
يشكل ائتلاف “الإعمار والتنمية”، الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ظاهرة سياسية بارزة في المشهد العراقي، لا سيما بعد تصدره نتائج الانتخابات بأعلى عدد من الأصوات والمقاعد على مستوى التحالفات، إن تحليل هيكلية هذا الائتلاف، ودور الفصائل داخله، والتكهن بمصيره المستقبلي يمثل مدخلاً أساسياً لفهم ديناميكيات تشكيل الحكومة المقبلة وإمكانية تجديد ولاية السوداني.
نتائج الإعمار والتنمية بالانتخابات الاخيرة:
يمثل ائتلاف “الإعمار والتنمية” ثقلاً كبيراً يرتكز على قاعدته الجماهيرية الواسعة والتمثيل المتنوع نسبياً داخل الإطار التنسيقي الشيعي، الذي يضم أبرز القيادات الشيعية.
الهيكل البنيوي والانتخابي لائتلاف الإعمار والتنمية
1. قائد التحالف: محمد شياع السوداني
يُعد السوداني رأس التحالف وزعيم تيار الفراتين، وقد حصد 92,514 صوتًا في بغداد ليكون ثاني أعلى الفائزين في العراق والأول في بغداد، ما يعكس ثقله الشخصي وقاعدة التأييد الواسعة التي يمتلكها، ويعزز مكانته كمرشح قوي لقيادة الحكومة المقبلة.
2. إجمالي أصوات التحالف: 1,290,815 صوتًا
حقق التحالف أعلى عدد من الأصوات على مستوى العراق، ليصبح الكتلة الأكبر من حيث التفويض الشعبي المباشر بين جميع التحالفات، وهو ما يمنح قيادته قدرة أكبر على رسم اتجاهات التفاوض السياسية.
3. إجمالي المقاعد: 46 مقعدًا
يمثل التحالف أكبر كتلة نيابية في البرلمان المقبل، وهو ما يضعه في موقع مركزي في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، سواء عبر قيادة التفاوض أو فرض معادلة التحالفات.
4. الأحزاب والكيانات السياسية المنضوية داخل ائتلاف الإعمار والتنمية
هذا التنوّع يشكل تركيبة متعددة الاتجاهات ضمن الإطار التنسيقي أو القوى المقربة منه، ويهدف إلى جمع طيف واسع من القواعد السياسية والانتخابية، إضافة إلى تجاوز القيود القانونية والتنظيمية المرتبطة بالانتخابات.
وتشمل مكوناته الآتي:
- تيار الفراتين – بزعامة محمد شياع السوداني.
- ائتلاف الوطنية – بزعامة إياد علاوي.
- تحالف العقد الوطني – بزعامة فالح الفياض.
- إبداع كربلاء – بزعامة نصيف الخطابي.
- تجمع بلاد سومر – بزعامة أحمد الأسدي.
- حركة انصار الله الاوفياء – بقيادة حيدر الغراوي.
- تجمع أجيال – بزعامة محمد الصيهود.
- تحالف حلول – بقيادة محمد صاحب الدراجي.
- حركة ارادة – بزعامة حنان الفتلاوي.
- شخصيات مستقلة – من مختلف المحافظات.
| عدد المقاعد | اصوات الفائزين | أحزاب ائتلاف الإعمار والتنمية الفائزين |
| 11 | 131,763 | العقد الوطني |
| 4 | 33,090 | سومريون |
| 3 | 26,262 | انصار الله الاوفياء |
| 2 | 15,369 | ابداع كربلاء |
| 2 | 17,173 | حركة ارادة |
| 1 | 4,153 | ائتلاف الوطنية |
| 23 | 336,528 | تيار الفراتين وباقي المستقلين |
5. التمثيل الجغرافي: 12 محافظة مشاركة
يتمتع التحالف بانتشار انتخابي واسع يمتد في 12 محافظة، ما يبرهن على حضوره الوطني وعدم اقتصاره على بيئة اجتماعية أو سياسية محددة، وهو ما يعزز شرعيته كقائمة جامعة او متعددة الهويات قادرة على خوض مفاوضات الحكم ضمن نطاق وطني أوسع.
ثقل الفصائل المسلحة داخل الاعمار والتنمية:
يمثل وجود الأحزاب ذات الأجنحة المسلحة داخل ائتلاف الإعمار والتنمية عامل قوة وهشاشة في آن واحد، فهي تمنح التحالف قدرة تنظيمية وتعبوية جيدة، وتعزز نفوذه في التفاوض السياسي، لكنها في الوقت نفسه قد تكون نقطة ضعف في حال تفكك التحالف أو إعادة تشكّل الاصطفافات وانخراط الأحزاب في تحالفات اكبر مع فصائل اخرى، خصوصاً مع الضغوط الدولية والعقوبات المحتملة على فصائل اخرى، وكذلك القيود القانونية التي تمنع امتلاك الأحزاب لأي تشكيل مسلح في العملية السياسية، إدارة هذا التوازن بين القوة التنظيمية والشرعية أمر مقلق لمستقبل التحالف، والاحزاب هي:
- تحالف العقد الوطني (فالح الفياض):
- الأصوات والمقاعد: 292,843 صوتاً و 11 مقعداً.
- يمثل ثقلاً كبيراً داخل الائتلاف، يرتبط برئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض. هذه الكتلة تضمن للإعمار والتنمية سيطرة قوية على مسار الحكومة، وتشكل ركيزة أساسية لأي قرار بفك أو إبقاء الائتلاف.
- تجمع بلاد سومر (أحمد الأسدي):
- المقاعد: 4 مقاعد بمجموع 68,512 صوتًا.
- يرتبط بـكتائب جند الإمام، أحمد الأسدي والمتحدث السابق لهيئة الحشد الشعبي و وزير العمل والشؤون الاجتماعية، ويمثل وجود فصائلي واضح، وجوده يعزز البنية الفصائلية للائتلاف كذلك يمتلك الاسدي حضور في حزب سياسي آخر منفرد شارك في محافظات من دون ائتلاف الإعمار والتنمية وحصد بها مقعدين.
- حركة أنصار الله الأوفياء (حيدر الغراوي):
- النتائج: 26،262 صوتًا لـ3 مقاعد.
- يشير وجود هذا فصيل انصار الله الاوفياء وهو من الفصائل البارزة في المشهد الأمني والسياسي العراقي، إلى أن الأعمار والتنمية ليس تيار مدني او وطني فقط، بل هو تجميع تكتيكي للقوى الشيعية المهيمنة، بما في ذلك أجنحتها السياسية المرتبطة بالفصائل.
يشكل وجود هذه المكونات قوة ضغط وضمانة للاستمرارية السياسية للإعمار والتنمية، لكن في حال تشكيل الحكومة، غالباً ما تتحول هذه الكتل الفصائلية والاحزاب الاخرى إلى أحزاب مطالبة بحصص وزارية ومناصب، وقد يكون تفكيك الائتلاف بعد الانتخابات هو الخطوة الطبيعية لتحرير هذه الكتل للمشاركة في التشكيلة الحكومية كلٌ باسمه وحصته أو ضمن اصطفافات اخرى.
الفرق بين “الإعمار والتنمية” و “النصر”:هل سيواجه السوداني مصير العبادي عام 2018؟
| الوجه المقارن | ائتلاف الإعمار والتنمية (السوداني) | ائتلاف النصر (حيدر العبادي – 2018) |
| المرجعية السياسية | جزء رئيسي من الإطار التنسيقي. | تحالف عابر للطائفية (ظاهرياً) حاول الانفصال عن مرجعية “دولة القانون” وتحالفات الكتل الشيعية التقليدية. |
| قائد الائتلاف | محمد شياع السوداني: يُعتبر مرشحًا توافقيًا لدى بعض قيادات الإطار، لكنه يواجه معارضة قوية من شخصيات بارزة مثل المالكي. | حيدر العبادي: شخصية حاولت الاستقلال والتمرد على مرجعية التحالفات الشيعية الأكبر، ولم يحظَ بدعم كتلة رئيسية واحدة. |
| القوة التكتيكية الداخلية | يضم أحزاباً تمثل الفصائل المسلحة (العقد الوطني وبلاد سومر و انصار الله الاوفياء)، مما يجعله أكثر توازنا بالقرار مع بقية كتل الإطار ذات الفصائل. | كان مزيجاً أضعف من التيارات المدنية والمستقلين الذين لم يمتلكوا قوة تنظيمية مركزية. |
سيناريوهات التحالفات:
تتأثر الحكومة العراقية المقبلة بشكل عميق بالتحالفات ما بعد الانتخابات وإن تفكيك ائتلاف “الإعمار والتنمية” سيكون خطوة محتملة داخل الإطار التنسيقي ربما تخدم في إعادة ترتيب البيئة التفاوضية، لكن الائتلافات الأوسع داخل الإطار التنسيقي هي التي تقرر مسار الحكومة وتشكيل التوازنات.
- دور الإطار التنسيقي: الائتلاف جزء من المظلة الأكبر وهي الإطار التنسيقي الشيعي، القرار النهائي بشأن رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة لا يصدر عن “الإعمار والتنمية” بحد ذاته، بل عن الإطار الذي يضم زعامات أكبر (المالكي، العامري، عمار الحكيم…). قوة السوداني تأتي من كونه حاليا الكتلة الأكبر داخل الإطار.
- التوازنات الإقليمية (إيران): تعتمد القوى الرئيسية في الإطار التنسيقي على علاقات وثيقة مع إيران، من المرجح أن تدعم طهران بقاء السوداني في منصبه طالما أنه يخدم مصالح “محور المقاومة” ويحافظ على استقرار الحكومة من منظور الإطار، تفكيك الائتلاف لن يغير هذا الدعم، بل قد يسهل توزيع المناصب بين حلفاء إيران.
- التوازنات الدولية (الولايات المتحدة): يمثل السوداني توازناً صعباً بين حلفاء إيران وضرورة الحفاظ على علاقة عمل مع الولايات المتحدة (خاصة فيما يتعلق بهيمنة الفصائل، والملف الاقتصادي وتهريب العملة والعلاقة مع إيران)، بقاؤه مرهون بقدرته على إدارة هذه العلاقة المتوترة، تفكيك الائتلاف لن يؤثر على موقفه الدولي بقدر ما تؤثر عليه قرارات الإطار التنسيقي.
ثانياً: السيناريوهات المتوقعة لمصير الائتلاف:
السيناريو الأول:تفكيك الفشل (الارجح)
- يحدث إذا قرر الإطار التنسيقي سحب الثقة من السوداني، بسبب ضغوط داخلية (تنافس قادة الإطار) أو خارجية (فشل في إدارة علاقة معينة)، في هذه الحالة، يمكن أن تنسحب كتل كبرى من الائتلاف (مثل العقد الوطني)، مما يقلل من ثقل السوداني ويدفعه إلى مصير العبادي.
النتيجة على السوداني: إذا لم يستطع السوداني تأمين إجماع الإطار التنسيقي وتأييد الكتل السنية والكردية، فإنه قد يخسر رئاسة الحكومة، لعدم وجود مرشح شيعي قوي بديل يحظى بإجماع الإطار حالياً.
السيناريو الثاني: التفكيك “الإيجابي” التكتيكي (الاقل احتمالا)
- بعد الانتخابات، يُعد تفكيك الائتلافات الكبيرة أمراً طبيعياً في العملية السياسية العراقية، يتم ذلك لتتمكن المكونات الفائزة (العقد الوطني، بلاد سومر، ارادة، ابداع كربلاء إلخ) من الانضمام إلى “الكتلة الأكبر” المطلوبة لتشكيل الحكومة، ولضمان حصول كل حزب على حصته التفاوضية في التشكيلة الحكومية الجديدة.
- النتيجة على السوداني: لن يؤدي هذا التفكيك إلى إضعاف موقفه، بل هو خطوة ضرورية لتجديد ولايته، سيقدم السوداني نفسه كمرشح الإطار التنسيقي وليس فقط مرشح “الإعمار والتنمية”، وسيستخدم مقاعد تحالفه (46 مقعداً) كنواة للكتلة الأكبر.
ثالثاً: هل يمكن للسوداني تشكيل الحكومة وتجديد الولاية؟
- الأداء الحكومي: استطاع السوداني تحقيق استقرار نسبي في إدارة الملفات اليومية، وخاصة الخدمية والمالية، مما وفر غطاءً شعبياً مؤقتاً لولايته.
- التفكيك التكتيكي: التفكيك المرتقب للائتلاف هو مجرد إعادة هيكلة لقوى الإطار استعداداً للمفاوضات، وليس بالضرورة ناتجاً عن خلاف جوهري مع السوداني.
يجب الإشارة إلى أن فوز 6 مرشحين من المكون السني ضمن قائمة “الإعمار والتنمية” يمثل خطوة تكتيكية مهمة، حيث توزع هؤلاء على النحو التالي: 3 مرشحين عن تحالف العقد الوطني بقيادة فالح الفياض من الحشود العشائرية السنية في نينوى، و3 مرشحين عن تيار الفراتين، منهم واحد عن نينوى ومقعدين عن صلاح الدين.
- يهدف الائتلاف إلى إظهار صبغة عابرة للمكونات أو على الأقل تحقيق اختراق في البيئة السنية، خاصة في محافظات مختلطة، هذا التمثيل السني يعزز حجة السوداني في مفاوضات تشكيل الحكومة بضرورة تمثيل مختلف المكونات ضمن تحالفه.
- هؤلاء النواب السنة الستة سيصبحون جزءاً من كتلة السوداني الصلبة، مما يمنحه ورقة ضغط إضافية في مفاوضاته مع الكتل السنية التقليدية (مثل حزب تقدم او تحالف السيادة أو العزم).
سيناريوهات ما بعد الانتخابات
| السيناريو | الآلية المتوقعة | التأثير على السوداني | احتمالية الحدوث |
| التفكك التكتيكي | تفكيك الائتلاف بعد إعلان النتائج النهائية. انضمام الكتل الـ46 (بالتجزئة) إلى الكتلة الأكبر بقيادة الإطار التنسيقي. | مرشح أقوى لتجديد الولاية. يستخدم مقاعد الـ 46 كنواة صلبة له. | مرتفعة جدًا |
| الضغط البديل | ظهور مرشح شيعي آخر مقبول لدى الإطار التنسيقي (لأي سبب طارئ). | خسارة رئاسة الوزراء. قد يصبح زعيماً لكتلة برلمانية كبيرة وجزء من التشكيل الوزاري القادم (في حال عدم تفكك الائتلاف بالكامل). | مرتفعة |
| تجديد الولاية بالإجماع | اتفاق الإطار التنسيقي على ترشيح السوداني، وتأمين تمريره للكتل الكردية والسنية الرئيسية. | رئيس وزراء للولاية الثانية. تضمن استمرار مساره الإصلاحي المعلن. | الأقل ترجيحًا |



