
الملخص التنفيذي
تشكل الاعتقالات الأخيرة التي طالت شخصيات سياسية وبرلمانية وإدارية تطوراً نوعياً في المشهد السياسي العراقي، ليس بسبب حجم ملفات الفساد أو عدد الشخصيات المشمولة بالإجراءات فحسب، بل بسبب انتقال أدوات الدولة للمرة الأولى منذ عام 2003 إلى مستويات كانت تعد محصنة نسبياً بفعل الحصانة البرلمانية أو الثقل الانتخابي أو النفوذ المؤسساتي.
وتأتي هذه التطورات في لحظة تتقاطع فيها مجموعة من الضغوط الاستراتيجية التي تواجه الدولة العراقية، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية الناتجة عن هشاشة النموذج الريعي المعتمد على النفط، والاضطرابات الإقليمية التي هددت تدفقات الطاقة عبر الخليج، إلى جانب الضغوط الأميركية المتزايدة لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة وشبكات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، فضلاً عن ارتفاع مستوى التنسيق بين عدد من مراكز القرار الرسمية مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بتعدد مراكز التعطيل وتوازن النفوذ بين القوى السياسية المختلفة.
وعليه، فإن الاعتقالات الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد حملة تقليدية لمكافحة الفساد، كما لا يمكن اختزالها في إطار تصفية سياسية أو صراع بين القوى المتنافسة، بل تبدو أقرب إلى كونها جزءاً من عملية أوسع لإعادة تنظيم المجال السياسي العراقي وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والموارد والنخب السياسية في ظل بيئة إقليمية ودولية مختلفة جذرياً عن المراحل السابقة.
أولاً: مدخل الحدث وتحوله النوعي
تعود جذور القضية إلى التحقيقات المرتبطة بعدنان الجميلي، وكيل وزير النفط السابق لشؤون التصفية ورئيس شركة نفط الشمال، وما تفرع عنها من اعترافات أو معلومات قادت إلى توسيع دائرة الاتهامات لتشمل شخصيات سياسية ونيابية وإدارية، الأمر الذي نقل الملف من كونه قضية فساد إداري أو مالي تقليدية إلى ملف يتعلق بالبنية الأوسع لشبكات النفوذ والوساطة والتمويل السياسي داخل الدولة.
تكمن أهمية هذا التحول في أن الدولة العراقية اعتادت خلال العقدين الماضيين على ملاحقة موظفين ومدراء عامين وشخصيات تنفيذية، بينما بقيت النخب السياسية العليا بعيدة نسبياً عن الإجراءات التنفيذية المباشرة بفعل الحصانات السياسية والمؤسساتية وتوازنات القوى داخل النظام.
وبالتالي فإن الحدث يمثل سابقة مختلفة لأنه يختبر للمرة الأولى قدرة الدولة على اختراق الطبقة السياسية نفسها وليس فقط الدوائر الإدارية المرتبطة بها.
ثانياً: الإطار القانوني والدستوري
أثارت الإجراءات الأخيرة تساؤلات قانونية ودستورية تتعلق بظروف إصدار أوامر القبض وآليات تنفيذها، ولا سيما في ما يتعلق بالشخصيات التي تتمتع بحصانة برلمانية أو موقع سياسي مؤثر.
ويمنح الدستور العراقي صلاحيات محددة للتعامل مع حصانة النواب أثناء العطلة التشريعية للمجلس، إذ يمنح رئيس المجلس أو نائبه (في حال غياب الرئيس) صلاحية رفع الحصانة خارج مدة الفصل التشريعي حالات معينة تتعلق بالاتهام بجناية أو التلبس بها، دون الحاجة الى تصويت أعضاء المجلس على رفع الحصانة، بحسب المادة (63/ثانياً/ ج( من الدستور، وهو ما يفتح باب النقاش حول الإجراءات التي اتبعت والجهات التي مارست صلاحيات الموافقة القانونية، رغم اعلان رئاسة المجلس لتنسيقها وموافقتها على رفع الحصانة بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى في بيانها.
كما يثير الحدث تساؤلات إضافية تتعلق بدرجة السرية التي أحاطت بالإجراءات، والتوازن المطلوب بين سرية التحقيقات وضمانات الشفافية الدستورية، فضلاً عن حدود صلاحيات رئاسة مجلس النواب أو من ينوب عنها في مثل هذه الحالات.
ومن المرجح أن يتحول هذا الجانب إلى أحد أهم محاور الجدل القانوني والسياسي خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر الطعون أو عبر السجال البرلماني والسياسي.
ثالثاً: دلالة التوقيت واختلاف هذه الحملة عن سابقاتها
شهد العراق منذ عام 2003 عدداً كبيراً من حملات مكافحة الفساد واللجان الحكومية والهيئات الخاصة، إلا أن معظم تلك الحملات انتهى إلى نتائج محدودة أو بقي ضمن مستويات إدارية وتنفيذية منخفضة نسبياً رغم ضخامة الأموال والأضرار المرتبطة بها.
الجديد في التطورات الحالية لا يتمثل في حجم ملفات الفساد، بل في طبيعة الشخصيات المستهدفة، إذ وصلت الإجراءات إلى نواب يتمتعون بحصانة دستورية، وشخصيات قريبة من مراكز الحكم، ورؤساء كتل تمتلك وزناً انتخابياً وبرلمانياً مؤثراً.
وهنا يبرز السؤال المركزي، ما الذي تغير في ميزان القوة داخل الدولة بحيث أصبح ممكناً الوصول إلى مستويات كانت تعد في السابق محصنة سياسياً؟الجواب المحتمل لا يتعلق بطبيعة ملفات الفساد بقدر ما يتعلق بتغير البيئة السياسية الداخلية والخارجية والمؤسساتية التي أصبحت تسمح بتحويل الملفات القضائية إلى إجراءات تنفيذية أكثر حساسية وأعلى كلفة سياسياً.
رابعاً: الأزمة الاقتصادية وضغط الدولة الريعية
تزامنت حملة الاعتقالات مع واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية هشاشة منذ سنوات، نتيجة الاضطرابات الإقليمية المرتبطة بأمن الطاقة في الخليج والمخاطر التي تهدد تدفقات النفط عبر مضيق هرمز.
وتكمن خطورة هذا التطور في أن العراق لا يعد دولة نفطية فحسب، بل دولة ريعية تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية في تمويل الرواتب والإنفاق التشغيلي والدعم الاجتماعي والالتزامات المالية للدولة.
لقد تأسس النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 على معادلة تقوم على إعادة توزيع الريع النفطي مقابل الاستقرار السياسي، حيث سمحت الوفرة المالية للدولة بإدارة الأزمات عبر توزيع المنافع والمواقع والعقود والامتيازات بين القوى السياسية المختلفة وعلى أساس تقسيم إثني للمكونات.
إلا أن تراجع قدرة الدولة على تمويل هذا النموذج يفرض عليها البحث عن أدوات جديدة لإدارة المجال السياسي وإعادة ضبطه، وهو ما يمنح ملفات الفساد واسترداد الأموال وتقليص شبكات الهدر أهمية تتجاوز بعدها المالي المباشر.
خامساً: الضغط الأميركي وإعادة تعريف أولويات الحكومة
لا يمكن فصل التطورات الحالية عن البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بالعراق، ولا سيما في ظل تصاعد الضغوط الأميركية المرتبطة بمكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، وتقليص الاقتصاد الموازي، وإعادة بناء المؤسسات الرسمية على نحو أكثر قدرة على احتكار أدوات القوة والقرار.
وفي المقاربة الأميركية الحالية لا يُنظر إلى الفساد باعتباره ظاهرة إدارية منفصلة، بل باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تربط بين المال السياسي، والاقتصاد الموازي، وشبكات غسيل الأموال، والفصائل المسلحة، والنفوذ السياسي داخل مؤسسات الدولة.
وتكتسب شبكات غسيل الأموال أهمية خاصة في هذا السياق، نظراً لكونها تمثل حلقة الوصل بين الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، والتمويل السياسي، وتوفير الموارد لبعض الفواعل المسلحة خارج إطار الدولة.
ومن ثم، فإن قدرة الحكومة العراقية على تحقيق نتائج ملموسة في هذه الملفات أصبحت جزءاً من اختبار شرعيتها وفاعليتها أمام شركائها الدوليين، وهو ما يفسر الحاجة إلى إظهار قدرة أكبر على تجاوز الخطوط الحمراء التقليدية داخل النظام السياسي.
سادساً: الحكومة الجديدة وتركز مراكز القوة داخل الدولة
تشير المعطيات الحالية إلى ارتفاع مستوى التنسيق أو التقاطع بين عدد من مراكز القرار التنفيذية والقضائية والتشريعية مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بتعدد مراكز التعطيل وتوازن النفوذ بين القوى المختلفة.
ولا يعني ذلك غياب الخلافات أو التنافس، إلا أن البيئة الحالية تبدو أكثر قدرة على إنتاج قرارات ذات كلفة سياسية مرتفعة وتنفيذها، وهو ما يفسر انتقال الإجراءات إلى شخصيات كانت تعد حتى وقت قريب محصنة بحكم موقعها السياسي أو البرلماني.
كما أن تراجع قدرة الكتل المتضررة على التعطيل أو بناء جبهات حماية مؤسساتية مضادة يساهم في رفع قدرة الدولة على الفعل، ويعزز قدرة الدولة على فرض قراراتها داخل النظام السياسي من دون أن يعني ذلك بالضرورة الخروج عن النظام القائم أو السعي إلى استبداله، وبالتالي يمكن النظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها محاولة للجمع بين هدفين متوازيين:تعزيزقدرة الدولة على الفعل، والحفاظ في الوقت نفسه على استقرار النظام السياسي ومنع انهيار توازناته الأساسية.
سابعاً: قابلية الاستهداف وتفاوت الحماية السياسية
تكشف طبيعة الأسماء المشمولة بالإجراءات – حتى الآن- عن وجود تفاوت واضح في مستويات الحماية السياسية التي تتمتع بها القوى العراقية المختلفة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
ففي الأنظمة السياسية المركبة لا تحدد طبيعة الاتهامات وحدها احتمالات الاستهداف، بل تتداخل معها اعتبارات تتعلق بالكلفة السياسية، ومستوى الدعم الإقليمي والدولي، والقدرة على إنتاج ردع سياسي أو مؤسساتي مضاد.
ومن ثم، فإن فهم مسار الاعتقالات يتطلب قراءة موازين القوة بصورة أشمل من مجرد القراءة القضائية أو القانونية -خاصة وأن هذه الشخصيات كانت ولفترة طويلة جزءاً من الفواعل الأساسية في تشكيل الحكومة وإدارة الدولة- إذ إن قابلية الأطراف المختلفة للاستهداف لا ترتبط فقط بطبيعة الملفات، بل أيضاً بمستوى الحماية التي تتمتع بها داخل النظام السياسي والإقليمي.
ثامناً: إعادة هندسة النظام والمجال السياسي
قد لا تكون الإجراءات الحالية مجرد استجابة لملفات فساد متراكمة، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة هندسة المجال السياسي العراقي استجابة لجملة من المتغيرات الداخلية والخارجية.
وتشمل هذه المتغيرات الضغوط الدولية، والتحولات الإقليمية، وتراجع قدرة الدولة الريعية، وتصاعد السخط الشعبي تجاه النخب التقليدية، فضلاً عن الحاجة إلى إعادة تموضع العراق ضمن بيئة إقليمية تشهد تحولات متسارعة في توازنات القوة والتحالفات.
كما أن إعادة تنشيط النظام السياسي وإظهار قدرته على إنتاج المساءلة والمحاسبة يمثلان جزءاً من محاولة أوسع لإقناع المجتمع الدولي بقدرة الدولة العراقية على إصلاح نفسها من الداخل واستعادة جزء من شرعيتها المؤسساتية.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: احتواء قضائي محدود
تبقى القضية محصورة بعدد محدود من الشخصيات والملفات، ويتم تقديمها باعتبارها نموذجاً على جدية الدولة في مكافحة الفساد من دون توسع سياسي كبير.
السيناريو الثاني: توسع تدريجي في التحقيقات
تنتقل التحقيقات إلى شخصيات وكتل إضافية وشبكات تمويل أوسع، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية داخل النظام.
السيناريو الثالث: تحول الملف إلى أزمة سياسية مفتوحة
تلجأ القوى المتضررة إلى استخدام الأدوات البرلمانية والإعلامية والقانونية لإعاقة الإجراءات وتحويلها إلى صراع سياسي حول شرعية الدولة وحدود سلطتها.
السيناريو الرابع: تسوية سياسية وإعادة اصطفاف
تتحول الاعتقالات إلى أداة لإعادة ترتيب التحالفات والتوازنات وإنتاج تفاهمات جديدة داخل النظام السياسي العراقي.
الانعكاسات المتوقعة على المدى المتوسط (2026-2030)
• توسع في هامش السلطة التنفيذية وقدرتها على الاستفادة من الغطاء القضائي بصورة أكبر في إدارة الصراع مع مراكز النفوذ السياسي.
• تعزيز موقع السلطة القضائية بوصفها فاعلاً مؤثراً في إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية.
• تقليص هامش الحماية السياسية التقليدية التي تمتعت بها بعض النخب الحزبية والبرلمانية.
• ستدفع القوى السياسية إلى إعادة تقييم تحالفاتها وآليات إدارة النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
• زيادة الاعتماد على أدوات مكافحة الفساد باعتبارها وسيلة لإعادة توزيع القوة والموارد داخل النظام السياسي.
• ستفتح المجال أمام توسع المساءلة القانونية باتجاه مستويات سياسية أعلى إذا ما استمر الزخم الحالي للإجراءات.
• إعادة موازنة النفوذ الإقليمي داخل المؤسسات، ولا سيما النفوذ الإيراني، في حال استهدفت الإجراءات شبكات النفوذ المرتبطة به.
• اختبار قدرة النظام السياسي تقبل انتقال جزء من إدارة التوازنات من التسويات السياسية إلى الأدوات القانونية والقضائية.
• تحولات في شكل التحالفات والاصطفافات الانتخابية مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة.
• إعادة تشكيل الخريطة الحزبية والتحالفات الانتخابية.
• ستشهد المرحلة المقبلة غياب فواعل وأحزاب سياسية واقتصادية وشخصيات مختلفة اذا ما استمرت هذه الإجراءات.
• قد يؤدي إلى تعميق الانقسام السياسي وإعادة إنتاج الصراع داخل النظام بدلاً من إصلاحه.
• انحسار تدريجي للمال السياسي إذا اتجهت الإجراءات نحو شبكات التمويل وليس الأفراد فقط.
• تراجع قدرة الأحزاب الريعية على إعادة إنتاج نفسها مالياً وتنظيمياً.
• إضعاف الترابط بين الاقتصاد الموازي والنفوذ السياسي وبعض الفاعلين المسلحين.
• ارتفاع دور المؤسسات الرسمية على حساب الوسطاء وشبكات المصالح.
• مساعي الفواعل الرئيسية في الدولة الى تصدير صورة “الدولة القادرة”على الفعل إذا اتسعت الإجراءات بصورة متوازنة وعابرة للكتل.



