اغتيال المواطن الأمريكي في بغداد- دلالات التوقيت

أثار  مقتل المواطن الأمريكي ستيفن ترويل، يوم الإثنين، من قبل مجموعة مجهولة في بغداد، الكثير من التساؤلات حول الجهات التي نفذت الجريمة وطبيعتها وفيما إذا كانت تهدف إلى إيصال رسائل سياسية من هذا الاغتيال نظراً للتوقيت الحساس،

Image

 

أثار  مقتل المواطن الأمريكي ستيفن ترويل، يوم الإثنين، من قبل مجموعة مجهولة في بغداد، الكثير من التساؤلات حول الجهات التي نفذت الجريمة وطبيعتها وفيما إذا كانت تهدف إلى إيصال رسائل سياسية من هذا الاغتيال نظراً للتوقيت الحساس، والذي تبع تكليف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وكابينته الوزارية بدعم من الإطار التنسيقي المقرب من طهران، وسط ترحيب ودعم أمريكي ودولي مستغرب بالنظر الى طبيعة مسار العلاقة المتوترة حتى وقت قريب.

جاءت الحادثة في وقت يحاول فيه رئيس الوزراء الجديد بعث رسائل التطمين الى الجهات الدولية عن جديته في إصلاح الأوضاع في العراق عبر تبني منهاج وزاري يركز على مجموعة من الأولويات وعلى رأسها مكافحة الفساد في الدولة، الا أن التحدي الذي يفرض نفسه بشكل مستمر هو حقيقة وجود الفصائل والمجاميع المسلحة التي تستخدم السلاح بشكل يهدد الدولة ومصالحها، وهو الاختبار الأول من نوعه بالنسبة للسوداني في أسبوعه الثاني في المنصب.


شكوك حول الفاعل
رغم توعد السوداني والتشديد بأن مسألة الأمن في العراق "خط أحمر"، فلا تزال الجهات الحكومية تجري تحقيقاتها بهذا الشأن، ولكن حيثيات الجريمة تشير إلى ضعف الجهد الاستخباري الاستباقي الذي فشل في منع تنفيذ الجريمة أو ملاحقة الفاعل في ظل وضع أمني مستقر نسبياً منذ تشكيل حكومة السوداني.

إن حادثة مقتل المواطن الأمريكي في بغداد، لم تكن الحالة الأولى من نوعها في العراق، فقد سبقتها حوادث سابقة تسببت في مقتل العديد من الجنود والمدنيين بعد هجمات صاروخية على مواقع عدة للوجود الأمريكي في العراق بعد مقتل الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في بغداد بواسطة طائرة الدرون الأمريكي، تبنت مسؤوليتها فصائل جديدة تشكلت بغية الثأر لسليماني والمهندس، ترتبط بشكل أو بآخر بالفصائل الرسمية المسجلة ضمن قوات الحشد الشعبي المربة من طهران.

لفتت هذه الحادثة الانتباه لاسيما بما يخص التوقيت الذي تزامن مع مباشرة الحكومة لمهامها والمدعومة من الإطار التنسيقي المقرب من طهران، والذي يعتبر الغطاء السياسي لفصائل المقاومة الشيعية في العراق التي كانت في ما سبق تشن هجمات الثأر على المصالح الأمريكية في العراق، ولكنها وبعد تشكيلها لحكومة السوداني دخلت في حالة من التهدئة مع الأمريكان بغية الحصول على الدعم الدولي وخاصة الأمريكي مما يجعل مثل هذا الحدث في دائرة الشك في الوقت الذي تسعى فيه القوى السياسية العراقية المقربة من طهران الى إعادة رسم مسار العلاقة مع المجتمع الدولي من خلال حكومة السوداني، والذي قد يدفعنا للتساؤل عن ما إذا كانت الحادثة هي في حد ذاتها رسالة موجهة للسوداني أكثر منها للوجود الأمريكي في العراق.

من جانب آخر تشير بعض الجهات المقربة من الإطار التنسيقي بشكل غير صريح لاحتمالية تورط جهات محسوبة على التيار الصدري وفق فرضية المستفيد من إحراج الحكومة التي عارضها بقوة، رغم اعتزال زعيم التيار مقتدى الصدر للشأن السياسي منذ فترة إلا أن البعض يعتقد بأنه أحد المستفيدين من فشل حكومة السوداني بسبب ظروف تشكيلها وارتباطها بغريمه السياسي نوري المالكي، والتي أدت إلى انسحاب الصدر من المشاركة السياسية.

ردود الفعل الأمريكية
بخلاف السابق، كان رد الفعل الأمريكي يقتصر على المسار الدبلوماسي –حتى الآن– والذي عبرت عنه سفيرة الولايات المتحدة في العراق الينا رومانوسكي في بيان لها أمس الأثنين، بأن السفارة الأمريكية "تراقب عن كثب تحقيق السلطات المحلية"، فيما كانت الردود الأمريكية السابقة أكثر حدة وتصعيداً إلا ان تصريح السفيرة الأخير يدل على وجود استمرار الدعم الأمريكي لحكومة السوداني في رد فعل مغاير لطبيعة ردود الأفعال التي لحقت مقتل سليماني والمهندس، والتي كانت تتخذ فيه واشنطن قرار الاحتفاظ بالرد أو الرد المباشر وحتى الردع الاستباقي كما هو الحال في مقتل سليماني والمهندس.

ويمكن أن نعزو طبيعة الرد إلى استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية التي تم الإعلان عنها منتصف الشهر الماضي وتبني واشنطن لمبدأ "خفض التوترات وخفض التصعيد وإنهاء الصراعات حيثما أمكن ذلك بالدبلوماسية" في استراتيجيتها تجاه منطقة الشرق الأوسط وصرف جهودها على الصراع مع روسيا والصعود الصيني، وفي هذا السياق يمكن فهم طبيعة التوجه الأمريكي الذي قبل بحكومة السوداني رغم قرب داعميها من طهران آخذة بعين الاعتبارات توتر العلاقة مع السعودية  وحاجة الولايات المتحدة إلى الدول المصدرة للنفط في ظل أوضاع الحرب الروسية-الأوكرانية، وبالتالي فإن واشنطن قد تلتزم بالمسار الدبلوماسي في الحادث الأخير نظراً للمعطيات السابقة وتوجهات إدارة جو بايدن في واشنطن.

أوضاع غير مستقرة
بالنظر الى طبيعة الاستقطاب المجتمعي الذي تسبب به الانسداد السياسي لاسيما بين الأطراف السياسية الشيعية وأتباعها، والإحباط الذي أصاب الجماهير العراقية التي طالبت بالتغيير ولكن إصرار القوى السياسية وخاصة المقربة من طهران على التمسك بالمحاصصة التي رفضتها جماهير تشرين وبقوة، ومن جهة أخرى شعور الصدر وتياره بالخسارة مما يجعل الحكومة مهددة تحت أي ظروف للعودة الى مسار الفوضى سواء بفشل الحكومة في تلبية مطالب الناس الخدمية والاجتماعية أو استفزازها للتيار الصدري مما يعيده إلى التصعيد، خاصة وأنه غادر مرغماً بعد فشل مشروع الأغلبية السياسية رغم فوزه بأغلبية مقاعد البرلمان، وهو الأمر الذي حذرت منه مبعوثة الأمم المتحدة في العراق جنين بلاسخارت في إحاطتها لمجلس الأمن في أوائل شهر أكتوبر الماضي قائلة بأن "أصغر شرارة قد تكون كافية للوصول بالبلد إلى كارثة".

لذلك يمكن وصف الأوضاع بالعراق بأنها مهيئة للعودة إلى الفوضى إذا لم تلتزم جميع الأطراف هي وأتباعها -بلا استثناء- بضبط النفس، وقد تكون الجريمة الأخيرة كانت في هدف خلق الفوضى، بغض النظر عن الفاعل فإن مواقف الأطراف السياسية -سواء المشاركة أو المقاطعة- المسؤولة عن خلق بيئة مستقطبة قابلة لإعادة سيناريو الصدام مجدداً مع استمرار نفس المعطيات وانحسار مؤشرات التغيير الذي طالبت به القوى الاجتماعية الفاعلة.

lang.evaluate content

التعليقات السابقة