التقاريرالأوراق التحليلية
أخر الأخبار

خيــارات الـعراق الصـعــبة: تفاعلات الداخل مع تحولات الخارج

ملخص تنفيذي
تتصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل نحو مرحلة أكثر انفتاحاً وخطورة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات رئيسية صعبة: استمرار الحرب وفق الموازين الحالية أو انكفاء إيران وهيمنة إسرائيل أو انهيار النظام الإيراني أو تفوّق إيران وتراجع النفوذ الغربي، كل سيناريو يفرض مسارات مختلفة على المشهد العراقي؛ إذ تواجه الحكومة ضغوطاً في التوازن بين واشنطن وطهران، بينما قد تنشط الفصائل المسلحة ضمن ”محور المقاومة“، مقابل تفاعل القوى الداخلية المُشكّلة للمشهد العراقي، يتغيّر تموضع هذه القوى مع كل سيناريو، ما يجعل العراق بيئة حساسة لأي تغير في المنطقة، إقليمياً، تتابع تركيا والسعودية والخليج تحولات موازين القوى لتأمين مصالحها الجيوسياسية، في حين تنخرط الولايات المتحدة وإسرائيل في محاولات لاحتواء النفوذ الإيراني عبر أدوات عسكرية ودبلوماسية، تعكس هذه السيناريوهات مساراً مفتوحًا على احتمالات التصعيد، وتضع العراق أمام خيارات صعبة بين الحياد أو الاستقطاب أو الانزلاق إلى دائرة المواجهة.

الصراع الإقليمي وطبيعة التحولات:

تمثل الحرب المعلنة بين إيران واسرائيل واحدة من محطات التصعيد غير المسبوق في سياق الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، والذي أخذ -طيلة الفترة الماضية- شكلاً معقداً من الحروب بالوكالة والضربات المحدودة الجوية والسيبرانية والمهمات الاستخبارية واستهدافات المصالح، حول فيها الطرفان كل ما يمكن من وسائل سياسية واقتصادية في هذا المجال ابتداءاً من تنافس المحاور الدولية والإقليمية لصالحهما، واستفاد كلا الطرفين من طبيعة جغرافية المنطقة الممتدة وطبيعة التفاعلات فيها كساحة للصراع تتجاوز حدودهما لتطال دولاً عدة وكان العراق في مقدمتها، وصولاً إلى هذه المرحلة من الاشتباك المباشر والمستمر والذي أخذ طوراً مختلفاً من الصراع، تزداد احتمالية ارتفاع المخاطر على العراق الذي يعد ساحة جيو-استراتيجية مهمة وبيئة رخوة لكلا الطرفين.

الطبيعة العسكرية للحرب:

خلال أيام من التصعيد العسكري المتواصل، شهدت المنطقة تبادلاً كثيفاً للضربات على عدة جبهات وتنوعاً في الوسائل والهجمات: 

  • نفذت إسرائيل هجمات جوّية دقيقة وتسلسلية، شملت سلسلة غارات جوية واستباقية داخل عمق إيران، تجاوزت 280 ضربة على مواقع عسكري وحيوي (منشآت نووية ونقاط إطلاق صواريخ وبنايات قيادية)، واستغلت نقطة التفوق التكنولوجي العسكري مثل طائرات F‑35 وF‑15، ودمجها مع العنصر الاستخباراتي من الموساد باستخدام طائرات مسيّرة داخلية و استهداف قواعد الحرس الثوري وعلماء نوويين وقادة أمنيين كبار شملت الصف القيادي بنطاق واسع وحتى البدلاء الجدد للقادة السابقين وركزت الضربات الجوية الدقيقة داخل الأراضي الإيرانية على استهداف الأساس العسكري-النووي الإيراني.

النطاق الجغرافي: تركزت الضربات على مواقع مختلفة في الجغرافية الايرانية أهمها طهران، نطنز، أصفهان وكرمنشاه، وكما موضح في الخريطة (1).

            خريطة رقم (١)

AD 4nXdzb MpUYHPLAKW5f8vJH9iBAl Xb0JoMeabDBw2q5lZdVtRG WCvxY0mHGu4 Tnpf3u8FsOXQJNfz8469xoheHSEn6nR 2nLUPt nxRfyFdX bmdRBDqwLfhRHLNo6 tS5AiebSg?key=PyNOj5BlSHL9uohXS 9QAQ
  • إيران، ردت بإطلاق مئات الصواريخ الباليستية وطائرات مسيّرة عبر موجات متكررة نجحت فيها باختراق منظومة دفاع القبة الحديدية وإحداث ضرر في مراكز ومنشآت استراتيجية وحيوية، واعتمدت في الرد على استراتيجية الإغراق الكثيف بالصواريخ والطائرات المسيّرة متعددة المحاور، ونجحت بعض الصواريخ والطائرات في اختراق منظومة القبة الحديدية محدثة أضرارًا في منشآت استراتيجية بما في ذلك مصفاة للنفط ومعهد علمي.

النطاق الجغرافي: تركزت الضربات على تل أبيب، حيفا، قواعد جوية ومراكز استخباراتية منتشرة داخل إسرائيل، وكما موضح في الخريطة (2).

خريطة رقم (2)

AD 4nXeznHCs99nXeeOQsnFyIfA QLPWP4sC0wHnb3kIr z7AfmpSzu1

مسارات الحرب المحتملة: 

  1. السيناريو الأول: استمرار الحرب وفقاً للموازين الحالية (لا حسم)

يعتمد هذا السيناريو على انعدام مؤشرات توقف الحرب في ظل تلاشي الإرادة الدولية للقوى المؤثرة في التدخل بشكل حاسم لوضع نهاية للصراع ونقصد بالدرجة الأساس الولايات المتحدة وأوروبا فهي المستفيد من حالة الضغط التي يمر بها النظام الإيراني في وقت تريد فيه هذه الدول إيران متضررة للقبول بمفاوضات بشروط غربية تدفعها للتنازل أكثر في ما يخص ملفها النووي، فضلاً عن دعمها لتعزيز حضور اسرائيل في المنطقة وامدادها للحفاظ على صورة انتصار في الداخل الإسرائيلي والإقليمي.

من جانب آخر، ضعف التزام حلفاء إيران مثل روسيا والصين تبعاً لحسابات صراعهم الدولي مع الولايات المتحدة والغرب وارتباط هذه الحسابات مع ملفات أخرى مثل أوكرانيا وتايوان، فضلاً عن الصراع الاقتصادي المستمر.

اقليمياً، تحرص دول المنطقة على عدم اتساع رقعة الصراع بما لا يمس مصالحها، رغم استفادتها من إطالة أمد الحرب بما لا يجلب الفوضى، ولكنها متضررة أيضاً في حال خروج أحد أطراف الحرب منتصراً وفقاً للحسابات الجيوسياسية للمنطقة، لكنها تعارض وبقوة أي حالة مساس بالمفاعلات النووية الايرانية أو الاسرائيلية لما يمثله ذلك من خطر كبير على أمنها، فضلاً عن حسابات المصالح المباشرة مع أطراف الصراع، ويشمل ذلك كل من (تركيا والسعودية وباكستان ودول أخرى).

  1. السيناريو الثاني: ضعف إيران وانكفائها وصعود إسرائيل (هرمية القوى الإقليمية).

قد نرى هذا السيناريو في ظل دعم وامداد لا محدود لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة والغرب، مقابل تغليب إيران لحسابات الحفاظ على الوجود والنظام الحالي وتقديم التنازلات إذا ما شعرت: بجدية استعداد حلفاء الولايات المتحدة بالدخول على خط الصراع لحسمه، واستمرار ضعف انخراط حلفائها الدوليين لصالحها، وقد يشمل هذا السيناريو تحركات مؤلمة لإرضاخ إيران ودفعها نحو هذا الخيار، وهنا قد ينمو تيار أقل عداءاً للواجهة السياسية الايرانية، وقد تعمد الى إعادة تكييف نفوذها في الشرق الأوسط بما يتلائم مع الوضع الجديد لها.  

ومع اظهار ايران قدرة على امتصاص صدمة اغتيال الصف القيادي الأول الذي تمارسه اسرائيل (قد يكون الخيار الأكثر تطرفاً في هذا السيناريو، اغتيال المرشد الأعلى وفي نفس الوقت تقرر فيه مراكز صنع القرار في النظام السياسي بالدفع ببديل عنه مقابل بقاء النظام والحفاظ على ما تبقى) أو أن هذا الخيار قد يأخذنا الى السيناريو الثالث (يعتمد على طبيعة استجابة النظام الإيراني)

  1. السيناريو الثالث: انهيار النظام الإيراني واتساع رقعة الفوضى.

لا يزال هذا السيناريو حاضراً في دائرة التلويح والضغط لدى إسرائيل والولايات المتحدة، متمثلاً بالتهديد باغتيال المرشد الأعلى، ولكنه قد يخرج الى دائرة الفعل في اللحظة التي يقرر فيها الطرفان تصعيد الحرب الى مستوى أبعد مما شهدناه في الأيام الماضية، وهو ما لا تريده طهران على الأقل من خلال متابعة مستوى هجماتها وتصريحات مسؤوليها حتى اللحظة، في حين أن اسرائيل وضعته ضمن خياراتها المطروحة في اليوم الأخير للحرب المستمرة، ولكن هذا السيناريو يعني تغييرات جذرية في الشرق الاوسط وموازين القوى الإقليمية  والدولية، ويطرح تساؤلات حول مدى استعداد العالم للتعامل مع فوضى جديدة مضافة الى حالة الهشاشة في الشرق الأوسط والتي ستتسع وصولاً إلى شرق آسيا.

ويعتمد هذا السيناريو على قبول الولايات المتحدة للذهاب نحو هذا الحد من التغيير، وهذا لا يبدو ضمن أولويات مصلحتها في المرحلة الأولى للحرب والتي عبرت عنها بشكل متكرر بمحاولات جر إيران الى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، مضافاً لذلك ما سيترتب عليه من تدخلات دولية واقليمية على رقعة الفوضى ومحاولات إغراق الغرب فيها.

دول الإقليم تسعى بكل امكانياتها لمنع هذا السيناريو، ولكنها ستضطر للتعامل معه كأمر واقع اذا ما حصل، ولكن بعضها سيتحول إلى مسافة أقرب للصراع مع اسرائيل مثل تركيا وباكستان وبالتالي ستحرص على إشغال اسرائيل بهذه الفوضى من خلال توسعة الرقعة بما لا يضر أمنها وحدودها، في حين قد تذهب دول أخرى للالتصاق أكثر بالحليف الغربي لحماية نفسها من الفوضى وتوجيهها بعيداً عنها والتعامل مع اسرائيل كحليف أمني.

  1. السيناريو الرابع: تفوق إيران والحفاظ على النفوذ الإقليمي مقابل تراجع اسرائيل (تراجع النفوذ الغربي).

في ظل دعم غربي واضح ومفتوح لاسرائيل قد يبدو أن هذا السيناريو مستبعداً، ولكن إذا ما قررت هذه القوى البقاء على الحياد أو استطاعت إيران وحلفائها تحييدها -رغم صعوبة ذلك-، وادارة حسابات الصراع لصالحها فإننا قد نرى أحد أشكال هذا المسار مقابل توقف الحرب في لحظة مناسبة للحسابات الايرانية وصعود كفة ميزان الردع الإيراني وتراجع فاعلية الضربات الاسرائيلية في ظل تقييد دولي لذلك، قد تراهن فيه إيران على المعادلة الداخلية الاسرائيلية واستنزاف العنصر البشري لشعب اسرائيل، ورفع مستوى الضربات النوعية بما يسبب هزة وجودية لكيان الدولة الإسرائيلية مقابل استمرار ايران بقدرتها على الصمود وامتصاص الضربات واختيار التوقيت المناسب لتزامن الجهد الدبلوماسي مع الواقع العسكري على الأرض.

وقد تحاول إيران في ذلك الاستفادة من رغبة القوى الإقليمية وضغطهم في إنهاء الحرب من خلال ربط مصلحة أمنها القومي مع أمن دول الإقليم في التوقيت المناسب، مقابل ترتيبات إقليمية بين قوى المنطقة والاتفاق على مساحات مصلحة تكسب فيها القوى الإقليمية على المدى القريب، وتكسب فيها إيران صورة الانتصار على اسرائيل مقابل تنازلات لقوى اقليمية اخرى، وسط حسابات باستعادة تلك المكتسبات مرة أخرى على المدى البعيد، في تلك اللحظة يمكن إضفاء الواقعية على مثل هذا السيناريو -وهي حالة مستبعدة-، وسط شكوك بإمكانية قبول دول الغرب بمثل هذا المشهد.

ملاحظات:

  • إن انعدام وجود قنوات التهدئة من داخل أطراف الصراع، يعني بالضرورة أن الحلول موجودة في الخارج بيد القوى الدولية ويعتمد على مقدار جدية الدول الاقليمية في الضغط لإنهاء حالة الصراع.
  • قد يعمد أحد الطرفين الى تبني نهج القضاء الكامل على الآخر واستخدام الشكل الأكثر تطرفاً للحرب لانهاءها بالقضاء على الطرف الآخر.

العراق: هشاشة في الداخل والخارج

يعاني العراق من هشاشة أمنية وسياسية منذ عقود، ويعتمد في استقراره على معادلة توازن إقليمي أكثر هشاشة، ويعتبر متأثراً بشكل كبير بالأحداث الدولية، خاصة وأنه بات ساحة للنفوذ الإيراني من جهة، وللهجمات الإسرائيلية التي تستهدف هذا النفوذ من جهة أخرى، وتحول الى ميدان مواجهة في مناسبات عديدة رغم محاولات الدولة فيه للحفاظ على توازن مع الطرفين عبر بوابة الولايات المتحدة والغرب، ولكن هذا التوازن لطالما كان هشاً لارتباطه بطبيعة الصراع الدائر خارج حدوده وانعكاسه المباشر على وضعه الداخلي الذي يتكون من عدة فواعل ترتبط بأطراف الصراع، وبعلاقات متباينة تختلف في طبيعة تفاعلها مع المتغيرات الاقليمية بعيداً عن الموقف الرسمي للدولة من جهة، وفي الوقت ذاته تشكل اتجاهات الدولة السياسية من خلال نفوذها من الداخل، وتنتهج ثنائيات متناقضة في بعض الأحيان لدعم مصالحها المرتبطة باستمرار وجودها العابر للحدود، ومحاولة الحفاظ على نفوذها وسيطرتها على الدولة  -من جانب آخر- ، وفي آن واحد، في الوقت الذي تدفع فيه الأوضاع والضغط الدولي العراق لمفترق طرق، فيما يخص هذه الفواعل على وجه الخصوص لتحديد موقفها من الحرب على اعتبارها حليفة لطهران ما لم تثبت عكس ذلك على الأرض، وبالتالي التعامل معها وفقاً لمقتضيات الحرب الاقليمية.

ولرسم مسار توقعات انعكاسات الحرب على العراق، ومما لا شك فيه بأن الحكم على العراق بصورة موقف موحد يتم اختزاله بموقف الدولة  والانطلاق منه نحو وضع تصورات حول طريقة تفاعله لا ينتمي للدقة بمكان؛ نظراً لطبيعة التشكل الداخلي لمراكز القوى فيه، ولذلك يصبح لزاماً علينا تحديد الفواعل الرئيسية في العراق، ومن ثم وضعها تحت إطار السيناريوهات الرئيسية للحرب وفقاً للمعطيات الراهنة، في محاولة لإنتاج مقاربة واقعية لشكل الاتجاهات التي ستذهب إليها هذه الفواعل في استجابتها مع الحدث في ظل سقف المصلحة العراقية والمصالح الخاصة لكل من هذه الفواعل.

أهم هذه الفواعل: 

  1. الحكومة: المؤسسات والشخصيات المؤثرة في الدولة والتي تدير مزيج التفاعلات الناتج من استجابة جميع القوى الداخلية الأخرى المساهمة في صنع القرار ضمن الظروف المستجدة في إطار الحفاظ على مصلحة الدولة العراقية، وهذا يعتمد بشكل كبير على نجاحها في تحدي إدارة التوجهات لدى الفواعل الأخرى وقدرتها على ضبطها وتوجيهها لصالح الدولة.
  1. القوى السياسية الشيعية:الأحزاب السياسية الشيعية، وهي الطرف المسيطر على معادلة الحكم في العراق، وتتباين في مواقفها السياسية تجاه النفوذ الإيراني وطبيعة انحيازها تجاه المشروع الإيراني، ولكنها تجتمع على ضرورة بقاء النظام السياسي الإيراني كظهير إقليمي وتتباين في درجة تبنيها واستعدادها للفعل لصالح هذه الضرورة.
  1. القوى السياسية السنية: وهي أحزاب مفرغة من المتبنيات الرئيسية الموجِهة لسلوكها السياسي -كنتيجة لطبيعة الصراع المكوناتي السابق-، تتبنى كل ما يوصلها للنفوذ داخل السلطة بغض النظر عن طبيعة التوازن، وتكيّف وضعها الداخلي والخارجي بحسب ما تقتضيه معادلة المصلحة الخاصة.
  1. القوى السياسية الكردية: أحزاب تتبنى المشروع الكردي بشكله القومي ومن ثم المصلحة والسلطة على النفوذ -ومع انهيار سقف التنسيق في المشروع الكردي- ادى اختلاف الرؤى بينها الى عودتها للمصلحة الخاصة كموجِه لكل حزب، وتراجع اولوية المشروع الكردي كموجه لسياساتها بحسب اقترابه وابتعاده لمصلحة كل منهم، ومع ذلك، قد تعيد الأحزاب الكردية طاولة التنسيق والتبني لمشروعها القومي في ظل الظروف الحالية.
  1. الفصائل المسلحة: مع اختلاف مسمياتها ووجود الغطاء القانوني لها أو انعدامه، فإنها أقرب الفواعل للانخراط لصالح إيران نظراً لطبيعة الايدلوجية الغالبة لتشكيلاتها واعتقادها بترابطها الوجودي، مع التأكيد على اختلاف درجة تبنيها واستعدادها (خاصة في ظل المكتسبات التي تتمتع بها حالياً).
  1. التيار الصدري: تيار شعبي شيعي يأخذ أشكالاً متعددة دينية وسياسية وأمنية واجتماعية، يميز نفسه من خلال تبني توجهات وطنية شيعية مع الحفاظ على علاقات معقدة مع إيران، يطمح للنفوذ والهيمنة على السلطة ومنافسه الأول في هذه المساحة هم الأحزاب والفصائل السياسية الشيعية المدعومة من طهران.
  1. المرجعية الدينية: مؤسسة دينية ذات تأثير جيو-ديني واجتماعي عالي جداً على التشيع داخل العراق وخارجه، يتبنى توجهات وطنية تتقاطع في مجالها الديني والاجتماعي مع النفوذ الإيراني ويتعدى هذا التنافس الى حالة الصراع الصامت في بعض الأحيان، وبمختلف المجالات وعلى رأسها الديني والاجتماعي والسياسي والأمني، ويتعامل الغرب معها بشكل أكثر اعتدالاً من غيرها من مراكز التأثير الديني الشيعي بحكم قوة تأثيرها واعتدال متبنياتها في ما يخص دعم التوجهات الوطنية، ويحتك معها في مساحات الدعم الديني التي تخدم إيران -حسب تقديراتهم-.
  1. الشارع: الكتلة الشعبية الأكبر من حيث العدد والأقل من حيث التأثير -في الوقت الراهن-، وتتوزع في توجهاتها بين المكونات وتختلف درجة استجابتها مع الفواعل القائمة في الجانبين السياسي والاجتماعي والديني في بعض الأحيان، ومن الطبيعي أن تكون مشتتة الا انها تؤيد التوجهات الوطنية العامة مع ضعف الاستعداد للتحرك والفعل كنتيجة لعدم انتظامها في أطر واضحة ومعلنة، فضلاً عن اختلاف اولويتها وتصوراتها حول فكرة “الوطنية”.

مسار التفاعل في العراق لكل سيناريو:

  • انعكاس(السيناريو الأول)على العراق: استمرار الحرب وفقاً للموازين الحالية
الفاعلرد الفعل المتوقعملاحظات
الحكومةاستمرار في إدارة التوازن بين طهران وواشنطن، وسط غياب الوضوح في السياسة الخارجية، استثمار صعود أسعار النفط
الفصائل المسلحةاستمرار النفوذ السياسي والميداني، الحفاظ على المكتسبات، الدعم عبر الموقف السياسي وتأمين الجبهة الداخليةوجود حالة من تناغم وتشابه المواقف وسط قناعة بوحدة المصير مع اختلاف الاوزان وطبيعة النفوذ
القوى السياسية الشيعيةاستمرار النفوذ السياسي والميداني، الحفاظ على المكتسبات، دعم إيران عبر الموقف السياسي وتكييف وضعها وخطابها للاتجاه نحو الوطنية الشيعية، السعي لكسب موقف باقي المكونات
القوى السياسية السنيةاستقرار نسبي، السعي لتحصيل مكتسبات أكبر، استثمار حالة الضغط على إيران في الخطابات السياسية والتعبئة الانتخابية
القوى الكرديةمساعي إعادة ترتيب البيت الكردي، استقرار نسبي، السعي لتحصيل مكتسبات سياسية أكبر، الاندفاع أكثر نحو الحلفاء الإقليميين.
التيار الصدريتعزيز طرح خطابه الوطني-الشيعي، كسب الشارع، الحفاظ على “الكمون الاستراتيجي”، استمرار النشاطات بشكل متقطع وإيصال الرسائل
مرجعية النجفاستمرار موقف المراقبة وعدم التدخل، الضغط على الفاعل السياسي في الكواليس وتوجيه الرسائل، التركيز على استشعار المخاطر الأمنية
الشارعازدياد الاهتمام السياسي، تغير نسبي في الخيارات السياسية، زيادة في السخط، استمرار حالة التشتت وعدم التنظيم مع ظهور بعض المحركات الشعبية
  • انعكاس (السيناريو الثاني) على العراق: ضعف إيران وانكفائها وصعود إسرائيل (هرمية القوى الإقليمية).
الفاعلرد الفعل المتوقعملاحظات
الحكومةمحاولة التموضع ضمن التوجه الدولي، تعزيز العلاقات مع الخليج والغرب، تقليل الاعتماد على إيران، وتراجع النفوذ الإيراني في قرار الدولة، تعزيز دور قوى الجيش والشرطة
الفصائل المسلحةانكفاء الارتباط، تراجع النفوذ لصالح الفاعل السياسي، ارتباك استراتيجي، صراع داخلي على الموارد، انقسامات داخل الفصائل.
القوى السياسية الشيعيةتراجع النفوذ السياسي والميداني للقوى التقليدية، ظهور قوى سياسية جديدة، اعادة تشكيل التحالفات، تغير في الأوزان والخطاب والتوجه نحو الوطنية، السعي لبناء تحالفات خارج المكون الشيعي
القوى السياسية السنيةالدفع باتجاه إعادة التوازن السياسي، ظهور أحزاب سياسية جديدة بخطاب جديد، استمرار التشتت، انقسامات وإعادة تشكل التحالفات والأوزان، تحصيل مكتسبات أكبر.
القوى الكرديةعودة حالة التنسيق في البيت الكردي، الذهاب بشكل اكبر للتحالف مع الغرب والحليف التركي، الانخراط بشكل أكبر في القرار المركزي بما يعزز مساعي الحكم الذاتي .قد تشهد السليمانية حالة من التحول في العلاقة مع تركيا بشكل ايجابي
التيار الصدرييتقدم كبديل للنفوذ الإيراني، تبني الوطنية، التنافس على حكم الشارع الشيعي والسلطة مع القوى الولائية
مرجعية النجفحضور كبير في مساحة الخطاب الديني والتمدد في المساحات الجيو-دينية الشيعية، توجيه الفواعل المجتمعية، دعم التحول السلمي في ظل تغير الأوزان السياسية، لعب دور في تحييد الصدام في الشارع الشيعي
الشارععودة مظاهر السخط الشعبي، محاولات القوى الاجتماعية لتنظيم نفسها، صعود خطاب الحقوق للمكونات المتضررة، تنامي التيار المدني بمختلف أطيافه واستمرار حالة التشتت الشعبي
  • انعكاس (السيناريو الثالث) على العراق: انهيار النظام الإيراني وفوضى في المنطقة.
الفاعلرد الفعل المتوقع
الحكومةأزمة في السيطرة وتأمين الحدود، هشاشة الأمن الداخلي، صعود أسعار النفط، طلب الدعم الخارجي، تعزيز دور قوى الجيش والشرطة
الفصائل المسلحةتفكك محتمل، إعادة دمجها بشكل أكبر في هيكل الدولة، التحول إلى السياسة، خروج بعضها عن السيطرة، صراع داخلي، استهداف لقياداتها، فرض عقوبات قاسية
القوى السياسية الشيعيةتراجع وغياب و انشقاقات لبعض القوى التقليدية، تصدر قوى سياسية جديدة، اعادة تشكيل التحالفات، تغير في الأوزان والخطاب والتوجه نحو الوطنية، السعي لبناء تحالفات خارج المكون الشيعي
القوى السياسية السنيةبناء تحالفات جديدة، رعاية خارجية لجمعها، مبادرات لتعزيز الأمن في مناطقها خوفاً من تمدد الفوضى، ظهور فراغات امنية، تنامي الجماعات الارهابية
القوى الكرديةترتيب أمني لحماية الاقليم، توسيع الهامش الأمني والسياسي، وإعادة تموضع قوى البيشمركة، الاعتماد على الشركاء الخارجيين
التيار الصدريالاستثمار في الفوضى، إعادة تنشيط العمل المسلح، الدخول في صدامات مسلحة مع القوى الولائية، المشاركة السياسية
مرجعية النجفدور محوري في ضبط التوازن الداخلي، احتواء الفوضى شيعياً ووطنياً، دور أكبر في تنظيم الوضع الشيعي في المنطقة، الاشتباك مع الجهود الدبلوماسية
الشارعهشاشة الوضع الأمني في الشارع، تنامي الدور العشائري وزيادة في حالة اللا استقرار الاجتماعي، مخاطر عودة العنف
  • انعكاس (السيناريو الرابع) على العراق: تفوق إيران والحفاظ على النفوذ الإقليمي مقابل تراجع اسرائيل (تراجع النفوذ الغربي).
الفاعلرد الفعل المتوقع
الحكومةالانحياز اكثر الى المحور الإيراني، تعزيز نفوذ القوى السياسية المدعومة من طهران، تراجع حضور العراق لصالح الحضور الإيراني اقليمياً
الفصائل المسلحةتعزيز قوتها سياسياً وعسكرياً، تطويع النظام السياسي بشكل أكبر، تعزيز نفوذها في الساحتين السنية والكردية
القوى السياسية الشيعيةتعزيز قوتها سياسياً وزيادة حضور القيادات العسكرية في السياسة، تطويع النظام السياسي بشكل أكبر، زيادة في إخضاع الفواعل السياسية السنية والكردية
القوى السياسية السنيةدفعها نحو الهامش في القرار السياسي، تعزيز ارتباطها مع القوى الشيعية وايران، او الاندفاع بشكل أكبر نحو تركيا والخليج كغطاء إقليمي
القوى الكرديةزيادة الضغط السياسي الشيعي عليها، زيادة الانقسام الكردي، ارتفاع الشعور بالخطر ومحاولة تأمين وضعها من خلال التفاهم مع طهران، التشديد الأمني في حدودها، الانخراط بشكل أكبر في بغداد دون مكاسب كبيرة
التيار الصدريزيادة في مقاومة الوصاية الإيرانية في الخطاب، طرح نفسه كبديل وطني مستقل، تفعيل الاحتجاجات للحفاظ على وجوده وممارسة “الممانعة السياسية”
مرجعية النجفزيادة في الحذر، التأكيد على النأي بنفسها عن التصعيد، التأكيد على استقلالية القرار الديني عن ولاية الفقيه
الشارعتراكم سخط الكتلة الشعبية المناهضة، تصاعد شعارات رفض ارتهان القرار السياسي للخارج

الخاتمة:

بالنسبة للعراق، فإن التحدي الأكبر يتمثل في إدارة هذا التداخل الإقليمي بما يخدم المصالح الوطنية، لا سيما في ظل التباينات بين الفواعل الداخلية، قدرة بغداد على تجنّب الانزلاق إلى محورٍ محدد، واستثمار الحياد المتوازن، قد تمنحها فرصة لإعادة تعريف موقعها الإقليمي في خطوة نحو البروز كوسيط لا كساحة صراع، كما أن الاستجابة الواعية من القوى الداخلية ستكون حاسمة في تحديد مخرجات التفاعل الداخلي.

في النهاية، لا تُقاس خيارات العراق فقط بدرجة تعقيد الإقليم، بل أيضًا بقدرته الذاتية على بناء منظومة استجابة استراتيجية، تعزز الاستقرار وتقلّص الانكشاف في لحظة إقليمية مرشحة لمزيد من التحوّل والانفجار في آنٍ معاً.

وفي ضوء ما سبق، من غير المرجّح أن تتطوّر الأحداث وفق مسار واحدٍ بشكل أحادي، بل يمكن أن يتجه الواقع الإقليمي نحو تداخل نسبي بين السيناريوهات، حيث قد يتراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات، بينما يُظهر تماسُكاً أو حتى تقدُّماً في ساحات أخرى، بالمثل، قد تحقق إسرائيل إنجازات تكتيكية دون أن تنجح في فرض هيمنة استراتيجية حاسمة، هذا التفاعل الجزئي بين السيناريوهات يُبقي باب الاحتمالات مفتوحاً على تحولات متقاطعة وغير خطية، ما يعقّد تقدير الاتجاه النهائي للصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى