الأوراق التحليليةالتقارير
أخر الأخبار

العراق تحت ضغط استراتيجي: رؤية واشنطن للمنطقة واختبار النظام السياسي

ملخص تنفيذي

تعكس استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لإدارة ترمب تحوّلاً في دور واشنطن في الشرق الأوسط، من السعي لإعادة تشكيل النظام الإقليمي إلى التركيز على إدارة المصالح المباشرة بأقل كلفة ممكنة عبر الردع والصفقات ونقل الأعباء إلى الشركاء الإقليميين، ويتسق هذا التحول مع ملامح وثيقة الأمن القومي بوصفها مؤشّراً على تراجع مركزية الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الأمريكية، سواء في التخطيط طويل الأمد أو في أولويات التنفيذ اليومي)¹(. ولم تعد المنطقة تُقرأ كأولوية قائمة بذاتها، بل كفضاء ذي وظائف محددة تتصل بأمن الطاقة والممرات البحرية ومنع الفراغات الأمنية وضمان أمن الحلفاء، وفي مقدمتهم إسرائيل.

تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص مساحات “الرمادية” في المواقف وبناء اصطفافات إقليمية أوضح، بالتوازي مع التعويل على التنمية والاقتصاد كأدوات لاحتواء الصراعات وتقليل الحاجة إلى الانخراط العسكري المباشر، وهو توجه يتكرر في الأدبيات الأمريكية الحديثة حول “الاستقرار عبر الاقتصاد”. وعلى المستوى الأمني، تعمل واشنطن على تعزيز تعاون إقليمي موجّه أساساً لاحتواء إيران، ضمن ترتيبات أمنية تمنح وزناً متقدماً لأمن إسرائيل في معادلة الردع، مع أدوار متفاوتة لدول الخليج وتركيا، كما تميل إلى إدارة التباينات بين الحلفاء بدلًا من السعي لحسمها، بما يمنع تحوّلها إلى عائق أمام الاستراتيجية العامة؛ إضافةً إلى تحجيم فرص تمدد النفوذ الصيني في المنطقة، بينما تسعى الصين إلى بناء نظام دولي مُنقّح قائم على مصالحها ومعاييرها الوطنية كبديل لما تعتبره بكين نظامًا دوليًا تقوده الغرب(2).

في هذا السياق، يُعاد تعريف موقع العراق لا بوصفه حليفاً استراتيجياً أو خصماً مباشراً، بل كدولة مفصلية قيد الاختبار، فواشنطن تميل إلى نقل عبء بناء الدولة وضبط الساحة الداخلية إلى بغداد، مع تقليص انخراطها المباشر في مسارات الإصلاح، والإبقاء على العراق ضمن معادلة الردع واحتواء النفوذ الإيراني؛ وهو توصيف يتقاطع مع تحليلات مراكز أبحاث أمريكية ترى في العراق حالة لإدارة المخاطر الأمنية والسياسية، أكثر من كونه مشروع شراكة استراتيجية طويلة الأمد، ويُفهم تعيين مبعوثين خاصين للعراق ولبنان وسوريا بوصفه محاولة لإنجاز هذه الملفات ضمن أطر زمنية محددة؛ تمهيداً لتحويل عبء إدارتها إلى الإقليم وفرض واقع جديد بتموضع أوضح للدول.

إقليمياً، يُنظر إلى العراق بوصفه حلقة ارتكاز أمنية وجغرافية، يُنتظر منها ضبط الساحة الداخلية ومنع انتقال الأزمات إلى الجوار، فنجاح العراق في ذلك يفتح المجال لاندماجه كشريك وظيفي في منظومة الاستقرار الإقليمي؛ فيما يقود الفشل إلى التعامل معه كساحة مخاطر، مع تصاعد خطر أقلمة الملف العراقي وتحوله إلى ملف أمني إقليمي تُدار توازناته من الخارج.

داخليًا، يسهم الضغط الأمريكي في تعميق الانقسامات السياسية، ولا سيما داخل البيت الشيعي، حيث يتكشف صراع بنيوي بين تيار يسعى إلى احتواء الضغط ومنع العزلة الاقتصادية، وتيار ولائي يرى في أي استجابة تهديداً لمعادلة السلاح والنفوذ، وهو ما تؤكده دراسات محلية ترى أن الأزمة العراقية باتت أزمة وظيفة دولة لا أزمة تمثيل سياسي، بالمقابل تشهد الساحتان السنية والكردية انقسامات وظيفية وبراغماتية تزيد من هشاشة الموقف الوطني.

أمام هذا الواقع، تميل الحكومة العراقية إلى اتباع سياسة إدارة الضغط بدلاً من الحسم السريع عبر ما يمكن وصفه بـ “مناورات منضبطة” وضبط نسبي للفصائل، وانفتاح اقتصادي إقليمي محسوب، غير أن هذا المسار يصطدم بتضييق واشنطن لمساحات المناورة واستخدامها أدوات ضغط مالية وسياسية وأمنية لدفع بغداد نحو وضوح التموضع؛ وفي المحصلة يعتبر تشكيل الحكومة المقبلة ووضح توجهها، اختباراً حاسماً لمسار العراق في المرحلة المقبلة.

الشرق الأوسط وحسابات واشنطن: نقل الأعباء وإدارة التوازن

جاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لإدارة ترمب لتؤكد تحولاً واضحاً في دور واشنطن، من السعي لقيادة النظام الدولي وإعادة تشكيله إلى التركيز على إدارة المصالح القومية المباشرة، في ظل إرهاق استراتيجي بات محل إجماع داخل المؤسسات الأمريكية، ناتج عن طول الانخراطات وكلفتها السياسية والعسكرية، وباتت الأسئلة المركزية للسياسة الأمريكية تتعلق بحدود التدخل وجدواه، وما يستحق الاستثمار أو الردع.

منذ البداية، عملت إدارة ترمب على تعزيز مصداقية الردع الأمريكي بالتوازي مع اعتماد نهج الصفقات في الملفات الساخنة، واستخدام التهديد بأدوات القوة لإعادة صياغة التفاهمات بما يخدم مصالح واشنطن وحلفائها، وينطلق ذلك من قناعة بأن المنطقة لم تعد تمثل مستوى التهديد والأولوية السابق، وأن الولايات المتحدة تمتلك موقعاً أفضل في معادلة النفوذ عبر شبكة حلفائها الإقليميين.

وفي هذا السياق، لم يخرج الشرق الأوسط من الحسابات الأمريكية، لكنه فقد موقعه كساحة مركزية دائمة؛ ليُعاد تعريفه بوصفه منطقة ذات وظائف استراتيجية محددة تشمل: تأمين الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، ومنع الفراغات الأمنية، وضمان أمن الحلفاء. مع انتقال السياسة الأمريكية من مشروع إعادة تشكيل المنطقة إلى إدارة توازناتها بأقل كلفة ممكنة، ونقل متزايد للأعباء إلى الشركاء الإقليميين.

وفي بعدٍ عملي لهذا التحول، يمثل نقل الأعباء اختباراً سياسياً وأمنياً للشركاء الإقليميين في مواجهة صراع إيران وإسرائيل، وعلى صعيد العراق، تبرز مرحلة ما بعد الانتخابات كعامل مؤثر في تحديد تموضع بغداد ضمن البيئة الإقليمية الجديدة ومنع تحولها إلى ساحة خنق للنفوذ الإيراني؛ كما ترتبط هذه النتائج بقدرة العراق على تفادي أدوات الضغط، ولا سيما العزلة الاقتصادية، والانخراط في مسار التنمية الإقليمية الذي تطرحه الولايات المتحدة كمدخل لإدارة المنطقة عبر الشراكة.

مقاربة الولايات المتحدة للشرق الأوسط

تقوم الاستراتيجية الأمريكية في ترتيب الوضع في الشرق الأوسط على إعادة صياغة البيئة الإقليمية وفق منطق الوضوح في الاصطفافات وتقليص مناطق الرمادية، بما يسمح لواشنطن بإدارة مصالحها بأقل كلفة مباشرة ممكنة، في ظل تحوّل تركيزها الاستراتيجي نحو ساحات أخرى أكثر أولوية، وتسعى الولايات المتحدة إلى بناء اصطفافات إقليمية واضحة المعالم تُحدَّد فيها مواقع الشركاء والخصوم بدقة؛ بما يحدّ من سياسات المناورة ويُسهّل نقل الأعباء الأمنية والسياسية إلى الحلفاء الإقليميين.

وتوازي هذه المقاربة محاولة بناء حالة استقرار إقليمي نسبي لا تقوم على تسويات سياسية عميقة، بل على التعويل المتزايد على ملف التنمية والاقتصاد بوصفه أداة احتواء للصراعات وتقليص دوافع الاضطراب، ترى واشنطن -من وجهة نظرها- أن دمج دول المنطقة في شبكات اقتصادية واستثمارية ومشاريع تنموية عابرة للحدود يخلق مصالح متبادلة تقلل احتمالات الانفجار في هذه المرحلة، ويُغني عن الانخراط العسكري الأمريكي المباشر؛ من دون أن يعالج بالضرورة جذور الأزمات السياسية.

وفي البعد الأمني، تعمل الولايات المتحدة على تعزيز تعاون إقليمي أمني منظم بين شركائها في الشرق الأوسط، موجّه أساساً لمواجهة إيران واحتواء نفوذها الإقليمي؛ لكن ضمن معادلة تجعل أمن إسرائيل هو المستفيد الأول من هذا الترتيب، يليه أمن دول الخليج وتركيا وبقية الحلفاء، ويُفهم هذا التعاون بوصفه شبكة ردع إقليمية غير معلنة تُدار بتنسيق أمريكي، وتسمح لواشنطن بالحفاظ على تفوق حلفائها الاستراتيجي دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة.

ورغم السعي إلى اصطفافات إقليمية أوضح، يصطدم هذا المسار بتباينات وصراعات داخل محور الحلفاء أنفسهم، ولا سيما بين تركيا وإسرائيل؛ وبعد أن كانت سوريا ساحة تدافع غير مباشر بين تركيا وإيران، تحولت بعد سقوط نظام الأسد إلى ساحة تدافع غير مباشر بين تركيا وإسرائيل)3(، إضافة إلى اختلاف أولويات دول الخليج مقارنة بأنقرة وتل أبيب، فالعلاقة التركية–الإسرائيلية محكومة بتنافس جيوسياسي وحدود تعاون أمني وظيفي؛ فيما تنظر أنقرة إلى الترتيبات الإقليمية من زاوية أمنها القومي وحدودها ونفوذها، لا من زاوية أمن إسرائيل أو أولويات الخليج، في حين تركز دول الخليج على الاستقرار الاقتصادي والتنمية وتقليل التصعيد؛ بينما ترى إسرائيل أن جوهر أي ترتيب إقليمي ينبغي أن يتمحور حول تحييد إيران وتعزيز تفوقها الأمني.

وتتعامل واشنطن مع هذه التناقضات بمنطق إدارة الخلاف لا حسمه، عبر الفصل بين مسارات التعاون الأمني والاقتصادي، وتغليب التنسيق الوظيفي على التحالف السياسي الصلب، فالمطلوب أمريكياً ليس توحيد الرؤى بين الحلفاء، بل ضمان عدم تحول خلافاتهم إلى عائق أمام هدفها الاستراتيجي الأوسع؛ المتمثل في احتواء إيران ومنع الفوضى الإقليمية والحفاظ على شبكة نفوذ أمريكية مرنة تسمح بتقليص الانخراط المباشر دون فقدان السيطرة على الاتجاه العام.

وفي الوقت نفسه، يشكل منع تمدد النفوذ الصيني في الشرق الأوسط أحد الأهداف الضمنية لهذه الاستراتيجية؛ ثمّة عامل آخر شديد الأهمية يؤكد البعد البراغماتي والعملي في مقاربة ترمب لجولته في المنطقة وتركيزه على الصفقات التجارية والاستثمار  ويتعلق بالمنافسة التجارية والتكنولوجية مع الصين)4(، لا عبر صدام مباشر مع بكين، بل عبر إحكام القبضة الأمريكية على البنية الأمنية والاقتصادية للمنطقة، بما يقيّد فرص الصين في التحول إلى شريك استراتيجي بديل؛ ضمن سياق أوسع يحافظ على نفوذ واشنطن بوصفه رافعة استراتيجية حتى مع تقليص حضورها المباشر.

العراق في ميزان مصالح واشنطن الإقليمي

تضع واشنطن اليوم صناع القرار في السلطة أمام مفترق طرق حساس لمستقبل العراق في المنطقة، إذ لا تشير الاستراتيجية الأمريكية إلى العراق بوصفه حليفاً تقليدياً، ولا تصنفه كتهديد مباشر؛ بل تضع بغداد أمام اختبار لدورها ووظيفتها الإقليمية، وتبعث واشنطن بإشارات تفيد بأن مسؤولية بناء الدولة وتقوية النظام السياسي تقع على عاتق القوى الحاكمة في العراق، مقابل تراجع استعدادها لتحمل هذا العبء؛ مع غياب مشاريع إسقاط النظام أو تغييره جذرياً، والنظر إلى العراق كعقدة لوجستية–أمنية وساحة نفوذ إيراني وتماس مع مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

تتحدد السياسة الخارجية في فترة إدارة ترمب وفق سلّم أولويات أكثر صرامة مقارنة بإدارات سابقة كانت توزع الجهد على ملفات متعددة بالتوازي، وتُقرأ آلية التعامل مع ملفات المنطقة ضمن منطق التدرّج والأولوية؛ وهو ما يجعل تعيين مبعوث خاص للعراق وبعض دول المنطقة دلالة على رغبة الإدارة الأمريكية في إنجاز ملفات عالقة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها العراق ولبنان وسوريا، قبل تحويل عبء التعامل معها إلى الفاعلين الإقليميين.

عمد ترمب إلى تبني أسلوب مختلف مع ملفات تُعد خارج “الأولوية الكبرى”، عبر تجاوز الأطر التقليدية لبعض المؤسسات المعنية بإدارة الملفات (كوزارة الخارجية والبنتاغون والاستخبارات) إلى تعيين مبعوثين خاصين ذوي خلفيات تُسهّل الوصول السياسي والاجتماعي للملفات المكلفين بها، وفي هذا السياق، تم تعيين مارك سافايا ذي الأصول العراقية كمبعوث خاص للعراق، كما يبرز دور توم باراك في التعامل مع ملف سوريا ولبنان؛ بما يشير إلى رغبة أمريكية في تسريع إدارة هذه الملفات ضمن سقوف زمنية واضحة ومتابعة مخرجاتها في إدارة الوضع الإقليمي.

تجدر الإشارة إلى أن نهج ترمب في اختيار المبعوثين الخاصين لا يزال ضمن مساحة محدودة داخل إدارته، إذ إن عدد المبعوثين الخاصين لشؤون مناطق ودول بعينها حول العالم يبقى محدوداً وهو ثمانية مبعوثين بحسب المعلن رسمياً من قبل الإدارة الامريكية -عدد متغيّر بحسب التعريف المؤسسي ويستند إلى القوائم المعلنة رسمياً حتى نهاية 2025-أربعة منهم لمنطقة الشرق الأوسط أو دول ضمن المنطقة (ستيف ويتكوف ومارك سافايا وتوم باراك ومسعد بولس))5(.وهو ما يجعل هذا النمط أقرب إلى أدوات استثنائية ومحدودة زمنياً لإدارة الملفات “غير ذات الأولوية الكبرى” قبل نقل عبئها إلى الإقليم. وبناءً على ذلك، تبدو واشنطن أقل تسامحاً مع مساحات المناورة السابقة، وأكثر ميلًا لربط الشراكات بوضوح التموضع والقدرة على الضبط؛ فقد تعود العلاقات إلى حقبة الأيام الصعبة في عهد إدارة ترامب الأولى، عندما كان العراق ساحة معركة فعلية بين إيران والولايات المتحدة)6(. ما يضع العراق أمام خيارات ضيقة وكلفة سياسية أعلى لكل مسار.

العراق بين الشراكة والاحتواء الإقليمي

في إطار سياسة نقل الأعباء إلى الحلفاء والشركاء، يُعاد تعريف موقع العراق داخل المعادلة الإقليمية بوصفه ساحة تفاعل أكثر منه فاعلاً إقليمياً خاصة وأن  النظام الإقليمي في حالة تغير مستمر، لم يعد التمسك بالوضع الراهن خياراً مجدياً، بل إن التخطيط الاستراتيجي، والقدرة على التكيف، وإعادة تعريف دور العراق في المنطقة أمور ضرورية إذا ما أراد تجاوز الأزمة المقبلة)7(، والنظر إليه كدولة يُنتظر منها تحمل عبء الاستقرار الداخلي بما يمنع انتقال الأزمات إلى محيطها، فالاستراتيجية الأمريكية لا تتعامل مع العراق كحليف تقليدي، بل كدولة مفصلية يُفترض أن تضبط ساحتها وتدير توازناتها بما يخفف الكلفة الأمنية والسياسية عن الفاعلين الإقليميين الرئيسيين.

بالنسبة لدول الإقليم، يُنظر إلى العراق على أنه حلقة ارتكاز أمنية وجغرافية: استقراره يحد من تمدد التهديدات عبر الحدود، واضطرابه يحوّله سريعاً إلى مصدر ضغط إقليمي، ويُتوقع من دول الخليج الإسهام في دعم استقرار العراق اقتصادياً ومالياً بوصفه خط دفاع متقدم عن أمنها؛ فيما تُمنح تركيا دوراً مباشراً في معالجة الملفات الحدودية والأمنية شمال العراق بما ينسجم مع أولوياتها القومية ويخفف الجهد على الولايات المتحدة، أما إسرائيل، فيبقى تأثيرها غير مباشر عبر موقعها في معادلة الردع الأوسع ضد إيران.

ضمن هذه المقاربة، لا يُنظر إلى العراق كدولة تُدار رعايتها دولياً، بل كدولة ينبغي أن تتحمّل مسؤولية ضبط الفواعل الداخلية ومنع تحوّل أراضيها إلى منصة صراع بالوكالة، فنجاح العراق في إدارة هذه المهمة يجعله جزءاً من منظومة الاستقرار الإقليمي؛ فيما يدفع الفشل بغداد لمواجهة الواقب، والقوى الإقليمية إلى التعامل معه كساحة مفتوحة لا كشريك، في إطار سياسة “نقل الأعباء” والتحول من “دعم الدولة” إلى “إدارة المخاطر”؛ بما يعني عملياً تراجع الرهان على الحكومة المركزية بوصفها ضابطاً وحيداً للساحة.

وقد تميل دول الخليج، في حال استمرار هشاشة الضبط، إلى خفض الانخراط الاقتصادي والاستثماري، والعودة إلى أدوات تعامل غير مباشرة، أما تركيا فستحافظ على منظورها الأمني بوصفه مدخلاً أساسياً للعلاقة، مع استمرار التعامل مع مخاوفها في الشمال بتنسيق مع بغداد كشريك شكلي أكثر منه ضابطاً فعلياً، ومن المحتمل أن تترك واشنطن لإسرائيل هامش التعامل مع العراق ضمن حسابات الردع ضد إيران واستهداف الشبكات المرتبطة بها من الفصائل.

على الصعيد المحلي، قد تواجه بعض الفواعل العراقية الضغط الإقليمي والدولي عبر تعزيز شبكات غير رسمية تربط الأمن والاقتصاد والسياسة بمراكز نفوذ موازية، وتوسيع دور الفصائل بوصفها بديلاً عملياً عن الدولة؛ وهو خيار يرفع كلفة الاستقرار العراقي على المدى المتوسط.

مخاطر “أقلمة” الملف العراقي

يمثل مسار أقلمة الملف العراقي أحد أخطر المآلات المحتملة لاستمرار ضعف الدولة وتآكل احتكارها لاستخدام القوة، ففي منطق استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، لم تعد الدول الهشة تُقرأ بوصفها مشاريع إعادة بناء، بل باعتبارها مساحات مخاطر يجب احتواؤها ومنع تحولها إلى تهديد مباشر للمصالح الأمريكية، وبهذا المعنى، يتحول العراق تدريجياً من ملف سيادي داخلي إلى ملف أمني إقليمي، تُدار من خلاله توازنات القوى ومصالح الفاعلين الإقليميين عبر تدخلات أمنية وضغوط اقتصادية واصطفافات سياسية داخلية مدعومة من الخارج.

تعكس هذه المقاربة فهماً أمريكياً براغماتياً مفاده أن كلفة إعادة بناء الدولة العراقية تفوق العائد الاستراتيجي المتوقع، في مقابل إمكانية إدارة المخاطر عبر الإقليم وبأدوات أقل كلفة، وفي إطار منطق إدارة ترمب، لا يُنتظر من واشنطن التدخل لإنقاذ الدولة العراقية أو فرض تسوية داخلية، بل يُرجّح تبنّي سياسة اللاممانعة الضمنية تجاه الأدوار الإقليمية، طالما لا تُهدد بشكل مباشر أمن القوات الأمريكية أو المصالح الحيوية للولايات المتحدة، ولا تُنتج فراغاً يسمح بعودة تهديدات عابرة للحدود كتنظيم داعش.

إن خطورة أقلمة الملف العراقي لا تكمن فقط في تعدد الفاعلين الإقليميين، بل في القبول الدولي والإقليمي بشكل “الدولة الوظيفية” لدور العراق والتدخل للمشاركة في إدارة أزماتها على نحو متزايد، حيث تُختزل السيادة إلى وظيفة إدارية، بينما تُدار ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة عبر تفاهمات إقليمية غير معلنة، بسبب مؤسسات الدولة الهشة ونظامها السياسي القائم على الهوية، فإن العراق معرض بشكل خاص للأزمات الخارجية التي تتقاطع مع الانقسامات الداخلية(8). وفي ظل هذه المعادلة، يصبح العراق ساحة تصفية حسابات أو ممرّ توازنات، لا دولة قادرة على صياغة خياراتها الاستراتيجية.

واشنطن من منظور عراقي: الوظيفة وحدود الرهان

تتسم نظرة العراق إلى الولايات المتحدة بطابع مركّب وغير مستقر؛ إذ لا تنطلق من تصور تحالفي واضح ولا من عداء استراتيجي صريح، بقدر ما تحكمها اعتبارات الحاجة والارتياب معاً، فعلى المستوى الرسمي، تُنظر واشنطن بوصفها شريكاً ضرورياً في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والتوازن الإقليمي؛ دون اعتبارها حليفاً استراتيجياً يمكن الركون إليه في مشروع بناء الدولة أو ضمان السيادة كاملة، ويقوم هذا التصور على قناعة متزايدة بأن الدور الأمريكي بات محصوراً في إدارة المخاطر ومنع الانهيار أكثر منه معالجة جذور الأزمات السياسية والمؤسسية.

أما على مستوى القوى السياسية، فتتباين المواقف بين قوى تنظر إلى الولايات المتحدة كخصم ينبغي تحجيم نفوذه، وقوى تتعامل معها بمنطق براغماتي باعتبارها عاملاً موازناً لا يمكن تجاهله، وفي المقابل، ترى غالبية القوى السنية والكردية في واشنطن ضامناً نسبياً للتوازن؛ وإن كان هذا الرهان مشوباً بخيبة أمل متراكمة نتيجة تراجع الالتزامات الأمريكية في محطات مفصلية سابقة.

في المحصلة، يمكن توصيف العلاقة العراقية–الأمريكية بأنها علاقة “شراكة وظيفية”٫ قائمة على التعاون الانتقائي في ملفات محددة، من دون ثقة استراتيجية متبادلة أو تصور طويل الأمد؛ وهو ما يفرض على صانع القرار العراقي إدارة هذه العلاقة بواقعية دقيقة، توازن بين الاستفادة من الدور الأمريكي عند الحاجة وعدم الارتهان له كضامن دائم لاستقرار الدولة أو مستقبلها السياسي.

انقسام الداخل السياسي للعراق

يسهم الضغط الأمريكي، وفق رؤية إدارة ترمب، في تعميق الانقسامات داخل القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية؛ لكن ليس على شكل اصطفاف وطني واضح بين مؤيد ومعارض، بل عبر تباينات داخلية متفاوتة داخل كل مكوّن، ويعود ذلك إلى أن هذا الضغط لا يُدار بوصفه قراراً سيادياً شاملاً، بل كاختبار عملي للولاءات والوظائف داخل النظام السياسي؛ بما يكشف التباينات الكامنة ويعجّل بظهورها.

داخل البيت الشيعي، يمثل الانقسام الحلقة الأكثر حساسية؛ إذ يعمل الضغط كعامل تسريع لانقسام بنيوي قائم، لا كسبب جديد له، ففي ظل تضييق مساحة المناورة الرمادية، ينقسم الفاعل الشيعي بين تيار براغماتي يرى في احتواء الضغط ضرورة لحماية الدولة وتجنب العزلة الاقتصادية والصدام المفتوح، وتيار ولائي يعتبر أي استجابة مساساً مباشراً بمعادلة السلاح والنفوذ وتهديداً لموقعه داخل النظام السياسي.

لا يتعامل التيار البراغماتي مع واشنطن بوصفها حليفاً، بل كفاعل دولي لا يمكن تجاهله في إدارة المخاطر، ويسعى إلى ضبط تدريجي للفصائل والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، في المقابل، يميل التيار الولائي إلى استخدام أدوات التعطيل السياسي لإفراغ أي مسار ضبط من مضمونه، ويؤدي هذا التباين إلى تصدّع داخل بنية السلطة نفسها، ينعكس بطئاً في اتخاذ القرار وتضارباً في الرسائل، ويحد من قدرة الحكومة على الالتزام بخيارات واضحة، خاصة وأن وضع هذا التيار يملك ثقلاً انتخابياً٫ بل إن الأحزاب المرتبطة مباشرة بالجماعات المسلحة المدعومة من إيران – رغم تباينها وعدم تشكيلها كتلة واحدة – فازت مجتمعة بأكثر من 50 مقعداً في الانتخابات الأخيرة)9(.

وفي المحصلة، لا يُدار هذا الانقسام كخلاف سياسي تقليدي، بل كصراع على وظيفة الدولة وحدود احتكارها للقرار الأمني والعلاقات الخارجية: هل تكون الدولة إطاراً يحتكر القرار، أم مظلة شكلية تتعايش مع فواعل مسلحة وشبكات نفوذ موازية؟ وكلما اقترب العراق من لحظة الاختيار الإقليمي، ارتفعت كلفة الحسم وبقيت الدولة أسيرة إدارة التوازنات الداخلية بدل امتلاك زمام المبادرة.

أما داخل القوى السنية، فيتخذ الانقسام طابعاً مصلحياً؛ إذ ينحصر الخلاف حول كيفية توظيف الضغط لا حول مبدئه، فثمة تيار يرى في هذا الضغط فرصة لتحسين شروط المشاركة وتقليص نفوذ الفصائل، ويميل إلى دعم خطوات الحكومة متى ما اقترنت بمكاسب سياسية أو اقتصادية واضحة، في المقابل، يتبنى تيار آخر مقاربة تحوّطية مدفوعة بالخشية من ردود فعل الفصائل المسلحة ومن تكرار تجارب التخلي الأمريكي؛ ما يجعله يفضّل الحذر وتجنب الاصطفاف العلني، ويؤدي هذا الانقسام الهادئ إلى إرباك القدرة السنية على بلورة موقف تفاوضي موحد، وربما تعزيز الانقسام على فرض أن جزء منهم سيتحرك لعقد اتفاقات جانبية لتحصيل مكاسب أكبر.

وفي البيت الكردي، يتخذ الانقسام شكلاً براغماتياً محسوباً لا أيديولوجياً، إذ يرى فريق أن واشنطن لا تزال ضامناً ضرورياً، ويفضّل الانخراط مع الرؤية الأمريكية بوصفها فرصة لتثبيت المكاسب وتحجيم نفوذ الفصائل خارج الإقليم، بينما يفضّل فريق آخر إدارة العلاقة عبر بغداد والإقليم، مدفوعاً بالخشية من تقلب الموقف الأمريكي وتكرار تجربة 2017، مع السعي إلى تنويع الضمانات بين واشنطن وأنقرة وطهران وبغداد؛ دون كسر سقف التوافق الكردي العام.

وخلاصة ذلك، أن الضغط الأمريكي لا ينتج اصطفافاً وطنياً موحداً، بل يعمّق الانقسامات ويحوّل الصراع من خلاف على شكل الحكم إلى صراع على وظيفة الدولة ومن يمتلك قرارها الفعلي؛ ومع اقتراب لحظة الاختيار الإقليمي ينكشف عمق هذا الصراع بوضوح أكبر.

مسارات التعاطي العراقي

ستتعامل الحكومة العراقية مع الضغط الأمريكي المتصاعد لاختيار موقعها عند مفترق الطرق الإقليمي، وفق رؤية إدارة ترمب، بمنطق “إدارة الضغط لا الحسم السريع”، إدراكاً منها أن كلفة الاختيار الصريح تفوق قدرة النظام السياسي القائم على تحمّلها، ويقوم هذا النهج على كسب الوقت وتقليل الخسائر دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو إقليمية مفتوحة.

في هذا السياق، تميل بغداد إلى اعتماد مسار “الإدارة الرمادية المنضبطة”، عبر تجنّب الاصطفاف العلني، والحفاظ على خطاب متوازن، وتقديم تطمينات أمنية لواشنطن تتعلق بحماية البعثات والقوات الأجنبية، من دون قطيعة مع إيران، ويُترجم ذلك بضبط نسبي للفصائل دون تفكيك جذري، وبانفتاح اقتصادي محسوب على الخليج والأردن وتركيا بوصفه إشارة سياسية للاندماج الإقليمي.

غير أن هذا المسار يصطدم برؤية ترمب التي تضيق فيها مساحة الرمادية وتربط الشراكات بوضوح التموضع والقدرة على الضبط، وفي هذا الإطار، تمارس واشنطن ضغوطًا غير مباشرة تشمل أدوات مالية واقتصادية (العقوبات، النظام المالي، ملف الدولار)، وهنا يبرز القلق من أن العراق سيكون من أكثر المتضررين، خصوصاً في قطاعه المصرفي وعلاقاته المالية مع الولايات المتحدة)10(. إضافة إلى ضغوط سياسية ودبلوماسية تربط الدعم بوضوح الموقف، إلى جانب ضغط أمني غير مباشر عبر تقليص الغطاء السياسي أمام الضربات الإسرائيلية وإدراج العراق ضمن معادلة الردع ضد إيران.

في المقابل، تبقى استجابة الحكومة العراقية مقيدة بهشاشة التوازنات الداخلية وانقسام القوى السياسية وحساسية ملف الفصائل وما يحمله من مخاطر انفجار أمني، فضلاً عن الاعتماد على النظام المالي الدولي؛ ما يجعل القطيعة مع واشنطن خياراً غير واقعي، وبناءً على ذلك، تميل بغداد إلى تحركات تدريجية بدلاً من قرارات حاسمة.

وانطلاقاً من هذه المعادلة، تبرز ثلاثة مسارات محتملة: الامتثال الجزئي عبر ضبط نسبي للفصائل وتوسيع التعاون الأمني والانفتاح الاقتصادي الخليجي؛ أو المناورة القصوى بخطاب سيادي مقابل تنازلات أمنية غير معلنة، وهو مسار قابل للفشل؛ أو الانحياز القسري إلى أحد المحاور إذا فشلت الحكومة في ضبط الداخل، وهو الخيار الأعلى كلفة.

وفي المحصلة، تكشف رؤية ترمب للمنطقة ضعف فرص الحماية لدول لا تحتكر قرارها الأمني، فالعراق لا يُطلب منه أن يكون حليفًا كاملًا، بل دولة قابلة للضبط وغير معادية، فيما يؤدي تأجيل الحسم إلى تضييق هامش المناورة ورفع كلفة القرار لاحقاً، والدفع نحو أقلمة الملف العراقي.

تشكيل الحكومة واختبار المسار الاستراتيجي

يمثل تشكيل الحكومة المقبلة الاختبار العملي الأكثر حسماً لكل مسارات الضغط والتحولات التي تحيط بالعراق في المرحلة الراهنة، إذ لا يقتصر هذا الاستحقاق على كونه إجراءً دستورياً، بل يتحول إلى مؤشر استراتيجي يكشف قدرة النظام السياسي على إنتاج سلطة قادرة على التماسك واتخاذ القرار في بيئة تضيق فيها مساحات المناورة.

في هذا السياق، يتصدر الانقسام داخل البيت الشيعي مشهد تشكيل الحكومة بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في رسم ملامح السلطة المقبلة، فالخلاف بين التيار البراغماتي الذي يسعى إلى احتواء الضغط ومنع العزلة الاقتصادية، والتيار الولائي الذي يرى في أي استجابة تهديداً لمعادلة السلاح والنفوذ، لا يُدار كتنافس سياسي عادي؛ بل كصراع على وظيفة الدولة وحدود احتكارها للقرار الأمني، ويُرجّح أن ينعكس ذلك على شكل حكومة تسويات هشة أو حكومة محاصصة موسعة تفتقر إلى برنامج ضبط واضح.

وعليه، فإن تشكيل الحكومة لا يُختبر فقط من حيث الأسماء والتوزيعات، بل من حيث الوظيفة السياسية والأمنية التي ستؤديها: هل ستكون حكومة قادرة على ضبط الساحة ومنع استخدام العراق كساحة صراع بالوكالة، أم حكومة إدارة أزمات تؤجل الانفجار وتُكرّس مسار الأقلمة؟ وفي ضوء ذلك، يصبح تشكيل الحكومة لحظة فاصلة تحدد ما إذا كان العراق سيتحول إلى شريك في منظومة إقليمية تسعى الولايات المتحدة إلى بنائها، أو سيبقى ساحة تنازع تُدار بتفاهمات الخارج بفعل الانقسام الداخلي وعجز الدولة عن احتكار قرارها.

الخاتمة

تكشف هذه الورقة أن العراق يقف اليوم عند تقاطع استراتيجي دقيق، نتيجة إعادة صياغة أوسع للبيئة الإقليمية والدولية تقودها الولايات المتحدة ضمن منطق نقل الأعباء وإدارة الاستقرار بأقل كلفة مباشرة، ففي “الشرق الأوسط الجديد”، لم تعد واشنطن معنية بإعادة بناء الدول الهشة أو هندسة نظمها السياسية؛ بقدر ما تركز على منع الانفلات الأمني وضمان أمن الحلفاء وإدارة المخاطر عبر شبكة إقليمية من الشركاء تُوزَّع فيها الأدوار والوظائف بوضوح متزايد.

ضمن هذا الإطار، يُعاد تعريف موقع العراق لا بوصفه حليفاً استراتيجياً ولا خصماً مباشرًا، بل كدولة مفصلية تُختبر قدرتها على ضبط ساحتها الداخلية واحتكار قرارها الأمني، فالعراق لم يعد يُقاس بخطابه السياسي أو توازناته الرمزية، بل بسلوكه العملي: مدى قدرته على ضبط الفواعل المسلحة وحماية المصالح الدولية ومنع تحوّله إلى ساحة صراع بالوكالة، وكلما تعثّر هذا الدور، اقترب العراق من نموذج “الدولة الوظيفية” التي تُدار أزماتها من الخارج، لا من نموذج الدولة القادرة على صياغة خياراتها.

وتُظهر الورقة أن أخطر ما يواجه العراق في هذه المرحلة ليس الضغوط الخارجية بذاتها، بل تفاعلها مع الانقسام الداخلي، ولا سيما داخل البيت الشيعي، حيث يتحول الخلاف من تنافس سياسي إلى صراع على وظيفة الدولة وحدود سيادتها، فغياب مركز قرار موحد واستمرار ازدواجية السلاح والسلطة يضعف قدرة الحكومة على التفاوض، ويجعل سياسة “إدارة الوقت” خياراً قصير الأمد يراكم الكلفة بدل تأجيلها، كما أن تباين مقاربات القوى السنية والكردية، رغم طابعه البراغماتي، يزيد من هشاشة الموقف الوطني ويحدّ من فرص بلورة مسار جامع.

وفي هذا السياق، يصبح تشكيل الحكومة المقبلة أكثر من استحقاق دستوري؛ إنه اختبار سيادي يكشف ما إذا كان النظام السياسي قادراً على إنتاج سلطة تمتلك الحد الأدنى من التماسك والقدرة على الضبط، أم أنه سيعيد إنتاج حكومة تسويات هشة تُدار تحت سقف التوازنات الخارجية، فتركيبة الحكومة وبرنامجها وعلاقتها بالفواعل المسلحة ستحدد ما إذا كان العراق سيتجه نحو اندماج محسوب في منظومة الاستقرار الإقليمي أو نحو مزيد من الأقلمة وتحويل الملف العراقي إلى شأن أمني إقليمي دائم.

في المحصلة، لا تطلب الولايات المتحدة من العراق أن يكون حليفاً كاملاً -في الوقت الراهن-، لكنها تطلب منه أن يكون دولة قابلة للضبط وغير معادية وقادرة على إدارة سلوكها الداخلي بما لا يهدد الترتيب الإقليمي الجديد، أما استمرار المراوحة وتوسيع سياسة الرمادية دون أفق، فيعني تضييق هامش المناورة وارتفاع كلفة أي قرار لاحق، وربما فرض خيارات قسرية من الخارج.

وعليه، فإن اللحظة الراهنة تمثل فرصة ضيقة ومحدودة زمنياً أمام صانع القرار العراقي: إما الشروع في إعادة تعريف وظيفة الدولة وتعزيز قدرتها على الاحتكار والضبط ولو تدريجياً، أو القبول الضمني بمسار يُكرّس العراق كساحة تفاعل إقليمي تُدار فيها التوازنات لا كدولة تصنع خياراتها بتفاهمات الخارج.

الهوامش:

(1)The White House, National Security Strategy of the United States (Washington, DC: The White House, 2025), 29.

(²) H. Boyd et al., The Evolving Dynamics of China’s Middle East and North Africa Strategy (London: International Institute for Strategic Studies, 2025), accessed December 16, 2025,
https://www.iiss.org/globalassets/media-library—content–migration/files/research-papers/2025/05/chinas-middle-east-and-north-africa-strategy/the-evolving-dynamics-of-china-middle-east-and-north-africa-strategy_future-scenarios.pdf.

(³)مركز الجزيرة للدراسات، «بعد حرب غزة: تغيّر خرائط القوى في الشرق الأوسط»، 9 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع 17 ديسمبر 2025،
https://studies.aljazeera.net/ar/article/6378.

() جولة ترمب الخليجية: مقاربة براغماتية يجسّدها مبدأ “أميركا أولًا”»، 2025، تاريخ الاطلاع 17 ديسمبر 2025،
https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/trumps-gulf-tour-a-pragmatic-america-first-approach.aspx.

() American Foreign Service Association, “Special Envoys, Representatives, and Coordinators,” accessed December 16, 2025,
https://afsa.org/special-envoys-representatives-and-coordinators.

() James Jeffry and David Schenker, Iraq’s Election: Outcomes and Next Steps (Washington, DC: The Washington Institute for Near East Policy, 2025), accessed December 17, 2025,
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/iraqs-election-outcomes-and-next-steps.

() Renad Mansour, “Iraq’s Fragile Stability Is Threatened by a Shifting Middle Eastern Order,” accessed December 17, 2025,
https://www.chathamhouse.org/2025/06/iraqs-fragile-stability-threatened-shifting-middle-eastern-order.

() Fatih Aygün, The Rise of Identity Politics in Iraq: Institutional Consolidation, Sectarian Polarization, and the Israel–Iran Conflict (Ankara: ORSAM – Center for Middle Eastern Studies, 2025), accessed December 15, 2025,
https://orsam.org.tr/en/yayinlar/the-rise-of-identity-politics-in-iraq-institutional-consolidation-sectarian-polarization-and-the-israel-iran-conflict/.

() Wladimir van Wilgenburg, “Toward a New Compromise in Iraq?” Carnegie Endowment for International Peace, accessed December 17, 2025,
https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2025/12/toward-a-new-compromise-in-iraq?lang=en.

(10) البيان للدراسات والتخطيط، «العقوبات الاقتصادية على إيران: بوابة لصراع إقليمي محتمل»، 2025، تاريخ الاطلاع 17 ديسمبر 2025،
https://www.bayancenter.org/2025/09/14460/.

Talha Al-Dossari

المدير التنفيذي لمركز العراق للدراسات الاستشرافية، باحث مقيم لـشؤون العراق الإقليمية والدولية، حاصل على ماجستير في العلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى