلاح يعمل خارج القيادة الحكومية، مع إمكانية الحفاظ على المنتسبين داخل المؤسسات الرسمية.
أما الفصائل الرافضة فتنطلق من قراءة مختلفة؛ إذ تربط استمرار ما تسميه «سلاح المقاومة» ببقاء التهديدات الخارجية واحتمالات تجدد الحرب الإقليمية، وترى أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء الوجود أو النفوذ الأمني الأميركي. وهذه الحجة أصبحت أكثر حضوراً بعد الحرب الأخيرة، وهي أيضاً الخلفية التي ربطت بها مصادر عراقية الرسائل المنسوبة إلى قاآني.
ويضع ذلك الحكومة والقوى الأمنية أمام معادلة دقيقة: عليها إثبات أن حصر السلاح قرار عراقي وليس استجابة لإملاء أميركي، وفي الوقت نفسه منع تحول النفوذ الإيراني أو العلاقات التنظيمية للفصائل إلى قيد على قدرة الدولة في تنفيذ قراراتها.
ولهذا يصبح 30 أيلول اختباراً مزدوجاً: بالنسبة إلى واشنطن، اختبار لقدرة بغداد على تحويل التعهدات إلى سيطرة فعلية للدولة؛ وبالنسبة إلى الفصائل الرافضة، اختبار لما إذا كان انتهاء مهمة التحالف يكفي فعلاً لإنهاء مبررات الاحتفاظ بالسلاح.
أما بالنسبة إلى الدولة العراقية، فالسؤال أكبر من الطرفين: هل تستطيع تحويل انتهاء مهمة التحالف إلى فرصة لتوحيد القرار الأمني، من دون أن يتحول العراق إلى ساحة مواجهة جديدة بين متطلبات واشنطن ومصالح طهران؟
وتساعد هذه المعادلة في تفسير انتقال خطاب الحكومة من التعامل مع 30 أيلول بوصفه موعداً حاسماً إلى الحديث عن حوار ومسار تدريجي، مع تأكيد رئيس الوزراء أن الحكومة لا تريد صداماً عسكرياً مع الفصائل.
ما المتوقع فعلياً بعد 30 أيلول؟
لا تشير المعطيات الحالية إلى أن 30 أيلول سيكون نهاية فورية لملف السلاح، بل بداية مرحلة انتقال من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ التدريجي، بعد انتهاء المهمة المتبقية للتحالف الدولي.
المسار الأكثر احتمالاً هو أن تبدأ الدولة بتوسيع الإجراءات الإدارية والقانونية: تنظيم المقرات، توحيد السجلات، إعادة ترتيب أوضاع المنتسبين، وإخضاع السلاح والقيادة للتسلسل الرسمي، بالتوازي مع استمرار التفاوض مع الفصائل الرافضة.
وكلما زاد عدد الفصائل التي تدخل في التسوية، ستتحول الأزمة من ملف عام يتعلق بـ«الفصائل المسلحة» إلى مشكلة أكثر تركيزاً مع عدد محدود من التنظيمات التي ترفض التخلي عن استقلالها العسكري.
أما الاختبار الأهم فلن يكون عدد قطع السلاح المسلّمة، بل قدرة الدولة على ممارسة صلاحياتها في المناطق والمقرات التي يوجد فيها نفوذ فصائلي، وفرض قرار عسكري واحد.
وعليه، فإن نجاح ما بعد 30 أيلول سيُقاس بأربعة أسئلة: من يصدر الأمر العسكري؟ من يسيطر على السلاح؟ هل انتهى الارتباط الحزبي المسلح؟ وهل تستطيع الدولة تنفيذ قراراتها في جميع المناطق؟
إذا انتقلت القيادة والسلاح والمقرات والقرار إلى المؤسسات الرسمية، يمكن الحديث عن حصر فعلي. أما إذا تغيرت الأسماء فقط، فسيبقى الحصر شكلياً.



